كولين بروكس ورسائل من العالم الآخر
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وفي مدينة ملبورن الأسترالية، عاش الصبي كولين بروكس مأساةً غيّرت حياته إلى الأبد. فقد أنهى والده حياته داخل سيارة العائلة في مرآب المنزل، تاركاً خلفه جرحاً لم يلتئم في قلب ابنه.
مرت السنوات، لكن الذكرى لم تغادره يوماً.
ولكي يهرب من الماضي، قرر كولين أن يبتعد عن ملبورن إلى أقصى ما يستطيع. فانتقل إلى أقصى شمال ولاية كوينزلاند، بالقرب من مدينة كيرنز، حيث بدأ حياة جديدة بين أناسٍ جدد، آملاً أن يدفن ذكرياته المؤلمة في مكانٍ بعيد.
غير أن الماضي... كان ينتظره هناك أيضاً.
في إحدى الليالي، كان كولين يسير مع صديقته على شاطئ جزيرة ماغنيتيك، قبالة ساحل مدينة تاونسفيل. كان يبدو هادئاً، بل ومبتسماً، إلا أن داخله كان يعج بالذكريات. فقد كانت صورة والده في لحظاته الأخيرة لا تزال تلاحقه، وكأن الزمن لم يمضِ.
وفجأة، لمحا من بعيد وهج نار مخيم.
اقتربا ببطء، حتى وصلا إلى مجموعة من الغرباء يجلسون في دائرة حول النار. لم يكن يعرف أحداً منهم، ولم يكن في ذلك ما يثير الريبة، فشمال كوينزلاند تعج بالسياح والزائرين.
لكن ما لم يكن يعلمه هو أن تلك الليلة ستصبح أغرب ليلة في حياته.
كلما اقترب من الدائرة، خيّم على المكان صمت ثقيل، ولم يبقَ سوى صوت الحطب المشتعل وهدير الأمواج وهي تضرب الشاطئ.
وفي تلك اللحظة، راحت صور والده الأخيرة تعود إلى ذهنه بوضوحٍ مؤلم، وكأنه يشاهد المشهد من جديد.
وفجأة رفع أحد الرجال رأسه، ونظر إليه قائلاً بهدوء:
"مرحباً يا كولين... لقد كنا ننتظرك."
تبادل كولين وصديقته نظرات الدهشة.
كيف عرف اسمه؟
لم يسبق له أن رأى هؤلاء الأشخاص في حياته.
كان الأمر وكأنهم كانوا ينتظرون وصوله تحديداً.
ثم قطعت إحدى النساء الصمت وقالت:
"تذكّر يا بني... عليك دائماً أن تتحمل مسؤولية حياتك."
لم يدرك كولين حينها أنه على وشك سماع أكثر أسرار والده خصوصية، تخرج من فم امرأة لا يعرفها.
قالت بصوت هادئ:
"قد تكون أمك وأنا قد ابتعدنا عن بعضنا مع مرور السنين... لكنني لم أتوقف يوماً عن حبها."
ثم تغيّر صوتها فجأة، حتى بدت ملامح وجهها وكأنها تبدلت، وقالت:
"أحياناً تصبح الحياة أثقل مما يستطيع الإنسان احتماله، فلا يعود قادراً على المواصلة... لذلك أتمنى ألا تكرهني بسبب ما فعلته... لقد ارتكبت أخطاء."
ثم بدأت تتحدث عن طفولته... أدق تفاصيلها.
تفاصيل لم يخبر بها أحداً طوال حياته.
بل كانت أموراً لا يعرفها سوى والده ووالدته.
ثم قالت:
"أريدك أن تفهم ما حدث... إنني أحبك كثيراً... وعليك أن تمضي في حياتك... افعل ذلك من أجلي، ومن أجلك أيضاً."
وكانت تستعمل العبارات نفسها التي اعتاد والده أن يخاطبه بها وهو صغير.
وقد أوضح كولين لاحقاً أن والده كان يردد دائماً عبارة:
"توقف عن التذمر، وواصل حياتك."
والمرأة نطقتها بالحرف نفسه.
ثم أنهت حديثها باعتذارٍ امتزج بالمحبة، قائلة:
"لقد أحببتك دائماً، حتى وإن لم أُحسن التعبير عن ذلك... لكنني أحببتك دائماً، وسأظل أحبك."
ساد صمتٌ عميق حول النار، قبل أن تواصل المرأة حديثها بصوتٍ امتزج فيه الأسى بالمحبة، وقالت:
"أريدك أن تخبر والدتك وبقية أفراد العائلة أنني آسف... وأنني أحبكم جميعاً حباً شديداً. لقد أصبح من واجبك الآن أن تعتني بالعائلة."
ثم خيمت لحظة صمت قصيرة، قبل أن تنطق بآخر رسالة حملتها إليه:
"قد لا تسمع مني مرة أخرى أبداً... لكنني سأظل إلى جانبك دائماً."
كانت تلك الكلمات كافية لتزلزل كل ما كان يؤمن به كولين.
فهو يعترف بأنه، حتى تلك الليلة، كان من أشد الناس تشككاً في مثل هذه الظواهر، ولم يكن يصدق أن شيئاً كهذا يمكن أن يحدث في الواقع.
لكن ما الذي جرى أمام عينيه؟
كيف التقى، بمحض المصادفة، بمجموعة من الغرباء على شاطئٍ معزول؟ وكيف استطاعت امرأة لا تعرفه أن تنقل إليه رسائل دقيقة من والده الذي فارق الحياة قبل سنوات طويلة، مستخدمةً كلماته وعباراته، بل ومستحضرةً أدق تفاصيل حياته التي لم يكن يعلمها أحد؟
ظل كولين عاجزاً عن إيجاد أي تفسير منطقي لما حدث.
وما بقي راسخاً في ذاكرته، أكثر من أي شيء آخر، هو شعوره بأن تلك التجربة كانت حقيقية إلى درجةٍ لم يختبر مثلها طوال حياته.
لكن الأسئلة بقيت معلقة بلا إجابة...
من كانوا أولئك الأشخاص الذين جلسوا حول النار في تلك الليلة؟
ومن أين جاءوا؟
وهل كانوا يدركون حقيقة ما كان يحدث، أم أنهم دخلوا جميعاً، دون وعي، في حالة غامضة جعلتهم ينقلون رسائل والده من عالمٍ لا يعرف أحدٌ حقيقته؟
بقلم
محمد عبد الرزاق ابراهيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 5.0 من 5 (1 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص ظواهر خارقة
ظلال الجن في وادي العقيق
في وادي العقيق، حيث تلتقي الأساطير بالواقع، اختبرت تجربة غامضة ومخيفة غيرت حياتي إلى الأبد.
لغز الأصوات في واحة النخيل
في واحة نائية وسط الصحراء العربية، تتوالى أصوات غريبة في الليل، تشدني للتحري عن سرها في رحلة تنقلب إلى مواجهة مع قوى خفية.
لغز الصحراء الغامض
في قلب الصحراء العربية، تعثرت بظاهرة غريبة لا تفسير لها، حيث تداخلت الأساطير القديمة بالواقع في تجربة مروعة غيّرت حياتي للأبد.
لويس روجرز: الرجل الذي كان في مكانين معاً
في صباحٍ بارد من عام 1931، كان رجل إنجليزي غامض يطأ أرض أستراليا للمرة الأولى. لم يكن يحمل معه ثروةً أو شهرةً أو منصباً مرموقاً، بل شيئاً أكثر إثارة ل...