طريق العودة إلى المجهول
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
ما زلت أذكر رائحة الهيل والخوف حين عاد خليل من جنازة جده. لم يكن حزن الفقد النظيف، بل كان شيئًا آخر—شيء التصق بملابسه مثل دخان من نار لا ينبغي أن تشتعل.
كان ابن عمي يسافر بطريق دمشق-بغداد منذ خمسة عشر عامًا، يحمل البضائع بين مدن باتت تتباعد مع كل موسم. كان يقول دائمًا إن طرق العثمانيين موثوقة، خطوط مستقيمة عبر صحراء صادقة. ولكن ذلك كان قبل وفاة أبو خليل العجوز، قبل الإرث الغريب، قبل الليالي التي تعود فيها شاحنته محملة برمال من أماكن لا توجد في أي خريطة.
ظهر أول مؤشر بعد ثلاثة أيام من الدفن. طرق خليل بابي بعد صلاة المغرب، وجهه شاحب مثل رماد الشتاء. قال "يا ابن العم، هل تتذكر الطريق إلى قرية الجد؟"
بالطبع تذكرت. وادي السدر، مختبئة بين تلتين مثل سر. كنا نزورها كل صيف ونحن أطفال.
همس قائلاً "لا أستطيع العثور عليها. الطريق... لم يعد هناك."
حضّرت له الشاي. استمعت إليه وهو يصف كيف قاد في الطريق المألوف، ليجد نفسه على طريق سريع يمتد بلا نهاية، بلا منعطفات، بلا معالم. فقط صحراء ويقين متزايد بأن شيئًا ما كان يتبع شاحنته.
"كيف يتبعك؟" سألت.
"في المرايا. دائمًا على حافة الرؤية. عندما أتوقف للتحقق، لا شيء هناك. لكن عندما أقود..." ارتجف. "يبقى على مقربة."
قلت له إن الحزن يلعب بألعاب العقل. الطرق تبدو مختلفة عندما يكون القلب ثقيلاً. أومأ، لكن عينيه كانتا تحملان رعبًا لم أره من قبل.
حدث الحادث الثاني بعد أسبوع. خليل قام بشحنة إلى حلب—عمل روتيني، طريق مألوف. كان من المفترض أن يعود بحلول المساء. بدلاً من ذلك، وصل عند الفجر، شاحنته مغطاة بغبار يبدو غريبًا بشكل ما. أحمر جدًا. ناعم جدًا.
قال بصوت بالكاد يُسمع "أخذت راكبًا." "خارج حمص. امرأة عجوز، تمشي وحيدة في الظلام."
"وماذا بعد؟"
"كانت تعرف اسم الجد. تعرفت على أشياء عن عائلتنا. قالت إنها تسافر إلى وادي السدر." ارتجفت يداه وهو يشعل سيجارة. "لكن عندما نظرت في المرآة للتحقق منها، كان المقعد فارغًا."
"هل نزلت؟"
"لا." سقطت السيجارة من أصابعه. "كانت لا تزال تتحدث. كان بإمكاني سماع صوتها، لكن المقعد كان فارغًا. وصوتها... كان يقترب من صوتي."
وجدت نفسي أتفقد الأبواب في تلك الليلة.
لأسبوعين بعد ذلك، بدا خليل بخير. مساراته سارت بسلاسة. ضحك على مخاوفي، زعم أن الصحراء كانت تلعب حيلًا. شاركنا العشاء في منزله، تحدثنا عن دراسة أولاده، مخاوف زوجته فاطمة بشأن ابنهما الأكبر. محادثة طبيعية. حياة طبيعية.
كان ينبغي أن أعرف أن الأمر كان سهلاً للغاية.
بدأ الرعب الحقيقي في ليلة القمر الجديد. أخذ خليل شحنة متأخرة إلى البصرة—بضائع ثمينة تحتاج للسفر تحت جنح الظلام. كان من المفترض أن يعود خلال ثلاثة أيام.
لكنه عاد في ست ساعات.
لكنه لم يكن هو من طرق بابي.
آه، بدا مثل خليل. نفس الوجه المتجعد، نفس الأيدي المتشققة، نفس الصوت يطلب الشاي. لكن عينيه... كانت تراقب من مكان بعيد، محبوسة خلف الزجاج. وعندما ابتسم، كان مع علم ينتمي إلى شخص آخر.
قال "يا ابن العم" واستقر في الكرسي حيث يجلس ابن عمي الحقيقي دائمًا "وجدت قرية الجد."
"هل فعلت؟" جفلت.
"إنها جميلة في هذا الوقت من العام. النخيل مثقل بالثمار. ماء البئر طعمه مثل الذكريات." انحنى للأمام، وشممت تلك الرائحة مجددًا—الهيل والخوف، لكنها كانت أقوى الآن. "الجد يرسل تحياته."
"خليل، أبو خليل مات."
"هل هو؟" الشيء الذي يرتدي وجه ابن عمي أمال رأسه. "الموت مفهوم غربي، ألا تعتقد؟ هنا في الصحراء، نفهم أن بعض الأشياء ببساطة... تغير مكانها."
أردت أن أهرب. كان يجب أن أهرب. لكن هذا كان جسد ابن عمي، منزل ابن عمي، وفي مكان ما خلف تلك العيون الأجنبية، كان خليل يصرخ.
قلت بحذر "الإرث، ماذا ترك لك الجد؟"
"طريقه،" جاء الرد. "الطريق الحقيقي. ليس الذي على الخرائط، بل الذي يربط كل الأماكن التي نسيها الناس. كان يقودها لمدة ستين عامًا، يجمع الركاب الذين يحتاجون للعودة إلى ديارهم."
"إلى أين؟"
"إلى حيث ينتمون. إلى حيث كانوا دائمًا، قبل الحدود والخرائط والآلهة الجديدة التي قسمت الصحراء." وقف لا-خليل، يتحرك بخفة لم يمتلكها ابن عمي قط. "هل تريد أن ترى؟"
في الخارج، سمعت دمدمة شاحنة خليل. ولكن عندما نظرت من النافذة، لم تكن السيارة المتعبة التي أعرفها. كانت هذه المركبة أقدم، مصنوعة من الخشب والنحاس وشيء قد يكون عظامًا. كان سرير الشحن مليئًا بالظلال التي تتحرك وتهمس.
"جميلة، أليس كذلك؟" لمس لا-خليل كتفي بأصابع شعرت وكأنها رمل. "الجد قام بتصميمها خصيصًا. المحرك يعمل على الشوق، وخزان الوقود يحمل الأسماء المنسية. فعال جدًا."
"إلى أين تأخذه؟"
"من؟" كانت الابتسامة لخليل، لكن القسوة خلفها كانت تعود لشيء أقدم بكثير. "آه، تقصد الراكب. إنه في الرحلة، يتعلم الطرق. قريبًا لن يحتاج الجسد بعد الآن. قريبًا سيفهم أن الصحراء كانت دومًا مكانًا واحدًا، وأن الطرق لم تكن أبدًا مخصصة لتكون نهايتها."
رأيت خليل عندها، للحظة فقط—وميض من الرعب في أعماق تلك العيون المستحوذة. ابن عمي، يشاهد بلا حول ولا قوة بينما يقود شيء آخر جسده.
همست "أرجوك، دعه يذهب."
"إلى أين؟ هذا هو إرثه، يا ابن العم. هدية جده. الحرية في القيادة إلى الأبد، لحمل الضائعين إلى ديارهم، لعدم القلق بشأن الحدود أو الأوراق أو الهموم الصغيرة للأحياء." تحرك لا-خليل نحو الباب. "يمكنك المجيء أيضًا. هناك دائمًا مكان للعائلة."
تبعتُه إلى الخارج، مدفوعًا بالرعب والحب معًا. كانت الشاحنة تنتظر، محركها يخرّ بصوت يشبه الرياح عبر العظام. في المقعد الأمامي كانت ظلال امرأة عجوز، وخلفها، يملأ سرير الشحن، كانت هناك العشرات من الأشكال الأخرى. كلهم يراقبونني بأعين مثل نجوم بعيدة.
قال لا-خليل وهو يصعد إلى مقعد السائق بحركات تكاد تكون لخليل، لكنها ليست كذلك تمامًا "الجد بنى عملًا رائعًا." "أجيال من السائقين، يحملون المهجرين والمنسيين إلى حيث بدأوا. الصحراء تتذكر الجميع، يا ابن العم. الجميع يعودون في النهاية إلى ديارهم."
بدأت الشاحنة بالتحرك، عجلاتها تترك آثارًا تملأها الرمال حتى وأنا أشاهد. ولكن قبل أن تختفي تمامًا، سمعت صوت ابن عمي—خليل الحقيقي—ينادي من داخل ذلك الجسد المسروق:
"الخرائط، يا ابن العم! أحرق الخرائط! لا تدعهم يجدون الطريق إلى—"
انقطعت الكلمات بينما اختفت الشاحنة في الظلام الذي كان أعمق من ليلة الصحراء.
وجدت الخرائط في صباح اليوم التالي، ملفوفة في منزل خليل مثل صندوق الدوطة. خرائط قديمة مرسومة على الجلد والبردي، تظهر طرقًا تربط وادي السدر بأماكن بأسماء لم أتعرف عليها. أماكن توجد في الفراغات بين الحدود الرسمية، في الزوايا المنسية حيث تحتفظ الصحراء بأقدم أسرارها.
أحرقتها جميعًا.
لكن أحيانًا، في الليالي التي تهب فيها الرياح من الشرق، لا يزال بإمكاني سماع صوت محرك يعمل على الشوق. وأعرف أن ابن عمي ما زال يقود هناك، لا يزال يحمل ركابًا يحتاجون للعودة إلى ديارهم.
الفرق هو، أنه الآن يتعلم كيف يستمتع بالعمل.
الشهر الماضي، سألتني فاطمة لماذا لم يعد يكتب زوجها بعد الآن. قلت لها إن خدمة البريد غير موثوقة هذه الأيام. لكن الحقيقة أبسط وأكثر رعبًا: الأموات لا يحتاجون لإرسال الرسائل.
إنهم يوصلون أنفسهم.
بقلم
أحمد الكاتب
كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.
قيّم هذه القصة
التقييم: 4.0 من 5 (5 تقييم)
شارك القصة (1)
قصص مشابهة من قصص بيوت مسكونة
أصوات الليل في بيت الجدة
عند زيارتنا لمنزل الجدة القديم في قلب القرية النائية، لم نكن ندرك أن الليلة ستكون شاهدة على أسرار دفينة لا يمكن تفسيرها.
الغرف التي تتهامس
ضربتني الرائحة أولاً—الهيل والتحلل، كأن أحدهم يغلي القهوة في فم جثة. وقفت في مدخل بيت جدي في عمان، أشاهد حبيبات الغبار ترقص في الضوء الذهبي، وأدرك أن بعض البيوت تتذكر كل شيء—كل صلاة، كل خطيئة، كل قطرة دم.
المحراب ينحني نحو الغرب
يحين الأذان عند غروب الشمس الآن، عندما يجب أن يكون عند الفجر. أقف أمام المحراب المتهاوي في مسجد الغرباء، أراقب ابني خليل يسجد نحو الاتجاه الخاطئ. لقد مضى على وفاته ثلاثة أسابيع، لكنه هنا، يبتسم بكثرة أسنانه، يرحب بي بالعودة إلى القرية التي أقسمت ألا أعود إليها.
غرفة الأسرار المنسية
في بيت جدتي في دمشق، كانت الظلال تتسلق نحو السماء. لم أكن أصدق بالهبات، لكن الميراث كشف أسرارًا دفينة جعلتني أعيد التفكير في كل شيء. هل تجرؤ على اكتشاف "غرفة الأسرار المنسية"؟