المحراب ينحني نحو الغرب

5 دقائق قراءة
613 قراءة
5.0 (19)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

يحين الأذان عند غروب الشمس الآن، عندما يجب أن يكون عند الفجر.

أقف أمام المحراب المتهاوي في مسجد الغرباء، أراقب ابني خليل يسجد في الاتجاه الخاطئ. جبينه يلمس الغبار حيث لا يجب لأي مؤمن أن ينحني — نحو الشمس الغاربة، نحو عالم الموتى. المحراب يواجه الغرب، محفورًا بشكل خاطئ في جدار القبلة بأيدي كانت تعرف الأفضل.

"يا أبي،" يهمس خليل دون أن يرفع رأسه، "الحجارة تتذكر صوتك."

لم أتحدث.

---

ستة وستون عامًا حملت عبء حماية عائلتي. ستة وستون عامًا منذ أن هربت من هذه القرية، بئر الميت، متعهدًا بعدم العودة. لكن رسائل خليل أصبحت غريبة — تتحدث عن اكتشافات، عن المسجد القديم، عن الأصوات في البئر. عندما توقفت رسائله عن الوصول قبل ثلاثة أسابيع، علمت.

البيت يتذكرني.

يجثم على حافة القرية مثل عنكبوت صبور، تمامًا كما تركته. جدران الطوب الطيني بلون الدم الجاف. الباب الخشبي لا يزال يحمل الخدوش التي صنعتها كطفل، أعد الأيام حتى أتمكن من الهروب. لكن الخدوش الآن جديدة. حديثة.

هاتفي مات لحظة عبوري حدود القرية. لا إشارات، فقط شاشة سوداء تعكس وجهي المتعب. الطريق الصحراوي الذي جلبني هنا اختفى — عندما ألتفت، هناك فقط كثبان تتحرك في أنماط مستحيلة.

يخرج خليل من المسجد، كفتانه نظيف رغم الغبار. يبتسم، لكن أسنانه بيضاء جدًا. كثيرة جدًا.

"عدت، يا أبي. كما قالت الأصوات أنك ستعود."

مضى ثلاثة أسابيع على وفاة ابني. دفنته في دمشق بعد أن أخذته الحمى. أمسكت بيده الباردة. غسلت جسده بنفسي.

هذا الشيء الذي يرتدي وجهه يميل رأسه تمامًا كما كان يفعل خليل.

---

"هل أنت جائع، يا أبي؟ أعددت لك المفضل لديك — المنسف مع الجميد الإضافي، كما كانت تفعل أمي."

داخل البيت، كل شيء خطأ-صحيح. غرفتي الطفولية كما تركتها، لكن سجادة الصلاة تواجه الغرب. الصور العائلية تظهر وجوهًا لا أعرفها بملامح أشخاص أحببتهم. في إطار واحد، زوجتي فاطمة تبتسم بجانب رجل ليس أنا.

رائحة اللحم والأرز تملأ المطبخ، لكن تحتها شيء آخر. شيء حلو وتعفن.

يضع ليس-خليل طبقًا ساخنًا أمامي. اللحم متبل بشكل مثالي، الأرز ناعم وعطري. طعمه كذكرى — كيدي أمي، كالأمان، كالمنزل.

"كل، يا أبي. لقد سافرت بعيدًا."

آكل. لأنني جائع. لأن طعمه كالحب.

فقط بعد أن أنتهي ألاحظ العظام في طبقي صغيرة جدًا. دقيقة جدًا.

عظام طيور.

ابتسامة ليس-خليل لا تتغير. "العصافير تعشش الآن في المحراب. تغني الأذان في الأوقات الخطأ."

من خلال النافذة، أراقب الشمس تغرب في الشرق.

---

تلك الليلة، أسمع صوت والدي ينادي من الفناء.

"أحمد! يا ولدي، تعال ساعد أباك العجوز."

مضى ثلاثون عامًا على وفاة والدي. دفنته في هذا الفناء ذاته، تحت شجرة التين التي لم تعد تثمر. لكن صوته يصلني واضحًا كريح الصحراء، مع الرهبة التي كانت تجعلني أرتجف.

"البئر يحتاج إلى تنظيف، يا أحمد. الماء يتذوق كذكرى."

أضغط راحتي على أذني، لكن الصوت يأتي من الداخل الآن.

"لا يمكنك الاختباء مما أنت عليه، يا بني. لا يمكنك الاختباء مما فعلته."

يظهر ليس-خليل في باب غرفتي، مضاءً بضوء القمر الذي لا يلقي بظلال.

"والدك يناديك،" يقول. "لقد انتظرك في البئر."

"والدي ميت."

"الموت مجرد جهة أخرى، مثل المحراب. الغرب بدلاً من الشرق. الأسفل بدلاً من الأعلى."

الشيء الذي يشبه ابني يمد يده التي تبدو حقيقية، دافئة، حية. "تعال. دعني أريك الحقيقة عن هذا المكان."

أتبع لأنني أب. لأن حماية أطفالي كانت دائمًا هدفي، حتى عندما يصبحون شيئًا آخر.

---

البئر في فناءنا كان دائمًا عميقًا. كطفل، كنت أرمي الحجارة وأعد دقات القلب قبل الطرطشة. الليلة، لا يوجد طرطشة. فقط أصداء تبدو كأصوات.

كالاتهامات.

"انظر للأسفل، يا أبي."

أنحني فوق حافة الحجر. في المياه السوداء في الأسفل، الوجوه تطفو كالأقمار الشاحبة. والديّ. إخوتي. زوجتي فاطمة، عينيها واسعتين مع نفس الرعب الذي رأيته عندما أخذتها الحمى.

وخليل. ابني الحقيقي. وجهه أزرق رمادي، فمه مفتوح في صرخة صامتة.

"تركتنا نموت،" تهمس الأصوات المائية. "واحدًا تلو الآخر، تركتنا نموت."

"حاولت أن أنقذكم جميعًا—"

"هربت، أحمد بن رشيد. تركتنا هنا لنطعم الشيء في المسجد. الشيء الذي يجعل الأذان يأتي في الأوقات الخطأ."

قبضة ليس-خليل تشد على كتفي. أصابعه طويلة جدًا الآن، مفاصلها تنحني في اتجاهات تؤلم النظر.

"لكن عدت، يا أبي. أخيرًا. العائلة كاملة مجددًا."

الأصوات من البئر تزداد ارتفاعًا، متداخلة:

*تركتنا* *سمحت للحمى بالانتشار* *أنقذت نفسك فقط* *المحراب يشير للغرب لأنك أرسلتنا هناك* *غربًا لعالم الموتى* *والآن تنضم إلينا*

أفهم الآن. الشيء في المسجد لا يجعل الأذان يأتي في الأوقات الخطأ.

إنه يجعل الأذان للموتى.

وأنا ميت منذ اللحظة التي عبرت فيها حدود القرية.

---

يجب أن يخيفني الكشف، لكنه يجلب بدلاً من ذلك سلامًا غريبًا. عمري ستة وستون عامًا. لقد حملت عبء البقاء، أن أكون الذي نجا بينما هلك الآخرون. الذنب قد جوفني مثل النمل الأبيض في الخشب.

"منذ متى وأنا ميت؟" أسأل الشيء الذي يرتدي وجه ابني.

"منذ دمشق. منذ أن أمسكت بيد خليل الباردة وانكسر قلبك تمامًا."

الحمى. أخذت ابني، ثم أخذتني. الرحلة إلى بئر الميت — كل ذلك حدث في الفضاء بين آخر دقة قلبي ولحظة سقوط جسدي على أرضية المستشفى.

"لكنني شعرت بالطريق تحت قدمي. تذوقت المنسف."

"الأموات يتذوقون الذكرى، يا أبي. يشعرون بثقل اختياراتهم."

حولنا، تمتلئ القرية بصوت الخطوات. عائلتي تخرج من البيوت التي يجب أن تكون فارغة — والدين، إخوة، أبناء عم، جميع الذين ماتوا بينما كنت أعيش في مكان آخر. يجتمعون في الفناء، وجوههم هادئة الآن.

بانتظار.

يعلو الأذان من المسجد، واضحًا وجميلاً وخاطئًا. يأتي من الغرب، من اتجاه النهايات، يدعو المؤمنين إلى السجود الأخير.

ليس-خليل — لا، ببساطة خليل الآن، ابني كما هو حقًا — يمسك بيدي.

"تعال، يا أبي. حان وقت الصلاة."

نسير معًا نحو المسجد حيث المحراب يشير للغرب. حيث المساحة المخصصة للصلاة تواجه العالم الذي دخلته أخيرًا. تتبعنا العائلة، خطوات صامتة على حجارة تتذكر كل شيء.

في المسافة، أسمع أصواتًا جديدة تنادي — مرضى في مستشفى دمشق، ربما، أو أقارب يتلقون مكالمات عن رجل عجوز انهار من الحزن.

لكن أصواتهم تتلاشى مع كل خطوة.

يعلو الأذان.

ولأول مرة منذ ستة وستين عامًا، لم أعد الحامي.

أنا المحمي.

المحراب يشير للغرب، والغرب هو مكاني. الغرب هو المكان الذي يصلي فيه الموتى نحو الشمس الغاربة، نحو سلام التخلي النهائي.

حجارة مسجد الغرباء تتذكر صوتي الآن، تضيفه إلى جوقة كل من جاء قبل.

يأتي الأذان في الوقت المناسب بعد كل شيء.

يأتي عندما يكون المؤمنون مستعدين للإجابة.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 5.0 من 5 (19 تقييم)

شارك القصة (4)

قصص مشابهة من قصص بيوت مسكونة

قصص بيوت مسكونة

أصوات الليل في بيت الجدة

عند زيارتنا لمنزل الجدة القديم في قلب القرية النائية، لم نكن ندرك أن الليلة ستكون شاهدة على أسرار دفينة لا يمكن تفسيرها.

12474.0
قصص بيوت مسكونة

الغرف التي تتهامس

ضربتني الرائحة أولاً—الهيل والتحلل، كأن أحدهم يغلي القهوة في فم جثة. وقفت في مدخل بيت جدي في عمان، أشاهد حبيبات الغبار ترقص في الضوء الذهبي، وأدرك أن بعض البيوت تتذكر كل شيء—كل صلاة، كل خطيئة، كل قطرة دم.

9705.0
قصص بيوت مسكونة

غرفة الأسرار المنسية

في بيت جدتي في دمشق، كانت الظلال تتسلق نحو السماء. لم أكن أصدق بالهبات، لكن الميراث كشف أسرارًا دفينة جعلتني أعيد التفكير في كل شيء. هل تجرؤ على اكتشاف "غرفة الأسرار المنسية"؟

3173.0
قصص بيوت مسكونة

صوت يُنادي في الليل

تردد صوت الأذان لصلاة المغرب من المسجد المهجور، رغم أن الحاج محمود كان يعلم أن المئذنة صامتة منذ سبع سنوات. الصوت كان جميلاً ومألوفًا، لكنه دعا باسم محمود، يأمره بالعودة إلى المنزل. بعض الأصوات لا يجب الرد عليها.

3024.0