الغرف التي تتهامس

7 دقائق قراءة
955 قراءة
5.0 (24)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

ضربتني الرائحة أولاً—رائحة الهيل والتحلل، كأن أحدهم كان يغلي القهوة في فم جثة.

وقفت في مدخل بيت جدي في عمان، والمفاتيح لا تزال دافئة في كفي، أراقب حبيبات الغبار ترقص في ضوء العصر الذهبي. امتد البيت أمامي كفم مليء بالأسنان المكسورة—غرف كثيرة، ظلال كثيرة، زوايا كثيرة حيث كانت مخاوفي الطفولية مخبأة ولا تزال تنتظر.

"يلا يا مريم،" همست لنفسي كما كانت تقول تاتا عندما تراني أتردد. "إنه مجرد بيت."

لكن حتى وأنا أدخل، شعرت بشعور وخز في جلدي من تذكيرها: "بعض البيوت تتذكر كل شيء، حبيبتي. كل صلاة، كل خطيئة، كل قطرة دم."

أنين الألواح الخشبية تحت قدمي تحدث بلغة أقدم من العربية. ورثت هذا المكان منذ ستة أشهر، لكن العمل أبقاني في دبي حتى الآن. في الثانية والأربعين من عمري، ظننت أنني كبرت بما يكفي لمواجهة أشباح الطفولة. كنت مخطئة في أشياء كثيرة في ذلك اليوم.

بدت غرفة الجلوس كما أتذكرها منذ عشرين عامًا—نفس السجادة البورغندية بنقوشها الهندسية المعقدة، نفس المشربيات الخشبية تصفي الضوء إلى هندسة مقدسة، نفس صورة جدي الأكبر تراقب بعينين يبدو أنها تتبع الحركة. لكن شيئًا ما كان... في غير محله. الأثاث كان في زوايا خاطئة، كأن أحدهم كان يعيد ترتيبه في الظلام.

وضعت حقيبتي، وصدى الصوت كان أطول مما ينبغي.

"مرحباً؟" خرج صوتي أصغر مما كنت أريد.

ابتلع البيت كلماتي ولم يعطِ شيئاً في المقابل.

تحركت بين الغرف المألوفة، كل واحدة تثير سيلاً من الذكريات. المطبخ حيث علمتني تاتا لف ورق العنب. المكتب حيث حكى لي جدو قصصاً عن الجن والملوك القدماء. غرفة الصلاة حيث اجتمعنا للعائلة للمغرب، أصواتنا ترتفع معًا نحو السماء.

لكن الآن كل غرفة شعرت بأنها... جائعة. الجدران بدت وكأنها تتنفس بإيقاع خفيف، تتوسع وتنكمش مثل أضلاع وحش ضخم. قلت لنفسي إنها مجرد الخشب القديم يستقر، والحرارة الصحراوية تجعل كل شيء يتمدد.

مع حلول المساء، كنت قد فرغت من الأمتعة وأعددت عشاءً بسيطاً من الخبز واللبنة. أصبح المنزل هادئًا من حولي، نوع من الصمت يضغط على طبلة الأذن. جلست في المطبخ، أتناول الطعام على ضوء لمبة واحدة، عندما سمعتها.

خطوات أقدام.

بطيئة، مدروسة. قادمة من الطابق العلوي.

تجمدت، قطعة خبز في منتصف الطريق إلى فمي. استمرت الخطوات—ليست صرير الخشب العشوائي، بل وتيرة محسوبة لشخص يسير بغرض. ذهابًا وإيابًا عبر السقف فوقي، كما لو كان يخطو.

"ربما مجرد البيت يستقر،" قلت بصوت عالٍ، لكن صوتي تصدع.

توقفت الخطوات.

ثم، بوضوح النهار، سمعت اسمي.

"مريم."

صوت امرأة، ناعم ومألوف، يحمل نفس النبرة التي كانت تاتا تستخدمها عند منادتي للصلاة. لكن تاتا ماتت منذ ثلاث سنوات.

اهتزت يداي وأنا أضع الخبز. جاء الصوت مرة أخرى، أقرب الآن، يبدو وكأنه يتسلل عبر الجدران نفسها.

"مريم، حبيبتي. تعالي إلى الطابق العلوي."

كان ينبغي أن أغادر. كان ينبغي أن آخذ مفاتيحي وأعود إلى دبي في تلك اللحظة. بدلاً من ذلك، وجدت نفسي أصعد الدرج، مدفوعة بدافع لا أستطيع تسميته. شعرت خطوات الخشب ناعمة تحت قدمي، تقريباً إسفنجية، كما لو كانت مصنوعة من اللحم بدلاً من الخشب.

امتد الممر العلوي أطول مما أتذكر، مصفوفًا بأبواب بدت وكأنها تتكاثر في الضوء الخافت. بعضها يؤدي إلى غرف نوم أعرفها. أخرى... لا أستطيع تذكر تلك الأبواب الموجودة من قبل.

"تاتا؟" همست.

ضحكة تنبعث من خلف أحد الأبواب الغريبة—عالية، موسيقية، ولكن بحافة جعلت أسناني تؤلمني. بدت كضحكة تاتا، ولكن... خاطئة. كما لو أن أحدهم سجلها وشغلها بسرعة خاطئة.

مددت يدي لمقبض الباب.

كان المعدن دافئًا. دافئًا جدًا. مثل الجلد.

تراجعت يدي بسرعة وتوقفت الضحكة. في الصمت الذي تلا، استطعت أن أسمع شيئًا آخر—صوت انزلاق رطب، كأن شيئًا يُجر عبر الأرض.

ركضت.

عدت إلى المطبخ، جلست وظهري إلى الجدار وجميع الأضواء مضاءة، أخبر نفسي أنني كنت ساذجة. الحزن يمكن أن يلعب حيلًا على العقل. كان المنزل قديمًا، مليئًا بالأصداء والذكريات. كان هناك تفسير عقلاني لكل شيء.

لكن عندما نظرت إلى كفي، استطعت أن أرى بصمة مقبض الباب الدافئ جدًا، حمراء وغاضبة على بشرتي مثل حرق.

اتصلت بابنة عمي ليلى في عمان. كان صوتها حبل النجاة في الظلام.

"أنت تقيمين في البيت القديم؟ يا الله، مريم، لماذا لم تبقي معنا؟"

"أحتاج إلى تفقد أشياء جدو. وأقرر ماذا أفعل بالمكان."

توقف. "هل لاحظتِ... أي شيء غريب؟"

تجمد دمي. "ماذا تعني؟"

"لا شيء. فقط... ماما دائمًا قالت إن هذا البيت يحتفظ بالأشياء. الذكريات. ربما أكثر من الذكريات."

بعد أن أنهينا المكالمة، حاولت النوم على الأريكة في غرفة الجلوس، لكن كل صرير في البيت كان يبدو كخطوات. كل همسة ريح عبر المشربيات كانت تبدو كأصوات.

حوالي الثالثة صباحًا، سمعت الخدش.

بدأ ناعماً—مثل الفئران في الجدران. لكنه تدريجيًا أصبح أعلى، أكثر قصدًا. مثل الأظافر تسحب عبر الخشب. بدا الصوت وكأنه يتحرك عبر البيت، يسافر من غرفة إلى أخرى بنية محددة.

تبعته دون أن أقصد، مدفوعة بدافع يشبه المشي أثناء النوم. قادني الخدش مرة أخرى إلى الطابق العلوي، إلى نفس الباب الغريب.

هذه المرة، فتحته.

كانت الغرفة وراء الباب مستحيلة. امتدت أعمق مما ينبغي لأبعاد المنزل أن تسمح، مليئة بالظلال التي تتحرك بشكل مستقل عن أي مصدر ضوء. كانت الرائحة خليطاً من رائحة البخور وشيء آخر—شيء فاسد.

وهناك، في وسط الغرفة، كانت تجلس جدتي.

لكن ليس كما أتذكرها. هذه النسخة من تاتا كانت خاطئة بطرق كافحت عقلي لفهمها. كانت بشرتها شاحبة جدًا، شبه شفافة، تظهر شبكة الأوردة تحتها مثل خارطة تحلل. عيناها كانتا اللون الصحيح لكن مشرقتين جدًا، كما لو مضاءة من الداخل.

"مريم، حبيبتي،" قالت، وصوتها كان صحيحًا تمامًا باستثناء الصدى—كما لو أن نسخًا متعددة منها كانت تتحدث في وقت واحد. "لقد كنت أنتظرك."

"أنت ميتة." خرجت الكلمات كهمس.

ابتسمت، وكانت أسنانها حادة جدًا. "الموت مجرد غرفة أخرى في هذا البيت. وهذا البيت... يتذكر كل شيء."

بدأت الظلال حولها تتحرك بشكل أكثر عدوانية، تمتد نحوي بأصابع من الظلام. كنت أستطيع رؤية أشكال فيها الآن—وجوه أعرفها. أفراد من العائلة ماتوا في هذا البيت عبر الأجيال. جميعهم خاطئون، جميعهم جائعون.

"نحن لا نغادر حقًا، كما تعلمين،" استمرت تاتا، تنهض من كرسيها بحركات تتحدى الفيزياء. "نحن فقط ننتقل إلى الغرف التي لا يمكنك رؤيتها عادة. لكنك فتحت الباب، أليس كذلك؟ لقد سمحت لنا بالدخول مرة أخرى."

حاولت الركض، لكن الباب أغلق خلفي. بدأت الغرفة تتمدد وتتحول، تصبح شيئًا موجودًا في أبعاد لا تستطيع عيني تفسيرها بشكل صحيح. ضغطت الظلال أقرب، وكنت أسمع أصواتًا—عشرات منها، كلها تنادي اسمي، كلها تعد بأشياء في همسات تجعل روحي ترتعد.

"البيت يتذكر،" قالت صوت تاتا من كل مكان ولا مكان. "كل صلاة قلناها هنا، كل دمعة ذرفناها، كل قطرة دم. لكنه يتذكر الأشياء المظلمة أيضًا. الأسرار التي أخفيناها. الخطايا التي دفناها. والآن هو جائع للمزيد."

شعرت بأصابع باردة تلمس وجهي، وفجأة كنت في مكان آخر—في غرفة الجلوس، ضوء الشمس يتدفق عبر النوافذ. كنت في السابعة من عمري مرة أخرى، أراقب تاتا تستعد للصلاة، وكانت تخبرني عن طبيعة الذاكرة.

"بعض البيوت مثل الإسفنج، حبيبتي. تمتص كل ما يحدث فيها. الحب، الفقد، الحياة... وأحيانًا، الموت. عندما يشهد البيت الكثير، يبدأ في الحلم. وأحلامه... يمكن أن تكون خطيرة."

تحطمت الرؤية، وكنت مرة أخرى في الغرفة المستحيلة، محاطة بالأموات الجائعين. لكنني الآن فهمت. لم يكن البيت يتذكر فقط—كان يتغذى على تلك الذكريات، يصبح أقوى مع كل جيل من عائلتي عاش ومات داخل جدرانه.

والآن أرادني.

أغمضت عيني وبدأت أقرأ الفاتحة، كما علمتني تاتا. ارتدت الظلال، تهمس مثل القطط الغاضبة. وجوه أقاربي الموتى المشوهة تلتوي في ألم أو غضب—لم أكن أستطع التمييز.

"بسم الله الرحمن الرحيم..."

اهتزت الغرفة من حولي، الواقع يعيد نفسه في موجات عنيفة. واصلت قراءة الفاتحة، أفرغت كل ذرة إيمان لدي في الكلمات، حتى تراجعت الظلال وفتح الباب خلفي.

ركضت.

نزولاً عبر الدرج، مروراً بالجدران المتنفسة، عبر الغرف الجائعة، إلى الهواء الليلي البارد في عمان. لم أتوقف عن الركض حتى وصلت إلى سيارتي، ولم أتوقف عن القيادة حتى وصلت إلى شقة ليلى عبر المدينة.

بعد ثلاثة أيام، عدت مع مقاول لوضع البيت في السوق. لكن عندما وصلنا، وجدنا شيئًا جعل دمي يتجمد.

الباب الذي فتحته—الذي قاد إلى الغرفة المستحيلة—اختفى. في مكانه كان جدار صلب، مطلي بنفس لون الممر، كما لو أنه لم يكن موجودًا على الإطلاق.

لكن على ذلك الجدار، بالكاد مرئية إلا إذا كنت تعرف أين تبحث، كانت هناك خدوش. حفر عميقة في الجص تشكل كلمات بالعربية:

"نحن نتذكر. نحن ننتظر. نحن نحلم."

بعت البيت في ذلك الأسبوع لمطور يخطط لهدمه وبناء شقق. ظننت أن هذا سيكون نهايته.

لكن أحيانًا، في وقت متأخر من الليل في شقتي في دبي، أسمع خطوات في الغرفة فوقي. وعندما أنادي، أسأل من هناك، أسمع صوت جدتي يتسلل عبر السقف:

"فقط الغرف تتذكر، حبيبتي. فقط البيت يحلم."

تعلمت أن أنام وكل الأضواء مشتعلة. لكن الظلال لا تزال تتحرك بشكل مستقل، وأحيانًا ألتقط لمحات لأبواب لا ينبغي أن تكون موجودة، تؤدي إلى غرف حيث تنتظر عائلتي بعيون مشرقة جدًا وابتسامات حادة جدًا.

البيت ذهب الآن. هدم. تحول إلى غبار وذاكرة.

لكن بعض البيوت، تعلمت، لا تحتاج إلى جدران لتتذكر.

بعض البيوت تتبعك إلى المنزل.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 5.0 من 5 (24 تقييم)

شارك القصة (5)

قصص مشابهة من قصص بيوت مسكونة

قصص بيوت مسكونة

أصوات الليل في بيت الجدة

عند زيارتنا لمنزل الجدة القديم في قلب القرية النائية، لم نكن ندرك أن الليلة ستكون شاهدة على أسرار دفينة لا يمكن تفسيرها.

12474.0
قصص بيوت مسكونة

المحراب ينحني نحو الغرب

يحين الأذان عند غروب الشمس الآن، عندما يجب أن يكون عند الفجر. أقف أمام المحراب المتهاوي في مسجد الغرباء، أراقب ابني خليل يسجد نحو الاتجاه الخاطئ. لقد مضى على وفاته ثلاثة أسابيع، لكنه هنا، يبتسم بكثرة أسنانه، يرحب بي بالعودة إلى القرية التي أقسمت ألا أعود إليها.

6135.0
قصص بيوت مسكونة

غرفة الأسرار المنسية

في بيت جدتي في دمشق، كانت الظلال تتسلق نحو السماء. لم أكن أصدق بالهبات، لكن الميراث كشف أسرارًا دفينة جعلتني أعيد التفكير في كل شيء. هل تجرؤ على اكتشاف "غرفة الأسرار المنسية"؟

3173.0
قصص بيوت مسكونة

صوت يُنادي في الليل

تردد صوت الأذان لصلاة المغرب من المسجد المهجور، رغم أن الحاج محمود كان يعلم أن المئذنة صامتة منذ سبع سنوات. الصوت كان جميلاً ومألوفًا، لكنه دعا باسم محمود، يأمره بالعودة إلى المنزل. بعض الأصوات لا يجب الرد عليها.

3014.0
الغرف التي تتهامس - قصة رعب | قصص رعب | قصص رعب