أصوات الليل في بيت الجدة

3 دقائق قراءة
1247 قراءة
4.0 (65)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

كان الليل قد أرخى سدوله عندما وصلنا إلى بيت جدتي القديم في قلب القرية النائية. البيت، الذي كان يشبه قلاع العصور الوسطى في صموده أمام الزمن، كان يبعث في نفسي مشاعر مختلطة من الحنين والترقب. منذ اللحظة التي وضعنا فيها أقدامنا عبثت نسائم باردة غريبة في أجوائنا رغم حرارة الصيف.

لطالما حكت جدتي عن أصوات ليلية غريبة تسمعها منذ سنوات، ولكننا دائماً كنا نسخر منها معتقدين أن الخيال قد لعب دوره في وحدتها. في تلك الليلة، أنا وأخي سامر قررنا البقاء معها، رغبة منا في التخفيف عنها وربما في محاولة لمعرفة حقيقة تلك الأصوات.

بدأ الليل يسدل ستاره الثقيل، وكنا نجلس في غرفة المعيشة نتسامر بجانب المدفأة الباردة. فجأة، ساد الصمت المكان، وكأن الزمن قد توقف للحظة. "هل سمعت ذلك؟" همس سامر مُشيراً إلى السقف. كانت هناك خطوات خفيفة، كأنها لشخص يمشي بحذر.

حاولت التظاهر بالهدوء، ولكن قلبي كان يخفق بسرعة تجعلني أشعر وكأن الدماء تغلي في عروقي. تبادلنا النظرات وأشرت لسامر بأن يتبعني. تقدمنا بحذر نحو السلم الخشبي القديم الذي يؤدي إلى العلية حيث كان يُعتقد أن الأرواح تعيش.

مع كل خطوة نخطوها، كانت الأرضية تصدر صريراً عجيباً، وكأنها تشتكي من ثقل خطواتنا. صعدنا السلم بخفة حتى وصلنا إلى الباب الخشبي المتهالك. ترددنا للحظة قبل أن يمد سامر يده ليفتح الباب ببطء.

في الداخل، كان الهواء يحمل رائحة عطرية غريبة، مزيج بين البخور والزهور الذابلة. كانت الغرفة تعج بالظلال، وكأنها تحتضن أسراراً مضى عليها الزمن. في ركن العلية، رأينا طيفاً ضبابياً يتمايل بهدوء، كأنه يستعد للحديث معنا.

"من هناك؟" ناديت بصوت مختنق، ولكن ما خرج كان أشبه بتمتمة غير مفهومة.

توقف الطيف عن الحركة، وفجأة انطلقت منه أصوات كثيرة، كأنها همسات جماعية لأشخاص يتحدثون بلغات مختلفة. شعرت بالقشعريرة تغزو جسدي، وكأن الهواء قد أصبح أكثر برودة بشكل مفاجئ.

سامر، الذي بدا أكثر شجاعة مما توقعت، اتخذ خطوة للأمام، محاولاً التفاعل مع الكائن الغريب. لم أستطع أن أفهم ما الذي كان يتوقعه، لكنني شعرت بأن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث.

فجأة، انطلقت ضحكة طفولية رنانة من زاوية الغرفة. بدا الأمر وكأن طفلًا صغيرًا يخفي وجهه في الظلام. استدار الطيف نحونا، وبدأ يتحول إلى شكل أكثر وضوحاً. امرأة ترتدي ثوباً أبيضاً، ووجهها لا يظهر سوى حزن عميق.

أخذت تنظر إلينا وكأنها تتوسل بشيء ما. لم يكن لدينا كلمات لنتحدث بها، فقط نظرنا إليها في حالة من الدهشة والخوف.

أخذ سامر نفساً عميقاً، وقال: "هل تحتاجين إلى مساعدة؟"

في تلك اللحظة، اختفى الطيف وكأن شيئًا لم يكن، وعادت العلية إلى حالتها الطبيعية، لا شيء سوى العتمة والهدوء.

عندما عدنا إلى الأسفل، جلسنا مع جدتي التي استيقظت لتقص علينا المزيد من الحكايات القديمة عن أصل تلك الروح المسكينة، التي كانت تبحث عن السلام في منزلها الأبدي.

لم أكن أصدق في البداية، ولكن تلك الليلة جعلتني أوقن أن هناك أشياء في العالم لا يمكن تفسيرها بسهولة. عدنا إلى المدينة في اليوم التالي، محملين بتجربة غريبة ستبقى محفورة في ذاكرتنا للأبد.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 4.0 من 5 (65 تقييم)

شارك القصة (15)

قصص مشابهة من قصص بيوت مسكونة

قصص بيوت مسكونة

الغرف التي تتهامس

ضربتني الرائحة أولاً—الهيل والتحلل، كأن أحدهم يغلي القهوة في فم جثة. وقفت في مدخل بيت جدي في عمان، أشاهد حبيبات الغبار ترقص في الضوء الذهبي، وأدرك أن بعض البيوت تتذكر كل شيء—كل صلاة، كل خطيئة، كل قطرة دم.

9705.0
قصص بيوت مسكونة

المحراب ينحني نحو الغرب

يحين الأذان عند غروب الشمس الآن، عندما يجب أن يكون عند الفجر. أقف أمام المحراب المتهاوي في مسجد الغرباء، أراقب ابني خليل يسجد نحو الاتجاه الخاطئ. لقد مضى على وفاته ثلاثة أسابيع، لكنه هنا، يبتسم بكثرة أسنانه، يرحب بي بالعودة إلى القرية التي أقسمت ألا أعود إليها.

6145.0
قصص بيوت مسكونة

غرفة الأسرار المنسية

في بيت جدتي في دمشق، كانت الظلال تتسلق نحو السماء. لم أكن أصدق بالهبات، لكن الميراث كشف أسرارًا دفينة جعلتني أعيد التفكير في كل شيء. هل تجرؤ على اكتشاف "غرفة الأسرار المنسية"؟

3183.0
قصص بيوت مسكونة

صوت يُنادي في الليل

تردد صوت الأذان لصلاة المغرب من المسجد المهجور، رغم أن الحاج محمود كان يعلم أن المئذنة صامتة منذ سبع سنوات. الصوت كان جميلاً ومألوفًا، لكنه دعا باسم محمود، يأمره بالعودة إلى المنزل. بعض الأصوات لا يجب الرد عليها.

3024.0