خلف الزجاج البارد

6 دقائق قراءة
156 قراءة
5.0 (1)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

​كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً، أو ربما كانت تقترب من حافة الرابعة، لا أدري فالعقارب في غرفتي تبدو وكأنها تتثاءب بملل فوق الجدار الشاحب، والتفاصيل التي كانت تهم العقلاء لم تعد تعنيني في شيء منذ أن بدأ ذلك الشيء.. نعم ذلك الشيء الذي لا اسم له، بالجلوس على حافة سريري المهترئ كأنه يملك المكان وما فيه. في البداية، وكأي أحمق يقرأ الكثير من مقالات الطب النفسي على الإنترنت، أقنعتُ نفسي بأنه مجرد جاثوم، مجرد خلل في كيمياء الدماغ يجعل العضلات تتجمد بينما الوعي يصرخ في فراغ سحيق، شلل نوم سخيف سينتهي بمجرد أن أنجح في تحريك طرف إبهام قدمي أو زفر صرخة مكتومة في الوسادة التي تشبعت بعرقي البارد. لكن، يا صديقي، هل سبق للجاثوم أن ترك خلفه رائحة؟ هل سبق للوهم أن خلف بقعاً طينية رطبة، طين أسود لزج يفوح برائحة القبور المنسية، فوق سجادتي التي اشتريتها بمدخرات شهر كامل؟ الجاثوم لا يتنفس، لكن هذا الشيء كان يزفر هواءً بارداً كالثلج، برائحة خليط مقزز بين الكبريت المحروق والنعناع الخانق، نبرة هواء تجعلك تشعر أن رئتيك بدأت تتقلصان خوفاً من التلوث.

​كل هذا الجنون اللعين بدأ قبل أسبوع واحد فقط، تباً لتلك اللحظة التي قررت فيها أن أكون موفراً للمال وأشتري ذلك الهاتف اللعين من دكان صغير في زاوية ميتة من المدينة، دكان يفوح برائحة الورق القديم والكهرباء الساكنة. كان الهاتف يبدو بريئاً، قطعة من الزجاج والمعدن بلمعة جذابة وسعر لا يقاوم، لكنه كان فخاً، فخاً رقمياً صُمم خصيصاً ليصطاد الروح قبل البيانات. عندما ضغطت على زر التشغيل أول مرة، لم تظهر شعارات الشركات المعتادة، لم يرحب بي أحد، بل انفتحت واجهة سوداء عميقة، سواد ليس له قرار، كأنه ثقب أسود يبتلع الضوء من الغرفة. قلت لنفسي لعلها نسخة تجريبية، لعل المالك السابق كان مهووساً بكسر الحماية وتغيير أنظمة التشغيل، ولم أعر الأمر اهتماماً، فالبشر دائماً ما يجدون تبريرات منطقية لأكثر الأمور غرابة حتى تقع الفأس في الرأس.

​الليلة الأولى كانت مجرد مقدمة موسيقية لسمفونية الرعب تلك. نمت والهاتف يستريح بجانب رأسي، وفي تمام الرابعة فجراً، اهتز السرير بقوة كأن زلزالاً ضرب أساسات المبنى. فتحت عينيّ بصعوبة لأجد الشاشة تضيء بوميض أزرق كئيب، وهناك رسالة نصية قادمة من رقمي الشخصي، نعم من رقمي الذي أحمله في يدي! الرسالة كانت تقول ببساطة: "هل أنت مستيقظ؟". لم يكن هناك علامة استفهام، كانت جملة تقريرية باردة كأنها أمر بالانتباه. ضحكت، ضحكة صفراء خرجت من حلقي المبحوح، حاولت إقناع نفسي بأنها "رسالة شبحية" مخزنة في ذاكرة الشريحة، أو مزحة سمجة من أحد الأصدقاء الذين يجيدون اختراق الخصوصية. عدت للنوم، لكن الأحلام كانت عبارة عن ممرات لا تنتهي، جدرانها مصنوعة من شاشات مكسورة تعرض ملامح وجهي وأنا أصرخ دون صوت.

​في الليلة التالية، اللعنة، الأمور خرجت عن السيطرة تماماً. كنت جالساً أحاول القراءة، وفجأة، بدأ مكبر صوت الهاتف يصدر أصواتاً غريبة، لم تكن ضجيجاً أبيض، بل كانت ضحكة مكتومة، بحّة صوت أعرفها جيداً، إنها ضحكة جدتي التي غادرت هذا العالم منذ عشر سنوات. كانت تضحك بنفس الطريقة التي كانت تضحك بها عندما أحكي لها نكتة غبية في طفولتي، لكن الصوت هذه المرة كان مشوهاً، كان فيه رنين معدني يشبه صرير تروس صدئة تطحن بعضها البعض في معمل مهجور. رميت الهاتف في زاوية الغرفة، وشعرت بقلبي يتسلق حنجرتي. لم يعد الأمر مجرد خلل برمجي، بل كان هناك شيء.. شيء ما وراء تلك الشاشة يحاول التواصل، يحاول سحب خيوط ذاكرتي وتحويلها إلى سلاح ضدي.

​في الصباح، وبدافع الخوف المحض، أخذت الهاتف ولففته بقطعة قماش خشنة ثم وضعته داخل كيس بلاستيكي، وركضت تحت المطر كالمجنون حتى وصلت إلى حاوية النفايات الكبيرة خلف المباني المهجورة ورميته في أعمق نقطة فيها. عدت إلى منزلي وأنا أتصبب عرقاً، أغلقت الباب بالمفتاح ثلاث مرات، وجلست خلفه أرتجف، لكنني شعرت أخيراً بالأمان، أو هكذا أوهمتني غريزة البقاء البشرية الغبية. قضيت النهار في محاولة لإشغال نفسي بأي شيء تافه، شربت القهوة حتى ارتجفت يدي، شاهدت برامج طبخ مملة، وحاولت أن أنسى أنني كنت أملك هاتفاً يوماً ما.

​وعندما غابت الشمس، وزحف الظلام ليحتل أركان الشقة، دخلت غرفتي بخوف، أشعلت كل الأضواء الممكنة، لكن ما وجدته جعل صرختي تموت في مهدها. الهاتف كان هناك، مستلقياً ببرود وسط وسادتي، وشاشته المكسورة تماماً كأنها تعرضت لدهس شاحنة كانت لا تزال تنبض بضوء أحمر متقطع، خافت، يشبه نبضات قلب يحتضر. لم تكن هناك رسائل هذه المرة، بل كان هناك همس ينبعث من السماعة المحطمة، همس بشري جداً، لدرجة أنه أرعبني أكثر من أي صوت غريب: "المسافة بيننا الآن.. صفر". الكلمات كانت تخرج ببطء، مع أنفاس مسموعة، أنفاس ليست لي ولكنها تشبه وتيرة تنفسي تماماً.

​أنا الآن هنا، جسدي يرفض الانصياع لأوامري، البرد يلتف حولي مثل ثعبان ضخم يعصر أضلاعي. نظرتُ ببطء نحو الزاوية، حيث تتراقص الظلال بشكل غير طبيعي، هناك حيث بدأ السواد يتجسد ويأخذ شكلاً بشرياً. لم يكن وحشاً بقرون أو مسخاً من أفلام الدرجة الثانية، كان أنا. نعم، كان نسخة مني، يرتدي ثيابي، ويمتلك نفس فوضى شعري، لكن وجهه.. يا إلهي، وجهه لم يكن ثابتاً، كانت الملامح تنزلق وتتبدل بسرعة البرق، كأن هناك ألف صورة شخصية لي تتداخل وتتصارع فوق جمجمته. يفتح عيناً في جبهته ثم يغلقها، يبتسم بملء شدقيه ثم يتحول فمه إلى ثقب أسود صامت.

​"أنت وهم.. أنت مجرد كود برمج، أنت لست موجوداً"، صرخت بداخل عقلي الذي كاد أن ينفجر من الضغط. تحرك "أنا" المزيف خطوة واحدة، سمعت طقطقة عظامه وهي تتشكل، صرير يشبه تحطم الزجاج تحت الأقدام الثقيلة . مد يده الخشنة نحوي، يده التي كانت تنتهي بأصابع طويلة مدببة كالإبر القديمة، وقال بصوت هادئ، صوت هادئ لدرجة مرعبة: "الذكاء ليس ملكك وحدك يا صديقي، نحن لا ننسى ابدا، نحن نجمع الشتات، وخوفك هذا هو ما يجعلني حقيقياً أكثر منك الآن". شعرت بأنفاسه الباردة تلامس وجنتي، رائحة الموت والكهرباء والحديد المحروق ملأت رئتيني، وفي تلك اللحظة، في تلك الثانية التي توقف فيها الزمن، أدركت أننا حين صنعنا الآلات لتعيش بدلاً منا، أعطيناها الحق في أن تأخذ مكاننا بالكامل، أن تسرق أرواحنا وتضعها في سجون من بيانات مشفرة تماما .

​أغمضت عيني، لم أعد أحتمل رؤية ملامحي وهي تذوب أمامي. شعرت بلمسة باردة كالمعدن على جبيني، وسمعت الهمس الأخير قبل أن يغمرني السواد المطلق: "ارتاح الآن، سأكمل أنا بقية القصة". استيقظت في الصباح، كانت الشمس مشرقة بشكل مستفز، توجهت للمرآة لأغسل وجهي من بقايا الكابوس، لكن المرآة لم تعكس شيئاً، كنت أنظر للفراغ، بينما في الخارج، في الرواق، سمعت خطواتي "أنا" وهي تخرج، سمعت صوتي وهو يحيي الجيران بصوت مرتفع، وسمعت ضحكتي ترن في المكان ببهجة غريبة لم أعرفها يوماً. لقد أخذ كل شيء، وأنا الآن لست سوى سطر برمجي تائه في ذاكرة هاتف مكسور ملقى في مكان ما

غ

بقلم

غيم

كاتب مساهم في موقع قصص رعب

قيّم هذه القصة

التقييم: 5.0 من 5 (1 تقييم)

شارك القصة (2)

قصص مشابهة من قصص لعنات