لعنة الصمت في الدير المنسي

6 دقائق قراءة
109 قراءة
4.0 (2)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

بين الفينة والأخرى كان رامي يتذكر كلام زملائه في الجامعة عن القوى الخفية والأماكن المسكونة، وكان دائماً يقابل هذه الأحاديث بابتسامة ساخرة ملؤها الاستخفاف. الشاب الذي قضى سنوات عمره يدرس الآثار الماورائية وتاريخ القرون الوسطى، كان مقتنعاً لدرجة اليقين أن الرعب مجرد فكرة يصنعها العقل البشري عندما يعجز عن تفسير الظلام من حوله. بالنسبة له، كل الأساطير هي مجرد حكايات يخترعها الناس في سهراتهم الطويلة لكسر الملل. لكن كل هذا المنطق البارد تبخر تماماً بهداك الخريف، وتحديداً باللحظة اللي حط فيها رجله بساحة دير القديس يوحنا المنسي.

​المكان ما كان مجرد بناء قديم تداعت جدرانه، بل كان أشبه بكتلة حجرية ميتة ضايعة بقلب وادٍ سحيق، ومحاصرة من كل الجهات بغابات صنوبر كثيفة بتمنع ضوء الشمس من الدخول حتى بعز الظهر. بالقرى القريبة، الناس بتخاف تذكر اسمه الأصلي، والكل بيلقبه بمأوى الصامتين. الأسطورة هناك بتخوف كتير، وبتقول إن الرهبان اللي عاشوا بالدير بأواخر القرن الثامن عشر واجهوا كيان غريب طلع من تحت الأرض أو نزل من السماء. الكيان هاد ما له اسم، بس بالمخطوطات القديمة بسموه الصدى الأسود. الأسطورة بتقول إنه ما قتلهم، بل سحب من أجسادهم القدرة على الكلام والنطق، وحولهم لمجرد جثث هامدة بتتحرك وعيونها فاضية، لحد ما اختفوا كلهم بليلة غاب فيها القمر وما تركوا وراهم أي أثر.

​وصل رامي للبوابة الحديدية الضخمة مع مغيب الشمس. الهواء كان قوي وبصفر بين القضبان المصداية، ومعه ريحة غريبة بتشبه رطوبة المدافن القديمة. كان شايل على ظهره شنطة تقيلة فيها كل أجهزته: مسجلات صوت حساسة، كاميرات حرارية، وكشاف يدوي. دفش البوابة اللي فتحت بصوت صرير حاد بوجع الراس، كأنها بتصرخ أو بتحذره من الدخول.

​جوا الدير، كان الوضع بقبض القلب. الممرات ضيقة وبتشبه المتاهة، والمي بتقطر من السقف على الأرض بتناغم مستفز بركب الرعب بالقلب. رامي اختار القاعة الكبيرة، اللي كانت زمان مكتبة ومكان للصلاة، حتى يعملها مركز لعمله. وزع كاميراته على الممرات المظلمة، وشغل مسجلات الصوت وجلس على كرسي خشب متهالك ينتظر.

​الساعة صارت حوالي ١١:٤٥ بالليل. فجأة، وبدون أي مقدمات، الأجهزة بلشت تخبص. كشاف اليد صار يرمش ويطفي، وبطارية الكاميرا الحرارية نزلت من مئة بالمئة للصفر بلمحة عين. بعدين، بلش يدخل ضباب من تحت الأبواب الخشبية القديمة. ما كان ضباب عادي، كان ضباب رمادي غامق وتقيل، وبيمشي على الأرض ببطء وبعكس اتجاه الهواء اللي جاية من الشبابيك المكسورة.

​نشفت ريق رامي، بس حاول يتماسك وسأل بصوت عالي: في حد هون؟ صوته طلع غريب ومكتوم، كأن الحيطان بتمتص الصوت وما بدها إياه يرجع. الرد ما كان بالصوت، الرد ظهر على شاشة تلفونه اللي كان لسا شغال. مؤشر الترددات الصوتية بلش ينط بجنون فوق وتحت وعمل خطوط حادة ومتعرجة. رامي حط سماعات الأذن بسرعة وضغط على زر الاستماع المباشر. أول شي ما سمع غير صوت تشويش قوي، بس شوي شوي، التشويش هاد تحول لأصوات أنفاس سريعة وورا بعض، وآهات ناس بتموت، وصوت قاسي لأظافر بشرية عم تحفر بالحجر وتخدشه بقوة.

​الحرارة بالقاعة نزلت فجأة لدرجة التجمد، وصار رامي يشوف بخار نفسه وهو بيطلع من تمه. غريزته ودايركت عيونه راحت لزاوية معتمة بآخر القاعة، وين ما في لوحات زيتية قديمة لرهبان الدير معلقة على الحيط. هناك، بقلب العتمة، شاف شي خلاه يتمنى لو إنه ما انولد.

​ما كان شبح شفاف، كان جسم طويل بشكل مقرف ومخيف، طوله ممكن يوصل لتلات أمتار. إيديه ورجليه نحاف وطوال بذكرك بأغصان شجر ميت وناشف، وجلده بلون الرماد المحروق. الصدمة الكبيرة كانت بوجهه؛ ما كان في وجه أصلاً، لا عيون ولا تم، بس تجويف أسود عميق وكبير ببلع الضوء والنور اللي حوليه. والمصيبة إنه كان محاط بظلال صغيرة عم تتحرك بهستيريا وجنون، ظلال بتشبه أجساد الرهبان الضايعين، بس ممسوخة وعم تمشي على إيديها ورجليها مثل العناكب السريعة.

​رامي حاول يرجع لورا، بس رجليه خانته وثبتت بالأرض كأنها صبت ببطون، أو كأن الأرض صارت مغناطيس عم بسحبه لتحت. حاول يصرخ، بس الكلمات لزقت بحلقه وما طلعت. هون فهم شو يعني مأوى الصامتين. اللعنة ما كانت سحر وتخاريف، الكيان هاد بتغذى على أصوات البشر وقدرتهم على الكلام، باكل الخوف وبكبر عليه.

​الكيان قدم خطوة، ومشيتها ما كان لها صوت أبداً، بس أول ما تحرك، طلع صوت طنين حاد وصافر بأذن رامي، وجع قوي كأن جمجمته بدها تنفجر. الظلال بلشت تقرب وتزحف، وأصابعها الطويلة صارت بدها تلمس وجهه. بآخر رمق، رامي قدر يكسر حالة الشلل. مسك الشنطة التقيلة تاعت المعدات ورميها بكل قوته على الكيان. الشنطة خبطت بالهيكل الأسود، وصار تداخل كهربائي بالمعدات وطلعت صوت زعيق حاد، الصوت هاد أزعج الكيان وخلاه يتراجع خطوة لورا.

​رامي ما كذب خبر، دار ظهره وبلش يركض بالممر اللي برجع للمخرج. بس الدير كان عم بتغير؛ الممرات بلشت تتلوى وتطول كأنها مطاط، والأبواب الخشبية العتيقة كانت عم بتصك وتسكر بقوة بوجهه. صوت الخدش بالأظافر كان بلحقه على الجدران وحتى فوق بالسقف. رفع رأسه وهو عم بركض، وشاف واحد من الرهبان الممسوخين عم يزحف على السقف بسرعة بتخوف، وعيونه البيضاء عم تطلع فيه مباشرة.

​أخيراً وصل للبهو الرئيسي

، وشاف البوابة الحديدية قدامهو. بس قبل ما يوصلها بكم خطوة، في قوة مخفية وهواء مضغوط ضربه بصدره ورماه لورا بقوة. وقع على الأرض الحجرية الصلبة وراسه انضرب وطلعت الدم منه. الكيان الطويل ظهر فوقه وعم بطفو بالهواء، مد إيده ولمس جبهة رامي. بهديك اللحظة، رامي ما حس بوجع بجسمه، حس بفراغ مرعب بعقله. صار يشوف ذكرياته وصوته وضحكاته عم تتسحب من دماغه على شكل خيوط ضوء بيضاء وبتروح بقلب التجويف الأسود اللي بوجه الكيان.

​وهو عم بضيع وبموت، إيده ضربت بصدره وتذكر الصليب الفضي القديم اللي كان معلقه برقبتها، هاد اللي جده عطاه إياه زمان كذكرى. بيد ترجف وميتة، سحب الصليب وصرخ بآخر نقطة طاقة وصوت بقيت بجسمه، صرخة طالعة من روحه مستنجد بأي قوة طيبة بالكون. فجأة، طلع وميض ضوئي قوي وسريع من الصليب. الكيان تراجع لورا وطلع منه صرخة صامتة هزت حيطان الدير كله، وحجار السقف بلشت تقع.

​الظلال تلاشت للحظات، والبوابة الحديدية انفتحت من الضغط. رامي زحف على بطنه وجر جسمه المكسر برا العتبة، لحد ما طلع على الأرض والعشب برا، وهناك غاب عن الوعي تماماً مع أول خيوط الشمس.

​صيادين بالمنطقة لقوا رامي تاني يوم الظهر، كان مرمي بالطين على بعد كيلومتر كامل من الدير. جسمه كان مليان جروح وشعره صار أبيض تماماً مثل الثلج من كثر الرعب. أخذوه على المستشفى، وجسمه طاب بعد كم أسبوع. بس الدكاترة انصدموا من حالة غريبة؛ رامي فقد القدرة على النطق تماماً. حباله الصوتية سليمة وما فيها أي مشكلة، ودماغه ما فيه أي تلف. لما رامي يحاول يحكي، ما بيطلع من تمه أي كلام بشري. الصدمة إنك لو قربت أذنك من تمه بغرفة عتمة وهادية، مش رح تسمع صوت نفس عادي، رح تسمع صوت تشويش راديو خربان، وصوت رهبان عم يبكوا بالخلفية، وصوت أظافر عم تخمش بحجر قديم. رامي طلع وعاش بجسمه، بس صوته ضل محبوس هناك بقلب مأوى الصامتين وللأبد.

غ

بقلم

غيم

كاتب مساهم في موقع قصص رعب

قيّم هذه القصة

التقييم: 4.0 من 5 (2 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص بيوت مسكونة

قصص بيوت مسكونة

أصوات الليل في بيت الجدة

عند زيارتنا لمنزل الجدة القديم في قلب القرية النائية، لم نكن ندرك أن الليلة ستكون شاهدة على أسرار دفينة لا يمكن تفسيرها.

12904.0
قصص بيوت مسكونة

الغرف التي تتهامس

ضربتني الرائحة أولاً—الهيل والتحلل، كأن أحدهم يغلي القهوة في فم جثة. وقفت في مدخل بيت جدي في عمان، أشاهد حبيبات الغبار ترقص في الضوء الذهبي، وأدرك أن بعض البيوت تتذكر كل شيء—كل صلاة، كل خطيئة، كل قطرة دم.

11305.0
قصص بيوت مسكونة

المحراب ينحني نحو الغرب

يحين الأذان عند غروب الشمس الآن، عندما يجب أن يكون عند الفجر. أقف أمام المحراب المتهاوي في مسجد الغرباء، أراقب ابني خليل يسجد نحو الاتجاه الخاطئ. لقد مضى على وفاته ثلاثة أسابيع، لكنه هنا، يبتسم بكثرة أسنانه، يرحب بي بالعودة إلى القرية التي أقسمت ألا أعود إليها.

6455.0
قصص بيوت مسكونة

صوت يُنادي في الليل

تردد صوت الأذان لصلاة المغرب من المسجد المهجور، رغم أن الحاج محمود كان يعلم أن المئذنة صامتة منذ سبع سنوات. الصوت كان جميلاً ومألوفًا، لكنه دعا باسم محمود، يأمره بالعودة إلى المنزل. بعض الأصوات لا يجب الرد عليها.

3514.1