طبيب الليل في وادي الغُرباء

7 دقائق قراءة
1814 قراءة
4.0 (17)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

تسلل طعم الخوف المعدني إلى فمي وأنا أضغط بأذني على باب المستوصف، أستمع لخطواتٍ لا ينبغي أن تُسمع في هذا الوقت.

كان اسمي د. حكيم بن رشيد، هذا ما كان مكتوبًا على معطف الطبيب الذي تسلمته عندما وصلت إلى المستشفى البعيد في وادي الغُرباء قبل ثلاثة أيام. كانت رائحة المعطف مزيجًا من البخور والدم القديم، رغم أن المدير يوسف، الرجل النحيل، قد أكد لي أنه تم تنظيفه بعناية. "الطبيب السابق غادر فجأة،" قال وهو يتجنب النظر في عيني. "حالة طارئة عائلية."

يخدم المستشفى القبائل البدوية المتنقلة عبر هذا الوادي المنسي، حيث تنمو أشجار الأرز القديمة كثيفة فتغطي الشمس حتى في منتصف النهار. الأشجار أقدم من الخرائط العثمانية التي وسمت هذه الأرض، أقدم من الفتوحات الإسلامية، وربما أقدم من الذاكرة نفسها. الأدلاء المحليون يرفضون دخول المكان بعد غروب الشمس، يتلون دعواتهم بصوت خافت بلغات لا أفهمها.

لكن الأجر كان مغريًا، وبعد فضيحتي في إسطنبول—الحادثة مع ابن الباشا التي كلفتني وظيفتي في المستشفى العسكري—كنت بحاجة إلى عمل لا يطرح أسئلة عن الماضي.

أعطاني يوسف قائمة من القواعد في أول أمسية، يده المرتجفة بالكاد تقرأ الكتابة. "هذه ليست اقتراحات، دكتور. إنها... ضرورية."

القاعدة الأولى: لا تخرج من المجمع بين الغروب والفجر.

القاعدة الثانية: إذا سمعت اسمك ينادَى من الغابة، لا تجب. لا تنظر.

القاعدة الثالثة: تصل ممرضة الليل عند منتصف الليل بالضبط. لا تتحدث معها حتى تتحدث هي أولاً.

القاعدة الرابعة: حافظ على الأدوات الطبية حادة ونظيفة. دائمًا.

القاعدة الخامسة: إذا وصل مريض بجروح تشكل أنماطًا، عالجها فورًا. لا تطرح أسئلة.

ضحكت وأنا أضع الورقة جانبًا. "خرافات، بالتأكيد؟"

تحول وجه يوسف إلى اللون الرمادي. "الطبيب السابق ظن ذلك أيضًا."

تلك الليلة الأولى، انتظرت في غرفة الجراحة الصغيرة، مصابيح الزيت ترسم ظلالًا راقصة على الجدران الحجرية. يتألف المجمع من ثلاثة مبانٍ: الجراحة الرئيسية، صيدلية صغيرة، وأماكن سكنية. وراء السياج الخشبي، كانت الغابة تضغط، ويمكنني أن أحلف أن الأشجار كانت تميل إلى الداخل، تستمع.

عند منتصف الليل تمامًا، وصلت.

تحركت ممرضة الليل بصمت مستحيل، حجابها الأبيض نقي رغم الطريق المغبر. كانت في الأربعين من عمرها، بشرتها بلون رمال الصحراء وعيناها كالماء الأسود.

"السلام عليكم، دكتور،" قالت بصوت يحمل صدى غريب.

"وعليكم السلام،" أجبت تلقائيًا. "أنا د. حكيم."

ابتسمت، وللحظة بدت أسنانها حادة جدًا. "أعرف من أنت."

اسمها زهرة، وأخبرتني أنها تعمل في الليالي في المستشفى منذ سنوات عديدة. تحركت في الجراحة بكفاءة معتادة، تجهز الأدوات وتفحص المستلزمات. لكن لاحظت أنها لم تكن تعكس في الحوض النحاسي المصقول، ولم تصدر خطواتها أي صوت على الأرضية الخشبية.

أخطاء صغيرة. مبررة، بالطبع. ربما كان الحوض قديمًا ومشوهًا. الأرضيات كانت حجرية صلبة تحت الخشب—الصوت لن ينتقل.

في الليلة الثالثة، اكتملت عزلتي. انقطع خط التلغراف أثناء عاصفة. الطريق الذي جاء بي إلى هنا بدا وكأنه يتغير كل صباح، يضيق، يزداد نموًا. عندما سألت يوسف عن ذلك، اكتفى بهز كتفيه. "الغابة تستعيد بسرعة."

هذا عندما وصل أول مريض.

شاب بدوي تعثر داخل المجمع بعد منتصف الليل مباشرة، مدعومًا من اثنين من رفاقه الذين فروا فور أن وضعوه. كان صدره محفورًا برموز—جروح عميقة ودقيقة تشكل أنماطًا هندسية تعرفت عليها من دراساتي للنصوص القديمة. ليست جروح عشوائية. علامات متعمدة.

"ماذا حدث؟" سألت بينما كنا أنا وزهرة نحمله إلى طاولة الجراحة.

تقلبت عيون الرجل بيضاء. "الأشجار... تتذكر..."

بينما كنت أنظف جروحه، لاحظت شيئًا مستحيلًا. كانت الجروح تلتئم أمام عينيّ، لكن ليس بشكل طبيعي. كانت تتقارب في الاتجاه الخاطئ، مثل شفتين تنغلقان على أسرار.

"دكتور،" همست زهرة، "عليك أن تعمل بسرعة."

خيطت ما استطعت، لكن الأنماط بدت وكأنها تتحرك تحت يدي. عند الفجر، اختفى الرجل—لم يغادر، بل اختفى. لم يبقَ سوى رائحة المر وهمس الأدعية.

كان يوسف يجدني محدقًا في الطاولة الفارغة. "اتّبعتَ القواعد؟"

"نعم، لكن—"

"إذن كل شيء على ما يرام." ابتسامته كانت متكلفة. "الغابة تختبر الجميع."

جلبت الليلة الرابعة شعورًا بالراحة. لم يصل أي مرضى. بدت زهرة أكثر حماسة، تحكي لي حكايات عن الوادي، عن المعالجين الذين عملوا هنا قبل العثمانيين، قبل البيزنطيين، قبل التاريخ المسجل. تحدثت عن عهود قديمة أبرمت بين الأحياء والموتى، عن صفقات تمّت في يأس.

"كل طبيب يأتي هنا يخدم غرضًا،" قالت، وهي تلمع الأدوات الجراحية بدقة آلية. "الطبيب السابق فهم هذا، في النهاية."

"ماذا حدث له؟"

توقفت يداها. "كسر القواعد."

شعرت بأمان أكثر معرفتي بوجود القواعد لسبب ما، حتى وإن لم أفهمها. كانت العزلة مؤقتة. كانت الظواهر الغريبة لها تفسيرات. علم الطب علمني أن أثق في الظواهر القابلة للملاحظة، أن أجد أسبابًا منطقية لأعراض تبدو مستحيلة.

لكن في الليلة الخامسة، تغيّر كل شيء.

كان المريض الذي وصل امرأة مسنّة، حملها أبناؤها الذين اختفوا في الظلام قبل أن أتمكن من التحدث إليهم. كانت حالتها لا تشبه شيئًا في كتبي الطبية—كانت بشرتها شفافة، تظهر ليس الأوردة بل الرموز، نفس الأنماط الهندسية التي رأيتها على صدر الشاب. لكن هذه لم تكن جروحًا. كانت تنمو من الداخل، تبرز عبر لحمها كالجذور عبر التربة.

"منذ متى وهي هكذا؟" سألت.

ثبتت عيون المرأة على عيني، وعندما تكلمت، كان صوتها صوت زهرة: "منذ أن جاء الطبيب الأول إلى هذا الوادي. منذ أن كسر أول معالج الإيمان بمن يحرس العتبة."

ارتجفت يداي وأنا أمد يدي لأدواتي. انشق جلد المرأة على طول خطوط الرموز، كاشفًا ليس عن دم بل عن ظلام—فراغ ساحق يبدو وكأنه يسحب النور إلى داخله.

"دكتور،" جاء صوت زهرة خلفي، لكن عندما التفت، كانت قد اختفت. المرأة على الطاولة اختفت. بقيت فقط الرموز، منحوتة الآن في سطح الخشب، لا تزال تنزف ظلاً.

هذا عندما فهمت. الحوض النحاسي لم يعكس لأنها لم تكن تعكس. خطواتها لم تصدر صوتًا لأنها لم تعد تمشي بين الأحياء. الطبيب السابق—د. حكيم بن رشيد—لم يغادر فجأة.

كنت أرتدي معطفه لأنني كنت مقدرًا لأن أحل محله. تمامًا.

كانت الغابة تضغط على النوافذ الآن، الأغصان تخدش كالظفر على الزجاج. عبر باب الجراحة، سمعت صوتي الخاص ينادي من الظلام: "د. حكيم؟ د. حكيم، هل أنت هناك؟"

القاعدة الثانية: إذا سمعت اسمك ينادَى من الغابة، لا تجب. لا تنظر.

لكنه لم يكن الغابة تنادي. كنت أنا—أنا الحقيقي، أنا الحي، ما زلت محاصرًا في مكان ما في الفراغ بين نبضات القلب، لا أزال أحاول تحذير الرجل الميت الذي يرتدي معطفه.

ظهرت زهرة بجانب طاولة الجراحة، شكلها أكثر صلابة الآن، أكثر واقعية. "أنت تفهم أخيرًا."

"المرضى،" همست. "الرموز. كانت علامات، أليس كذلك؟ تشير إلى الانتقال."

"كل طبيب يخدم حتى يأتي التالي. كل يظن أنه يساعد الأحياء، لكنه يتعلم فقط أن يخدم الموتى. الغابة تتذكر كل روح تدخل. تجمع ما يدين به."

نظرت إلى يدي. كانت شفافه الآن، تظهر نفس الأنماط الهندسية تحت الجلد. لم تكن الرموز جروحًا أو نموًا—كانت توقيعات، عقود مكتوبة في اللحم والظل.

"حاول الطبيب السابق أن يغادر،" استمرت زهرة. "كسر القواعد. كان على الغابة أن... تجمع بقوة أكبر."

في الخارج، سمعت وقع حوافر على الطريق. طبيب آخر، ربما، جذبته الأجر الاستثنائي ووعد بعمل لا يطرح أسئلة. ستستمر الدورة.

انتقلت إلى النافذة ورأيته—طبيب شاب، متكبد للسفر ويائس، يمسك برسالة تعيين. خلفه، كان الطريق قد بدأ بالفعل في التلاشي، الغابة تغلق قبضتها.

"ماذا أفعل الآن؟" سألت.

ابتسمت زهرة، وهذه المرة رأيتها بوضوح—ليست ممرضة، بل شيء أقدم بكثير، حارسة للعتبات، حافظة للعقود المُبرمة في الفراغ بين النفس والصمت.

"تحضر الأدوات،" قالت. "ابقها حادة ونظيفة. دائمًا."

طرق الطبيب الشاب على باب المجمع. في ضوء المصباح، رأيت الاسم مطرزًا على معطفه، المعطف الذي أعطوه إياه عندما قبل الوظيفة: د. حكيم بن رشيد.

فتحت الباب لأرحب ببدلي، ويدي بالفعل تمتد إلى قائمة القواعد التي ستحكم وقته القصير بين الأحياء. خلفي، كانت الأدوات الجراحية تلمع في ضوء المصباح، حادة ونظيفة وجاهزة للعمل الأبدي، الشفاء الذي لا يتطلب أيديًا حية.

الغابة تتذكر. الموتى يخدمون. وفي مكان ما في الفراغ بين نبضات القلب، لا يزال د. حكيم بن رشيد الحقيقي ينادي اسمه، لا يزال يحاول تحذير الروح التالية التي سترتدي معطفه، لا يزال يعتقد أن فهم القواعد قد يكسرها بطريقة ما.

لكن القواعد موجودة لسبب.

لقد كانت دائمًا كذلك.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 4.0 من 5 (17 تقييم)

شارك القصة (5)

قصص مشابهة من قصص رعب مكتوبة

قصص رعب مكتوبة

البيت المهجور: أسرار منسية في واحة النسيان

عندما دخلت البيت المهجور وسط الواحة، لم أكن أعلم أنني سأكتشف أسراراً تقشعر لها الأبدان، مستوحاة من أساطير أجدادنا.

33634.9
قصص رعب مكتوبة

المحراب الذي يشير إلى الجحيم

جاء نداء الفجر في الثالثة صباحًا مرة أخرى، ومشى العم رشيد نحو المسجد المهجور بقدميه الخشبيتين. كان المحراب يواجه الجنوب بدلاً من الغرب لستين عامًا، لكن شيئًا في ذلك الاتجاه كان جائعًا جدًا للأدعية.

19913.9
قصص رعب مكتوبة

جناح الأسماء المنسية

في جناح ٧ المتحلل من مستشفى النور، تتحرك السبحة بلا ريح وزوج متفانٍ يجلس بجوار زوجته الغائبة عن الوعي. لكن عندما تستيقظ أخيراً، تسأله لماذا توقف عن زيارتها—رغم أنه لم يغادر جانبها أبداً.

17314.1
قصص رعب مكتوبة

لعنة بيت الساعات

بيقولوا إنو الموتى هاديين ومسالمين. بس الخوف الحقيقي مو من الموت.. الخوف من الأشياء اللي عطلانة بالمنتصف، الأشياء اللي رافضة تموت. متل قصر "عين الغراب...

9633.8