المحراب الذي يشير إلى الجحيم
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
جاء نداء الفجر مرة أخرى في الثالثة صباحًا.
ضغطت ياسمين الصغيرة وجهها على النافذة الباردة، تراقب عمها رشيد وهو يتعثر خارج خيمته نحو المئذنة المتهالكة. كانت قدماه تتحركان بشكل خاطئ، كأنهما خشبتان. خلفها، كانت والدتها تهمس أدعية تشبه البكاء.
"الموتى لا يصلون،" قال والدها بالأمس، لكن صوته كان مرتعشًا.
كان العم رشيد طالبًا جامعيًا في بغداد قبل أن يعود لدفن جده. جاء محملاً بكتب تحمل كلمات إنجليزية وكاميرا تلتقط صورًا. "خرافات," كان يصف كل شيء. "جهل." لكن الآن، يمشي إلى المسجد المهجور كل ليلة عندما يتردد النداء الخاطئ عبر الصحراء.
كان المسجد خاطئًا منذ ستين عامًا. الجميع يعرف ذلك. المحراب كان يواجه الجنوب بدلاً من الغرب، حيث الكعبة. قيل إن الإمام القديم بناه في حالة من الحمى، بينما كانت الجن تهمس في أذنه. ابتلعت الصحراء القرية حوله، لكن المسجد بقي، قبة متشققة تلتقط ضوء النجوم مثل بيضة مكسورة.
شاهدت ياسمين عمها رشيد يختفي عبر الباب الذي بلا باب. توقف الغناء. ثم بدأ مرة أخرى من الداخل، لكن لم يكن صوت عمها رشيد بعد الآن. كان صوت الجد، الذي دُفن قبل ثلاثة أيام.
"ابتعدي عن النافذة، حبيبيتي," همست الأم. لكنها كانت تراقب هي أيضًا، منتظرة الظل الذي يمشي أحيانًا على الجدران، الظل الذي لا جسد له.
وصل العم رشيد لحضور الجنازة، حاملاً حقيبته الجلدية وأفكاره الحديثة. صور كل شيء: الدفن، النساء النائحات، المسجد الفارغ. "لأطروحتي عن الفلكلور الريفي," كان يشرح، وهو يلتقط الصور بينما تغطي النساء العجائز وجوههن ويتحدثن عن العين.
لكن صوره تطورت بشكل خاطئ. في كل صورة، ظهر الجد مرتين، مرة في كفنه، ومرة يقف خلف النائحات بعينين كالثقوب. ضحك العم رشيد قائلًا: "تعرُّض مزدوج. كاميرا قديمة." لكن ياسمين شاهدت كيف كانت يديه ترتجفان وهو يمسك الصور.
بدأ الخطأ صغيرًا. ظهرت مسبحة الجد في خيمة العم رشيد، رغم أنها دُفنت مع الجسد. أعادها إلى القبر، لكنها كانت تعود في الصباح التالي، دافئة. كؤوس الشاي التي كان الجد يحبها كانت تظهر ممتلئة على مكتب العم رشيد، يتصاعد منها البخار.
"الحزن يلعب الحيل," قال العم رشيد للعائلة. لكن صوته أصبح أجش، كأنه كان يصرخ في نومه.
ثم بدأت الأحلام. كان العم رشيد يستيقظ صارخًا عن دفنه حيًا، يخدش حنجرته. لكن عندما كانت ياسمين تنظر في خيمته، كان لا يزال نائمًا، وفمه يتحرك في تلاوة صامتة. أدعية الجد القديمة التي كانت تجعل والدتها متوترة.
"المحراب يجذبهم," قالت الجدة فاطمة في اليوم الرابع. "الاتجاه الخاطئ. لا يرسل الأدعية إلى الله. إنها ترسلها... إلى مكان آخر."
سخر العم رشيد. "خطأ معماري، لا أكثر." لكن في تلك الليلة، أخذ كاميرته إلى المسجد.
تبعت ياسمين، قدماها الحافيتان صامتتان على الرمال الباردة. كان القمر مظلمًا، والنجوم تبدو باهتة قرب المبنى المتهالك. جلست خلف حجر ساقط وراقبت العم رشيد يدخل قاعة الصلاة.
الإضاءة الساطعة كشفت الداخل في ومضات بيضاء قاسية. كل وميض كشف شيئًا مختلفًا. أولاً: مساحة فارغة، غبار يرقص. ثانيًا: شخص راكع في المحراب. ثالثًا: شخصان. رابعًا: عشرات، جميعهم يواجهون الاتجاه الخاطئ، يصلي إلى ما يسكن في الجنوب.
نقر العم رشيد بكاميرته بشكل محموم. لكن مع كل ومضة، أصبحت الأشكال أوضح، أكثر صلابة. ووجوههم... عرفت ياسمين بعضها. العم الكبير محمود، المتوفى منذ عشر سنوات. ابن العم سمير، الذي فقد بسبب الحمى. جميع أفراد العائلة الموتى، جميعهم مجتمعون في المسجد الخطأ، يصلون الأدعية الخطأ.
توقفت الكاميرا عن النقر. وقف العم رشيد متجمدًا بينما التفتت الأشكال لتنظر إليه. كان الجد بينهم، كفنه متدلٍ، مسبحته تنقر في السكون.
"انضم إلينا، يا بني," صدى صوت الجد من كل مكان ولا مكان. "دائمًا كنت تريد أن تفهم. الآن يمكنك تعلم الأدعية القديمة. الأدعية الحقيقية. التي تعيد الموتى إلى المنزل."
تراجع العم رشيد نحو المدخل، لكن قدماه لم تطيعاه. حملته نحو المحراب، نحو الاتجاه الخطأ. فمه فتح، وأدعية الجد انسكبت منها، كلمات ليست بلغة تعرفها ياسمين، كلمات جعلت أسنانها تؤلمها ورؤيتها تضطرب.
ركضت حينها، متعثرة عبر الرمال، أنفاسها تحترق في حلقها. خلفها، بدأ نداء الفجر مرة أخرى، لكن كان صوت العم رشيد الآن، مختلطًا بجميع الأصوات الميتة، يدعو المؤمنين للعبادة في الاتجاه الخاطئ.
وجدته العائلة في الصباح التالي، راكعًا في المحراب، ممسكًا بالكاميرا في أصابع جامدة. تنفس. قلبه نبض. لكن عيناه كانتا تنظران إلى الجنوب، نحو ما يسكن في ذلك الاتجاه، وشفتيه تتحركان باستمرار في دعاء صامت.
"علينا أن ننقله," قال الأب.
لكن عندما لمسوا العم رشيد، انتشر الخطأ كالحُمّى. صلوات الأب انقلبت. أحلام الأم امتلأت بالأكفان. حتى ياسمين شعرت بها، الجذب نحو الجنوب، الرغبة في الركوع في الاتجاه الخطأ والصلاة لما يجيب من قلب الصحراء.
جاء الدكتور حكيم من المدينة بأدويته وتفسيراته العصرية. "شلل كاتاتوني. انهيار نفسي بسبب الحزن." لكن عندما فحص العم رشيد، التقط السماعة نبضين. نبضه الخاص، وشيء آخر. شيء ينبض بإيقاع طبول الجنازة.
بدأت يدي الطبيب تهتزان. حقيبته الطبية سقطت مفتوحة، وبدلاً من الأدوات، انسكبت مسبحات وأكفان. هرب تلك الليلة، لكن ياسمين رأته عبر النافذة بعد أسابيع، شخص صغير يسير عبر الصحراء نحو الجنوب، يتبع ما ناداه في نبض العم رشيد المزدوج.
انتشر الخطأ أسرع الآن. أرسل القرويون المجاورون المساعدة، لكن إمامهم بمجرد أن نظر إلى المسجد بدأ يصلي باللغة القديمة. شرطيهم سحب مسدسه على ظلال تتحرك بلا أجساد. حبوب طبيبهم تحولت إلى رمل في فمه.
واحداً تلو الآخر، انضموا إلى الجماعة في المسجد الخطأ. واحداً تلو الآخر، تعلموا الصلاة جنوبًا بدلاً من الغرب. وكل مؤمن جديد جلب النداء في ساعات غريبة – صلوات الظهر عند منتصف الليل، صلوات الفجر عند الغسق، كما لو أن الوقت نفسه ينحني حول المحراب الذي يواجه الاتجاه الخطأ.
حزمت عائلة ياسمين أمتعتهم القليلة، لكن سيارتهم لم تشتغل. المحرك دارت، لكن بدلاً من التشغيل، عزف نداء الصلاة عبر أنبوب العادم. راديوهم التقط محطة واحدة فقط – صوت الأدعية باللغة القديمة، يذاع من مكان ما جنوب كل مكان.
في الليلة السابعة، تحرك العم رشيد أخيرًا. وقف من موضعه في المحراب وعاد إلى المنزل، حقيبته الجلدية في يده. لكن قدماه لا تزالان تتحركان مثل الخشب، وكاميرته تحتوي فقط على صور نفس المشهد: المسجد يمتلئ بالأموات المؤمنين، جميعهم يواجهون الجنوب، جميعهم يدعون الآخرين للانضمام إليهم.
نصب كاميرته في خيمة العائلة وبدأ في تصويرهم واحدًا تلو الآخر. مع كل وميض، شعرت ياسمين بشيء يتحرر داخلها، الرغبة في الركوع، في الاتجاه نحو الجنوب، في الصلاة بكلمات تذوق الرمل والحزن.
"من أجل أطروحتي," قال العم رشيد، لكن صوته كان مزيجًا الآن، متجانسًا مع جميع الأصوات الميتة. "عن كيف تنتشر الإيمان. كيف تجد مؤمنين جدد. كيف تدعوهم للعودة إلى المنزل."
حاولت الأم تغطية عيني ياسمين، لكن يديها لم تطيعان. توجهتا نحو مسبحة العم رشيد بدلاً من ذلك، المسبحة التي عادت من قبر الجد. كانت المسبحة دافئة، تنبض بهذا النبض المزدوج، وعندما لمستها ياسمين، فهمت.
المحراب لم يكن يواجه الاتجاه الخطأ. كان يواجه الاتجاه الصحيح لما يسكن هناك. وما يسكن هناك كان جائعًا للأدعية، جائعًا للإيمان، جائعًا للأحياء لينضموا إلى الأموات في عبادتهم الأبدية.
كان نداء الفجر يتردد عبر الصحراء الآن، ينتشر من قرية إلى أخرى. كانت صور العم رشيد تُطوَّر في مدن بعيدة، كل صورة تحمل الخطأ كعدوى. أي شخص ينظر طويلاً إلى الصور شعر بالجذب نحو الجنوب، شعر بالرغبة في العثور على مسجده الخطأ، محرابه الذي يشير إلى الجوع.
وفي المسجد الأصلي، كانت الجماعة تتزايد. ركع العم رشيد بجانب الجد، وكاميرته تنقر تلقائيًا، توثق كل وصول جديد. كان الوميض يضيء وجوه أكثر كل ليلة - الطبيب، الإمام، الشرطي، جميع المؤمنين الذين جذبهم النداء الذي يأتي في ساعات خاطئة، جميعهم يتعلمون الصلاة في الاتجاه الذي يجب ألا تذهب إليه الأدعية.
ركعت ياسمين بينهم الآن، صوتها الصغير ينضم إلى الجوقة. لم تفهم بعد ما كانوا يشاهدونه، ما كانوا يعبدونه، ما كان يجيب أدعيتهم من الجنوب. لكنها عرفت أنه ينتشر، محمول في الصور والأدعية، في النبض المزدوج لأولئك الذين تعلموا الاتجاه الخاطئ.
آخر صورة التقطها العم رشيد قبل أن تتوقف كاميرته أخيرًا تظهر المسجد من فوق، مبنى لا يلقي بظل، محاطًا بالمصلين الذين يلقيون بظلال تشير في كل الاتجاهات مرة واحدة، كما لو أن الشمس نفسها نسيت أي اتجاه كان غربًا، أي اتجاه كان صحيحًا، أي اتجاه يقود إلى المنزل بدلاً من الغوص أعمق في الظلام الجائع الذي يسكن في الجنوب، في الاتجاه الخاطئ، حيث تذهب جميع الأدعية عندما تفقد طريقها.
بقلم
أحمد الكاتب
كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.
قيّم هذه القصة
التقييم: 3.9 من 5 (19 تقييم)
شارك القصة (7)
قصص مشابهة من قصص رعب مكتوبة
البيت المهجور: أسرار منسية في واحة النسيان
عندما دخلت البيت المهجور وسط الواحة، لم أكن أعلم أنني سأكتشف أسراراً تقشعر لها الأبدان، مستوحاة من أساطير أجدادنا.
طبيب الليل في وادي الغُرباء
طعم الخوف المعدني ملأ فمي وأنا أستمع لخطواتٍ لا ينبغي أن تُسمع في هذه الساعة. القواعد كانت مجرد خرافات حتى بدأ المرضى بالوصول بجروح تشكل أنماطًا قديمة، وزهرة لم تكن تعكس في الحوض النحاسي.
جناح الأسماء المنسية
في جناح ٧ المتحلل من مستشفى النور، تتحرك السبحة بلا ريح وزوج متفانٍ يجلس بجوار زوجته الغائبة عن الوعي. لكن عندما تستيقظ أخيراً، تسأله لماذا توقف عن زيارتها—رغم أنه لم يغادر جانبها أبداً.
لعنة بيت الساعات
بيقولوا إنو الموتى هاديين ومسالمين. بس الخوف الحقيقي مو من الموت.. الخوف من الأشياء اللي عطلانة بالمنتصف، الأشياء اللي رافضة تموت. متل قصر "عين الغراب...