صدى الغرفة رقم 7
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
القرية بأكملها كانت تكذب، أو ربما كانت خائفة فقط. الحكايات التي يهمس بها العجائز عند أطراف الغابة عن الفندق المهجور وعن "الغرفة ٧" تحديدًا، لم تكن سوى محاولة بائسة لمنح المكان بعض الهيبة. أنا لؤي، رجل يعيش من تصوير الأماكن التي ماتت. الجدران المقشرة، الرطوبة، الأثاث الذي ينهشه السوس.. هذا هو مجالي. الغرابة لا تخيفني، بل أعتبرها مادة دسمة لعدستي. لكن تلك الليلة غيّرت كل المقاييس.
وصلت في وقت ميت من الليل. الفندق كان أشبه بجثة إسمنتية ضخمة ترقد تحت مطر خفيف. دفعت الباب الخشبي الرئيسي، فأصدر صريرًا حادًا كأنه يصرخ معترضًا على دخولي. الرائحة في الداخل كانت مزيجًا خانقًا من الغبار العتيق والورق المحترق.
أشعلت كشافي اليدوي. الممرات كانت عادية، مجرد حطام وزجاج مهشم، حتى صعدت السلم الإسمنتي إلى الطابق الثاني. في نهاية الممر المظلم، تمامًا في الزاوية، كانت تقف هي. الغرفة رقم ٧.
هناك شيء ما انقبض في صدري فور اقترابي. الصمت هناك لم يكن طبيعيًا، كان صمتًا سميكًا وكثيفًا، لدرجة أن صوت الرياح في الخارج اختفى تمامًا بمجرد أن وقفت أمام الباب. الباب نفسه كان مغلقًا بإحكام، وعلى سطحه الخشبي رأيت خدوشًا عميقة.. خدوشًا غائرة تبدو تمامًا كأثر أظافر بشرية حاولت التشبث بالخشب في لحظة ذعر مطلق.
أمسكت بالمقبض المعدني. كان باردًا كالثلج. تملكني تردد غريب، لكنني ضغطت عليه ودفعت الباب.
الفخ النظيف
الغرفة لم تكن تشبه بقية الفندق في شيء. هنا، لا يوجد غبار. السرير ذو القوائم الأربعة مغطى بملاءة بيضاء ناصعة، مرتبة بعناية فائقة، كأن أحدهم نهض عنها قبل ثوانٍ فقط. وفي المقابل، كانت هناك مرآة طولية ضخمة بإطار برونزي قديم، تعكس الضوء الضعيف لكشافي بشكل مشوش.
"غريب،" تمتمت بصوت منخفض لإبعاد الخوف. أخرجت الكاميرا وبدأت في التقاط الصور. عبر العدسة، بدأت التفاصيل تأخذ أبعادًا مقلقة. التقطت زاوية السرير، ثم النافذة، وأخيرًا وجهت الكاميرا نحو المرآة.
ضغطت الزر. ومض الفلاش بقوة، معميًا بصري للحظة.
عندما نظرت إلى شاشة الكاميرا لأتفقد اللقطة، أحسست ببرودة مفاجئة تخترق عمودي الفقري. في الانعكاس، لم أكن بمفردي في الغرفة. كان هناك شيء يقف خلفي تمامًا. ظل أسود، طويل بشكل غير طبيعي، رأسه يميل بزاوية مكسورة نحو الكتف، ويداه تتدليان بأصابع طويلة مدببة.
التفتُّ وراء الكاميرا بسرعة هستيرية. لا أحد. الغرفة فارغة تمامًا.
أنفاسي تصاعدت وصار لها صوت مسموع. أعدت النظر للشاشة. الظل ما زال هناك، بل إنه تقدم خطوة. وجهه كان يقترب من زجاج المرآة، لم تكن له ملامح، مجرد فراغ أسود يشقه خط أفقي عريض.. شق غائر يمتد كابتسامة ساخرة ومرعبة.
جدران تضيق
حسمت أمري في ثانية؛ يجب أن أخرج. الفضول يغدو غباءً عندما تصرخ غريزتك بأنك في خطر. جمعت أجهزتي بعشوائية وتحركت نحو الباب. قبضت على المقبض وحاولت تدويره.
لم يتحرك مليمترًا واحدًا.
حاولت مجددًا، ضربت الباب بكتفي بكل ما أوتيت من قوة، لكن الخشب بدا وكأنه تحول إلى جدار حديدي. وفي تلك اللحظة بالذات، خفت ضوء كشافي اليدوي فجأة، ثم انطفأ تمامًا.
الظلام الذي حل لم يكن عاديًا، كان ظلامًا حسيًا، كثيفًا لدرجة تشعر بها على جلدك. أخرجت هاتفي بسرعة وشغلت كشافه البديل. ألقيت نظرة على الشبكة: "لا توجد تغطية".
ثم سمعت الصوت. صوت أقدام حافية تتحرك ببطء فوق الأرضية الخشبية خلفي. خش.. خش.. خش..
وجهت ضوء الهاتف نحو مصدر الصوت.. نحو المرآة.
توقفت دقات قلبي. المرآة لم تعد تعكس الغرفة الحالية. كانت تعرض مشهدًا لنفس المكان لكنه يغص بالبشر. بشر يرتدون ثيابًا تعود لزمن قديم، لكن وجوههم.. وجوههم كانت خالية من العيون، مجرد تجاويف تسيل منها مادة سوداء لزجة، وأفواههم مفتوحة عن آخرها في صرخة مكتومة. وكانوا جميعًا، بلا استثناء، يحدقون فيّ من وراء الزجاج.
وفي مقدمتهم، كان ذلك الظل الطويل. رفع يده الطويلة ووضع كفه مباشرة على سطح المرآة الداخلي.
سمعت صوت نقرة حقيقية على الزجاج. طق.
ثم نقرة أخرى أشد قوة.
اختلال الصدى
بدأت شروخ بيضاء تتسع على سطح المرآة، لكن الزجاج لم يسقط، كان يتمدد كأنه غشاء مطاطي يحاول شيء ما اختراقه ليعبر إليّ. الرائحة في الغرفة تبدلت فجأة، فاحت رائحة عفونة حادة، رائحة لحم آدمي متروك ليتعفن في الشمس.
تراجعت للخلف حتى ارتطم ظهري بالباب المغلق. صرخت بكل ما ملكت من صوت، وضربت الخشب بقبضتي حتى شعرت بالدم يسيل على أصابعي، لكن صوتي لم يغادر الغرفة، كان يرتد بقوة كأنه يرفض الخروج.
نظرت إلى الهاتف في يدي. الشاشة بدأت تومض بألوان مشوشة، والحروف تداخلت لتصنع كلمات غير مفهومة، قبل أن تثبت جملة واحدة باللون الأحمر: "أهلاً بك في الجانب الآخر".
انفجرت شاشة الهاتف فجأة بين أصابعي. تناثرت الشظايا وجرحت وجهي. سقطت على الأرض في العتمة الكاملة، أتنفس بصعوبة وأبكي من فرط العجز والعبثية.
في هذا الظلام، بدأ الصدى الفعلي.
سمعت صوتي. نعم، نبرة صوتي أنا تمامًا، لكنها لم تكن تخرج من حنجرتي. الصوت كان يأتي من زوايا السقف الأربع، يهمس بكلمات لم أنطق بها قط: "المكان مظلم هنا.. لماذا تركتني داخل الزجاج؟.. ساعدني".
الهمس كان يقترب، يدور حولي كأنه طوق خناق. شعرت بنسمة هواء باردة كالموت تلامس رقبتي من الخلف. هناك شيء انحنى فوقي تمامًا. أحسست بأصابع جافة، خشنة كأغصان يابسة، تلامس وجنتي ببطء، وتمسح الدم السائل من جروحي.
ثم، جاء الصوت حادًا ومباشرًا في لُب أذني: "انتهت اللعبة.. دورك الآن لتدخل"..
غياب
عندما حل الصباح وتسللت خيوط الشمس عبر النوافذ المكسورة للفندق، كان باب الغرفة رقم ٧ مفتوحًا على مصراعيه، يتحرك ببطء مع الهواء. الغرفة في الداخل كانت تبدو طبيعية تمامًا.. وخالية.
حقيبة الكاميرا ملقاة في الزاوية، وعدسة الكاميرا مهشمة على الأرضية الخشبية.
أما المرآة البرونزية الكبيرة، فقد كانت سليمة تمامًا، خالية من أي شرخ أو غبار.
إذا زرت ذلك المكان وتجرأت على النظر في تلك المرآة بالذات، سترى انعكاسك عاديًا في البداية. لكن إن ركزت جيدًا في زاوية الغرفة المظلمة داخل الزجاج، ستلمح شابًا يمسك بكاميرا مكسورة، وجهه يشع بالرعب، وعيناه تصرخان بصمت صاعق، بينما يقف خلفه ظل أسود طويل، يضع يده على كتفه ببطء.. ويمنعه من الالتفات أو الخروج.
بقلم
غيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 2.0 من 5 (1 تقييم)
شارك القصة (1)
قصص مشابهة من قصص رعب مكتوبة
البيت المهجور: أسرار منسية في واحة النسيان
عندما دخلت البيت المهجور وسط الواحة، لم أكن أعلم أنني سأكتشف أسراراً تقشعر لها الأبدان، مستوحاة من أساطير أجدادنا.
المحراب الذي يشير إلى الجحيم
جاء نداء الفجر في الثالثة صباحًا مرة أخرى، ومشى العم رشيد نحو المسجد المهجور بقدميه الخشبيتين. كان المحراب يواجه الجنوب بدلاً من الغرب لستين عامًا، لكن شيئًا في ذلك الاتجاه كان جائعًا جدًا للأدعية.
طبيب الليل في وادي الغُرباء
طعم الخوف المعدني ملأ فمي وأنا أستمع لخطواتٍ لا ينبغي أن تُسمع في هذه الساعة. القواعد كانت مجرد خرافات حتى بدأ المرضى بالوصول بجروح تشكل أنماطًا قديمة، وزهرة لم تكن تعكس في الحوض النحاسي.
جناح الأسماء المنسية
في جناح ٧ المتحلل من مستشفى النور، تتحرك السبحة بلا ريح وزوج متفانٍ يجلس بجوار زوجته الغائبة عن الوعي. لكن عندما تستيقظ أخيراً، تسأله لماذا توقف عن زيارتها—رغم أنه لم يغادر جانبها أبداً.