مغسل الموتى
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
ليلتها كانت مطرية بغزارة مش طبيعية، والبرد واصل للعظم. أبو محمود، مغسل الموتى بالحارة القديمة، كان قاعد جنب الصوبيا عم يغلي شاي. الداكنة شوية درجات تحت الأرض، وريحتها دايمًا كافور وطين يابس. الساعة كانت قربت على اثنتين بعد نص الليل. الدقّة على الباب الخشب ما كانت قوية، كانت كأنها أظافر عم تحكّ بالخشب ببطء شديد. حط كاس الشاي من إيده، وصوت الاحتكاك عم يزيد، حفيف متواصل وبارد. فتح الباب شخطة صغيرة. ما كان في حد واقف بالشارع، بس على العتبة كان في خيشة كبيرة ملفوفة بحبال قنب متينة، وعليها ماي وطين اسود. الخيشة كانت عم تهتزّ حركة خفيفة كتير، متل نفس واحد خنيق. سحب الخيشة لجوّة بسرعة قبل ما حدا يلمحه. المكان صار أبرد بعشر درجات أول ما فات الكيس. مسك السكينة وقطع الحبال. داخل الخيشة ما كان في جثة عادية، كان في جسم صبي صغير، ورجليه متصلبات. العيون كانت مفتوحة على الآخر، ولونها أبيض صافي بدون بؤبؤ. الغريب مو شكله، الغريب إن صدر الصبي كان عم يطلع وينزل بشكل متناسق، بس ما في صوت أذان ولا صوت نفس طالع من تمه الناشف. محمود حط إيده على رقبة الولد ليستطلع النبض. الرقبة كانت متل الثلج، متجمدة تماماً. بس تحت صبيعه، حسّ بحركة أغرب من النبض؛ شيء عم يمشي تحت الجلد، شيء رفيع متل السلك المتشابك عم يتحرك بسرعة. نزل إيده بسرعة وارتعب. باللحظة هي، الباب الخارجي انخبط خبطة قوية رجّت الدكانة كلها. الضوء الأصفر اللي عم يرجف فوق بلاطة المغسل طفى فجأة. العتمة صارت كاملة، وريحة الكافور اختفت وحلت محلها ريحة دم. سمع صوت رجلين حافية عم تمشي على البلاط البارد. الخطوات ما كانت قادمة من الباب، كانت طالعة من زاوية تصريف الماي بالأرض. صوت الماي عم تطلع لفوك، كأن البالوعة عم تفرغ اللي جواتها لداخل الأوضة. شعل القداحة بإيد عم ترجف. النور الضعيف كشف إن الصبي الصغير ما عاد على بلاطة المغسل. البلاطة كانت فاضية تماماً، بس في أثر طين اسود ومسار يمتد على الأرض باتجاه الخزانة الخشبية القديمة بالزاوية. الخزانة كانت مقفولة بفرزة حديد من سنة الثمانين، وما حد فتحها من وقت ما مات المغسل القديم أبو سعيد. مسار الطين كان يدخل من تحت الباب المظلم. الصوت اللي جواها كان صوت مضغ بطيء وطرقعة عظام. تقرب محمود خطوة بخطوة، القداحة بلشت تحرق صباعه بس ما قدر يطفيها. مسك المقبض الحديدي. المقبض كان دافي بأسلوب مرعب، كأن في جسم حرارته عالية كتير لابد وراه. سحب الباب ببطء، والصوت البشع وقف. داخل الخزانة، ما كان في رفوف. كان في نزلة دَرَج حجر نازلة لتحت الأرض، درج ما كان إلو وجود بالحي كله. على أول درجة، كان قاعد أبو سعيد، المغسل اللي اندفن من عشر سنين، ومقرفص بالظلمة. وجه أبو سعيد كان متآكل من جهة الشمال، والعيون نفس عيون الصبي، بيضاء تماماً بدون ملامح. طلع بـ محمود وابتسم، ابتسامة وسعت وجهه لدرجة إن الجلد عند أذنيه انشق وصار يقطر دم اسود على الحجر. حكى بصوت مو صوته، صوت متداخل متل مية واحد عم يحكوا بنفس اللحظة: "تأخرت يا محمود.. المغسل الجديد لازم ينزل تحت، البلاطة فوق ما عادت تتسع للناس اللي عم يرجعوا من التراب الطري." إيد أبو سعيد امتدت بطريقة غير طبيعية، العظام والأنسجة تطاولوا ليمسكوا بكاحل محمود. محمود صرخ، وحاول يرجع لورا، بس الأرض تحت رجليه صارت لينة متل العجين، رجليه بلشوا يغوصوا بالبلاط الصلب كأنه مستنقع. القداحة وقعت من إيده وانطفت. بالممر المظلم تحت الخزانة، بلشت تطلع أصوات أقدام كثر، مئات الخطوات العافية عم تطلع الدرج الحجري بسرعة. أصوات همس بأسماء ناس محمود غسلهم بإيديه على مدى السنين اللي مرقوا.
"هاد اللي غسلني بماء بارد..."، "هاد اللي خاط جرحي غلط..."، الأصوات كانت عم تقرب وتلتف حوله بالعتمة. مسكوا أواعيه من كل الجهات، أصابع ثلجية، وأظافر حادة عم تغرس بجلده وتسحبه باتجاه الدرج النازل. محمود حاول يتنفس، بس الهواء صار ثقيل وريحة تراب رطب تعبت رقتيه. سحب حاله بالقوة، وبصق الدم اللي تجمع بتمه. استجمع كل قوته وضرب إيد أبو سعيد بالسكينة اللي كانت لساتها بإيده الثانية.
السكينة دخلت بمعصم الجثة كأنها دخلت بطين يابس. أبو سعيد ما أطلق أي صوت ألم، بس مسكته تراخت لمحة ثانية. محمود غرس رجليه بالطين اللي عم يبلعه، ودفش حاله لورا بكل جسمه لحد ما وقع. زحف على البلاط وهو عم يلهث، والظلام حوليه عم يتحرك كأنه كائن حي. وصل للباب الخارجي، ضربه بكل ثقله، الباب المصفح انفتح، ومحمود زلف للشارع تحت المطر الغزير، وهو عم يصرخ وببكي متل الطفل.
الشارع كان فاضي تماماً، والمطر عم يغسل الدم والطين عن أواعيه. لما طلع وراه باتجاه دكانة المغسل، شاف الباب الخشب مقفول بصلابة، وما في أي صوت طالع منه، وكأن شيء لم يكن بالداخل أبداً. الشرطة أجو الصبح لما الجيران اشتكوا من الصراخ. دخلوا مع محمود على المغسل. المكان كان نضيف، ريحة الكافور معبية الجو، والصوبيا كانت طافية وباردة. الخزانة القديمة كانت مقفولة بفرزتها الحديدية المصدية كالمعتاد. محمود وقَف مشلول أمام الخزانة. الضابط ضحك وقال إلو إنك تعبان من الشغل ولازم ترتاح. بس لما الضابط لف ظهره ليطلع، محمود لمح تحت باب الخزانة خيط صغير من الطين الأسود عم يسرب ببطء. ومن يومها، محمود ما قدر ينام. كل ما يغمض عيونه، بيسمع صوت الدرج الحجري عم ينبنى تحت أرضية بيته، وبيسمع أبو سعيد عم يهمس من فتحة البالوعة: "المغسل جاهز.. انزل كمل شغلك معنا."
بقلم
غيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص رعب قصيرة
الضيف الغامض في الليلة الصافية
في ليلة قمرية عادية في قريتي الصغيرة، اكتشفت سرًا قديمًا عن مخلوقات خفية تجوب أرضنا.
أسرار الجن في وادي النخيل
في إحدى الليالي المقمرة، وجدت نفسي مضطراً لاكتشاف أسرار وادي النخيل، حيث تتحدث الأساطير عن مخلوقات خفية تسكن هناك وتخفي أسرارًا مذهلة.
غرف الظلال
في بلدة نائية، على طرف الجبال العالية حيث لا يجرؤ أحد على المكوث بعد غروب الشمس، كان هناك قصر قديم. القصر كان مهجورًا منذ عقود، والناس يتجنبون المرور...
سراب الجن في الوادي المهجور
عندما قررت زيارة الوادي المهجور لاكتشاف أسطورة الجن، لم أكن أعلم أنني سأواجه المجهول نفسه.