الضيف الغامض في الليلة الصافية
لم أكن أظن أن الأمور ستتخذ هذا المنحى الغامض في تلك الليلة. كان القمر يبدو كبيرًا وواضحًا في السماء، وكانت النسائم باردة تنساب برفق عبر النوافذ المفتوحة. كانت قريتي الوادعة، التي تقع بين التلال الرملية والواحات الخضراء، تبدو ساكنة وكأنها تغط في نوم عميق. لكن تلك الليلة كانت مختلفة، مختلفة تمامًا.
كنت جالسًا في فناء بيتنا العربي القديم، أشرب الشاي برفقة جدي الذي كان يشعرني دائمًا بالأمان والدفء بكلماته وحكاياته. بدأ جدي بسرد قصة غريبة عن الجان الذين كانوا يعيشون في وادٍ قريب منذ زمن بعيد، وقال إنهم كانوا يُشاهدون أحيانًا في الليالي المقمرة.
"هل تؤمن بوجودهم، يا جدي؟" سألته، وقلبي ينبض من الإثارة والخوف.
ابتسم جدي وقال: "الإيمان ليس هو المهم، المهم هو أن نكون دائمًا مستعدين للغرائب التي قد تواجهنا في الحياة."
تلك الكلمات كانت كافية لتشعل فضولي. ومع تقدم الليل، بدأت أشعر بشيء غريب، شعور ينبعث من داخلي وكأن نظرات خفية تراقبني. حاولت أن أتجاهل تلك الأحاسيس وأن أركز على ما يقوله جدي، لكن ذلك لم يكن ممكنًا.
بعد قليل، تلاشت الحكايات وحل الصمت بيننا. ثم فجأة، سمعنا صوتًا غريبًا يأتي من بعيد، صوت لم أستطع تحديده، وكأنه نداء قادم من أعماق الصحراء. نظرت إلى جدي، فرأيت في عينيه شيئًا من القلق.
قال بصوت خافت: "ربما حان الوقت لنغلق الأبواب، قد لا تكون الليلة آمنة كما تظن."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، لكنني قررت ألا أبالي. قررت أن أخرج لأتحقق بنفسي مما يحدث، فحملت مصباحي وتوجهت نحو الوادي الذي تحدث عنه جدي.
كانت الرمال تلمع تحت ضوء القمر وكأنها بحر من الفضة السائلة. تحركت ببطء وحذر، متيقنًا أني أسمع خطوات خلفي، خطوات غير مرئية. توقفت للحظة، وألقيت نظرة خلفي، لكن لم أرَ شيئًا سوى ظلال النخيل المتمايلة بفعل الرياح.
لكن فجأةً، شاهدت ظلًا يتحرك بسرعة بين الأشجار. تسارعت ضربات قلبي، وبدأت ألاحق ذلك الظل بعزيمة. كان يتحرك بخفة وسرعة، وكأنه يعرف الطريق تمام المعرفة.
وصلت إلى منطقة فيها بئر قديمة، يقال إنها مهجورة منذ زمن طويل. كان هناك، جالسًا بجانب البئر، رجل يرتدي ثيابًا بيضاء ناصعة، لم أتمكن من رؤية وجهه بوضوح. شعرت بأنه ليس من العالم الذي أعرفه.
قال بصوت هادئ ومطمئن: "كنت أعلم أنك ستأتي." صوتُه يحمل شيئًا من الأسرار القديمة.
تساءلت: "من أنت؟ ولماذا تشعرني وكأنك كنت بانتظاري؟"
أجاب مبتسمًا: "أنا ظل الليل، كنت هنا منذ الأزل، أراقب البشر وأتعلم منهم."
تجمدت في مكاني، غير قادر على الرد أو الحركة. ما الذي يحدث هنا؟ هل كان هذا الرجل حقًا من الجان كما يروي التراث؟
قبل أن أستطيع التفكير أكثر، اختفى الرجل كما ظهر، تاركًا خلفه صوت الرياح الذي استمر في تدوير الرمال حولي. عدت إلى البيت وأنا في حالة من الغموض والتساؤل، وكل ما يحدث يشعرني بأنني عشت لحظة بين الحقيقة والخيال.
عندما أخبرت جدي بما رأيت، نظر إليَّ بعينيه العميقتين وقال: "تذكر يا بني، ليس كل ما نراه يُفسر بالمنطق. بعض الأسرار يجب أن تظل أسرارًا."
لم أنسَ تلك الليلة أبدًا، وظللت أتساءل: هل كان ذلك الرجل حقًا من الجان؟ أم أن عقلي كان يلعب بي في ظلال الليل؟ تركت الليلة نهايتها مفتوحة، تاركًا لكم تفسيرها كيفما شئتم.
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص رعب قصيرة
أسرار الجن في وادي النخيل
في إحدى الليالي المقمرة، وجدت نفسي مضطراً لاكتشاف أسرار وادي النخيل، حيث تتحدث الأساطير عن مخلوقات خفية تسكن هناك وتخفي أسرارًا مذهلة.
سراب الجن في الوادي المهجور
عندما قررت زيارة الوادي المهجور لاكتشاف أسطورة الجن، لم أكن أعلم أنني سأواجه المجهول نفسه.