الميت الذي عاد ليصلي في المسجد
تنويه هام
هذه القصة مستوحاة من أحداث يُدّعى أنها حقيقية، لكنها أُعيدت صياغتها بأسلوب أدبي لأغراض الترفيه. لا يمكن التحقق من صحة الأحداث المذكورة.
حين تسمع عنوانًا كهذا، قد تظن أنك أمام فيلم رعب أمريكي، أو رواية غامضة، أو إحدى الأساطير الشعبية التي يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل.
لكن هذه الحكاية تُروى على أنها وقعت في سوريا، وتحديدًا في بلدة الزاكية بريف دمشق، خلال شهر رمضان من عام 1934م، عندما كان رمضان يحل في برد تشرين الثاني وكانون الأول، لا في حرارة الصيف كما اعتدنا في كثير من السنوات.
في ذلك الزمن، لم تكن السيارات قد انتشرت بعد، وكانت العربات التي تجرها الخيول أو البغال هي وسيلة النقل الأساسية. وكان أهل القرى ينتظرون بفارغ الصبر قدوم الباعة الجوالين الذين يحملون معهم كل ما تحتاجه البيوت من مؤن وأقمشة وحلوى وأشياء لا يجدونها في قراهم.
ومن أشهر هؤلاء الباعة رجل اسمه أبو العز.
كان محبوبًا لدى الجميع، يعرفه الكبير قبل الصغير، ويعرف تمامًا ما يحتاجه كل بيت. يحمل السكر والشاي والأرز، والكعك والحلوى، والملابس، والأقمشة، وحتى الأرواب النسائية، لذلك كان يوم وصوله إلى الزاكية أشبه بمناسبة ينتظرها الناس بشغف.
في صباح أول أيام رمضان وصل أبو العز إلى البلدة، وما إن توقفت عربته حتى التف الناس حوله من كل جانب.
"أعطني هذا..."
"ضع لي كيلو من السكر..."
"ولا تنسَ الشاي..."
ازدحم السوق حتى نفدت بضاعته بالكامل قبل أذان الظهر.
وكعادته، ترك عربته في مكانها، واتجه إلى الجامع ليصلي الظهر مع أهل البلدة، ثم استلقى قليلًا ليأخذ قسطًا من الراحة قبل صلاة العصر.
لكن هذه القيلولة لم تكن ككل مرة...
فقد نام...
ولم يستيقظ.
في البداية ظن الناس أن الصيام والتعب قد أنهكاه، فتركوه نائمًا حتى انتهت الصلاة.
عادوا إليه بعد ذلك، ونادوه مرارًا...
هزوا كتفه...
لكن بلا استجابة.
أصبح الأمر مقلقًا.
أسرع شيخ الجامع وأرسل أحد الشباب ليستدعي حكيم البلدة.
في ذلك الزمان، كان "الحكيم" هو الطبيب والصيدلي وخبير الأعشاب في آن واحد، وكان أهل القرية يثقون بكلامه ثقةً مطلقة.
وصل الحكيم، وفحص أبا العز لدقائق.
ثم رفع رأسه وقال بصوت حزين:
"رحمه الله... لقد مات."
ساد الصمت.
وقع الخبر كالصاعقة على أهل الزاكية.
لم يكن أبو العز مجرد بائع، بل كان صديقًا يعرفه الجميع، ويحبونه جميعًا.
غطوا جسده ببطانية داخل الجامع، وقرروا أن يبقى هناك حتى يجتمع كبار البلدة بعد صلاة العشاء ليتشاوروا في أمر دفنه.
أما المؤذن، أبو دياب، فقد قرر ألا يترك الجثمان وحده، وبقي في المسجد يقرأ القرآن حتى موعد الإفطار.
أذّن للمغرب...
وصلى بالناس...
ثم عاد الجميع إلى بيوتهم، بينما بقي أبو دياب وحيدًا مع الجثمان.
وبعد صلاة العشاء اجتمع رجال البلدة.
لكن ظهرت مشكلة كبيرة.
فالجميع يعرفون أبا العز بالاسم، إلا أن أحدًا لا يعرف أين يسكن في دمشق، ولا من هم أهله، ولا كيف يمكن التواصل معهم.
وبما أن الشريعة تحث على إكرام الميت وتعجيل دفنه، اتفقوا على أن يُغسل ويُكفن فجرًا، ثم يُصلى عليه ويُدفن بعد الظهر في البلدة نفسها.
انصرف الجميع...
ولم يبق في المسجد إلا أبو دياب.
كانت تلك عادته في رمضان؛ يعتكف، ويقرأ القرآن، ويصلي قيام الليل حتى الفجر.
حلّ هدوء الليل...
فرغ من تلاوة القرآن...
وتوضأ...
ثم وقف يصلي.
وأثناء صلاته، سمع صوت باب المسجد يُفتح ثم يُغلق.
لكنه لم يلتفت.
ظن أن أحد المصلين دخل متأخرًا.
واصل صلاته بخشوع.
وحين أنهى الصلاة، التفت وهو يقول:
"السلام عليكم ورحمة الله..."
وفجأة...
سمع من خلفه صوتًا يرد:
"وعليكم السلام ورحمة الله."
تجمد في مكانه.
قال بصوت مرتجف:
"من هناك؟"
جاءه الرد بهدوء:
"أنا هنا."
نظر خلفه...
فإذا بالمفاجأة التي لا يمكن لعقل أن يستوعبها.
كان أبو العز يقف خلفه...
يصلي...
بشحمه ولحمه.
كاد قلب أبو دياب يتوقف.
وقف مذهولًا، لا يصدق ما تراه عيناه.
كيف يكون الرجل قد مات صباحًا...
وها هو الآن يصلي خلفه في جوف الليل؟
لم يعرف ماذا يفعل.
أيهرب؟
ايوقظ الناس؟
أأطرق أبواب البيوت؟
أم ينتظر حتى الفجر؟
في النهاية جلس في مكانه ينتظر قدوم أهل البلدة، بينما ظل أبو العز معه داخل المسجد.
ولم يخطر بباله أنه لم يتناول إفطاره أصلًا، فقد أنساه هول ما رأى كل شيء.
ومع اقتراب الفجر، كان أول الداخلين إلى المسجد شيخ الجامع.
فتح الباب...
ثم توقف فجأة.
نظر أمامه...
فرأى أبا العز حيًا واقفًا.
ثم لمح على الأرض جثة مغطاة ببطانية.
في تلك اللحظة نسي تمامًا أن أبا دياب كان يبيت في المسجد كل ليلة من رمضان.
ولم يخطر بباله إلا تفسير واحد.
صرخ بأعلى صوته:
"الميت رجع!"
واستدار هاربًا وهو يركض مذعورًا في أزقة البلدة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
فقد كان أبو العز مصابًا بمرض السكري، ولم يكن أحد من أهل البلدة يعلم بذلك.
ومع الصيام والإجهاد، دخل في غيبوبة سكر عميقة.
ولأن وسائل التشخيص الطبية في ذلك الوقت كانت بدائية جدًا، أخطأ الحكيم في تشخيص حالته، وظنه قد فارق الحياة.
أما خلال الليل، فقد استعاد وعيه تدريجيًا، ونهض من مكانه، فتوضأ، ثم وقف يصلي خلف أبي دياب دون أن يدرك حجم الصدمة التي سيسببها.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في عودة أبي العز إلى الحياة...
بل في النهاية المأساوية.
فالمؤذن أبو دياب، الذي عاش تلك اللحظات المرعبة بكل تفاصيلها، لم يتحمل هول الصدمة.
وبحسب الرواية المتداولة، فقد فارق الحياة من شدة ما أصابه من فزع.
وهكذا...
أصبح القبر الذي حُفر ليُدفن فيه أبو العز...
من نصيب أبي دياب.
ورحل المؤذن الطيب، بينما عاد أبو العز إلى الحياة، بعد أن ظنه الجميع ميتًا.
رحم الله أبا دياب، وغفر له، وجعل هذه القصة شاهدًا على أن الحقيقة قد تكون، في بعض الأحيان، أغرب من كل ما يمكن أن يتخيله الخيال.
بقلم
محمد عبد الرزاق ابراهيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص رعب حقيقية
الظل الذي لم يختفِ
تجربة تتجاوز الخيال، بين السحر والشياطين، تسلب الأنفاس وتبعث الرعب في القلوب.
الليل الأخير في دار المهجورة
عندما دعتني الحاجة زينب للعيش في ذلك البيت القديم، لم أدرك أن الليل سيكتم أسراره المفزعة في جدرانه المهجورة.
أخطر امرأة في أستراليا | قصة كاثرين نايت المرعبة
تُدعى السيدة التي سأحكي لكم عنها كاثرين نايت. كانت تبدو امرأةً طبيعية وهادئة ولطيفة ومرحة، حتى إن كل من يتعامل معها يظن أنها شخص عادي لا يختلف عن الآخ...
المحضر رقم 108
ملفات محملة من لابتوب مروان السويد (محضر رقم 108) ملاحظة من المحقق المساعد: هذه النصوص تم استرجاعها من المفكرة المؤقتة (Notepad) لجهاز اللاب توب الخا...