أثر الدماء ع البلاط البارد
تنويه هام
هذه القصة مستوحاة من أحداث يُدّعى أنها حقيقية، لكنها أُعيدت صياغتها بأسلوب أدبي لأغراض الترفيه. لا يمكن التحقق من صحة الأحداث المذكورة.
لم أكن يوماً ممن يصدقون الحكايات التي تروى حول نيران الموتى أو الأرواح الهائمة، فأنا رجل أربعيني، عملت كمشرف صيانة في محطة القطارات القديمة بضواحي حلب لأكثر من خمسة عشر عاماً. طبيعة عملي جعلتني معتاداً على قضاء الليل بطوله وحيداً بين قعقعة الحديد وهياكل المقطورات الصدئة التي تعود لزمن العثمانيين والفرنسيين. لكن ما حدث في ليلة السابع عشر من تشرين الثاني عام 2021، غيّر مجرى حياتي بالكامل، وجعلني أدرك أن هناك زوايا في هذا العالم من الأفضل أن تظل مظلمة.
بدأت تلك الليلة كأي ليلة شتوية عادية لم يكن فيها اي جديد؛ ضباب كثيف يلف المكان، والبرودة تقضم العظام. كنت أجلس في غرفتي الصغيرة أرتشف الشاي، حين لاحظت عبر شاشات المراقبة اهتزازاً غريباً عجيبا في قفل المستودع رقم "7". هذا المستودع تحديداً كان مهجوراً منذ السبعينات، بعد حادثة مروعة تصادمت فيها مقطورتان واشتعلت النيران بركابها، ليتحول المكان إلى محرقة بشرية دُفنت تفاصيلها تحت الرماد والنسيان.
حملت مصباحي اليدوي الوجل، وعلّقت في حزامي قضيباً حديدياً ثقيلاً تحسباً لوجود لصوص أو كلاب شاردة. سِرت عبر الممرات الموحشة، وكان صوت خطواتي الثقيلة يرتد عن الجدران الإسمنتية المقشرة بشكل يثير القشعريرة. كلما اقتربت من المستودع "7"، كانت الرطوبة تزداد، وبدأت أشم رائحة غريبة للغاية، لم تكن رائحة غبار أو عفونة، بل كانت رائحة تشبه احتراق الشعر واللحم البشري... رائحة نفاذة تجعل المعدة تلتوي.
وصلت إلى الباب الحديدي الضخم للمستودع. كان القفل، الذي يزن أكثر من ثلاثة كيلوغرامات، يتأرجح ببطء شديد ويصدر صوتاً معدنياً رتيباً ومستفزاً: "طق... طق... طق". نظرت حول الأرضية، ولم يكن هناك أي أثر لأقدام في الغبار الكثيف، ولا حتى تيار هوائي يمكنه تحريك هذا القفل الثقيل. رفعت يدي المرتجفة ولمست الحديد؛ كان ساخناً جداً، لدرجة أنني سحبت يدي بسرعة بعد أن لسعتني حرارته بشكل لا يصدق في تلك الليلة الصقيعية.
دفعني فضولي الغبي، أو ربما إحساسي بالواجب، إلى إدخال المفتاح القديم في القفل. دار المفتاح بصعوبة بالغة وصوت صرير كأنه صراخ مكتوم. دفعت الباب بكتفي، فانفتح ببطء مخلفاً وراءه فجوة من الظلام الحالك الذي لا يمكن لمصباحي اليدوي اختراقه بالكامل. وجهت الضوء نحو الداخل، ورأيت بقايا مقطورة متفحمة قاطعة للممر، سوداء كالفحم، جدرانها المعدنية ملتوية بفعل حرارة نيران ماتت قبل عقود.
مشيت بضع خطوات داخل المستودع، وكانت الأرضية تحت قدمي لزجة بشكل غريب. سلطت الضوء على الأرض، وجمد الدم في عروقي؛ لم يكن هذا الماء الراكد من المطر، بل سائل لزج داكن اللون ينضح من شقوق البلاط ويتحرك في مسارات منتظمة كأنه يسيل من جرح حي. وفجأة، سمعت صوتاً خلفي... صوت تنفس ثقيل ومتسارع، يخرج من جوف المقطورة المتفحمة.
تسمرت في مكاني، وشعرت برعب شلّ حركتي تماماً. التفت ببطء شديد، ووجهت حزمة المصباح إلى إحدى النوافذ المحطمة للمقطورة. هناك، ومن بين الرماد والحديد الملتوي، برزت جمجمة بشرية، لكنها لم تكن عظاماً جافة... كانت مغطاة بطبقة من الجلد المحترق المتفحم الذي لا يزال يتدفق منه الدخان. عيناها... لم تكن هناك عيون، بل مجرد تجويفين يشتعلان بجمر أحمر متوهج ينظر إليّ مباشرة بحقد أعمى.
تحرك الكائن بحركة مفاجئة، وتسلل من النافذة الضيقة بسلاسة مرعبة وكأنه بلا عظام. كان طويلاً ومشوه القامة، وأطرافه تنتهي بأصابع متآكلة تبدو كالجمر المشتعل. بدأ يتقدم نحوي، ومع كل خطوة يخطوها على البلاط البارد، كان يصدر صوت أزيز حاد كسكين ساخن يوضع في ماء مثلج، ويترك خلفه آثار أقدام محترقة تنضح بالدماء.
المحاولة الأولى للهرب: التفت نحو الباب وجريت بكل ما أوتيت من قوة، لكن الباب الحديدي الضخم انغلق بعنف شديد أمامي، وسقط القفل من الخارج ليوصد المخرج تماماً.
الحصار: بدأت أضرب الباب بالحديد الذي في يدي وأصرخ بأعلى صوتي، لكن صدى صوتي كان يعود إلي ساخراً. شعرت بحرارة شديدة تلفح ظهري، التفت لأجد الكائن على بعد إنشات قليلة مني.
كانت رائحة الموت والاحتراق خانقة لدرجة أنني بدأت أفقد الوعي. رفع يده المتفحمة ببطء، ولمس عنقي. في تلك الأجزاء من الثانية، لم أشعر بألم الحرق فقط، بل شعرت بألم مئات البشر وهم يحترقون أحياء داخل تلك المقطورة؛ سمعت صراخ الأطفال، وتوسلات الأمهات، وشعرت باختناقهم من الدخان الأسود. كان الأمر أشبه بنقل حرفي لعذابهم إلى عقلي مباشرة.
سقطت على الركبتين، وكنت ألهث طالباً الهواء، بينما كان الكائن ينحني فوقي، ويفتح فمه الذي يقطر بريقاً أسود، ويهمس بصوت يبدو كعاصفة من الرماد: "لقد تركتنا هنا... والآن ستشهد على حرقنا في كل ليلة".
لا أذكر كيف انتهت تلك الليلة. عثر عليّ عمال النوبة الصباحية مغمى عليّ عند عتبة المستودع "7". كنت مصاباً بحمى شديدة، وهناك حروق حقيقية من الدرجة الثانية على عنقي اتخذت شكل أصابع يد بشرية مشوهة. حاولت إدارة المحطة إقناعي بأن حريقاً صغيراً نشب بسبب ماس كهربائي في الأسلاك القديمة هو ما سبب لي هذه الإصابات والهلوسة، وبأنني نمت بالقرب من مصدر النار.
استقلت من عملي في نفس ذلك الأسبوع، ولم أعد إلى تلك المنطقة أبداً. أعيش الآن في منزل صغير بعيد عن السكك الحديدية والمحطات. لكن الحكاية لم تنتهِ هنا؛ ففي كل ليلة، وتحديداً عند الساعة الثانية صباحاً، أستيقظ على رائحة احتراق مألوفة تملأ غرفتي، وأسمع بوضوح من تحت سريري صوت قطرات لزجة تسقط على البلاط البارد، تليها حشرجة مكتومة تخبرني أن ما رأيته في المستودع "7" لم يتركني هناك... بل جاء معي.
بقلم
غيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 4.5 من 5 (4 تقييم)
شارك القصة (3)
قصص مشابهة من قصص رعب حقيقية
الظل الذي لم يختفِ
تجربة تتجاوز الخيال، بين السحر والشياطين، تسلب الأنفاس وتبعث الرعب في القلوب.
الليل الأخير في دار المهجورة
عندما دعتني الحاجة زينب للعيش في ذلك البيت القديم، لم أدرك أن الليل سيكتم أسراره المفزعة في جدرانه المهجورة.
أخطر امرأة في أستراليا | قصة كاثرين نايت المرعبة
تُدعى السيدة التي سأحكي لكم عنها كاثرين نايت. كانت تبدو امرأةً طبيعية وهادئة ولطيفة ومرحة، حتى إن كل من يتعامل معها يظن أنها شخص عادي لا يختلف عن الآخ...
المحضر رقم 108
ملفات محملة من لابتوب مروان السويد (محضر رقم 108) ملاحظة من المحقق المساعد: هذه النصوص تم استرجاعها من المفكرة المؤقتة (Notepad) لجهاز اللاب توب الخا...