همسات الجوع في مقبرة وادي السلام

3 دقائق قراءة
95 قراءة
1.0 (1)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

في قلب العراق، حيث تمتدّ مقبرة وادي السلام كمدينة صامتة للأبد، تبدأ حكايتنا… حكاية لا تشبه سواها، وقعت في عام 1979، وبطلها شاب بسيط اسمه يوسف.

كان يوسف شابًا أثقلته الحياة قبل أوانها؛ فقيرًا، أميًّا، يتيم الأب، يحمل على كتفيه همّ عائلة كاملة. ترك المدرسة ليعمل، لا طمعًا، بل ضرورة.

أمّه تكافح في البيت بصناعة أشياء بسيطة تبيعها لتسدّ رمق الأيام، وأخواته الصغيرات يحاولن التمسك بالدراسة، فيما أخوه الأصغر لم يعرف طريق المدرسة بعد.

جرّب يوسف كل الأعمال: في الخضار، في المخبز، في البناء… لكن الرزق كان دائمًا أقل من الحاجة، والدَّين يطارده كظلّ لا يفارقه.

حتى جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.

في مساءٍ عادي، جلس يوسف في المقهى مهمومًا، فاقترب منه جاره كاظم، رجل يعمل حارسًا ليليًا. وبعد حديث طويل، عرض عليه فرصة عمل مشابهة. لم يتردد يوسف؛ كان يبحث عن أي باب يفتح له ولعائلته نافذة أمل.

وبالفعل، بدأ العمل. من الثامنة مساءً حتى الرابعة فجرًا، في صمت الليل ووحدته. ومع مرور الأيام، بدأ يشعر بشيء من الاستقرار… لأول مرة.

لكن هناك شيء واحد لم يتغيّر: طريقه إلى المنزل.

كان يمر بمحاذاة مقبرة وادي السلام… أكبر مقبرة عرفها البشر. ملايين القبور، وصمت ثقيل يملأ المكان. كان يخافها، نعم، لكنه لم يكن يملك طريقًا آخر.

وفي ليلة… تغيّر كل شيء.

بينما كان عائدًا قبيل الفجر، سمع صوتًا خافتًا… ثم آخر… أصوات أطفال!

تجمّد في مكانه، ثم اقترب بحذر من السور. كان الصوت واضحًا:

“جبت لكم أكل!” “في لحم؟!” “أخيرًا سنأكل…”

ارتجف قلبه، لكن شيئًا داخله غلب خوفه… الرحمة.

تسلّق الخوف، ودخل.

بحث بين القبور، حتى وجدهم… ثلاثة أطفال صغار، يجلسون على الأرض، يأكلون بقايا طعام بالكاد تُذكر.

اقترب ببطء، جلس معهم، وفتح كيس الطعام الذي معه. امتزجت دهشتهم بفرحٍ طفولي صادق. بدأوا يأكلون بشراهة، بينما كان يوسف يراقبهم بقلب يعتصره الألم.

سألهم: “أين تعيشون؟”

أجاب الأكبر بهدوء غريب: “هنا… هذا بيتنا.”

“وأين أهلكم؟”

“ذهبوا ليحضروا الطعام.”

ثم سأله: “أين تنامون؟”

رفع الطفل رأسه وقال: “نحن لا ننام.”

سكت يوسف… لم يجد جوابًا، ولم يشأ أن يفسد لحظتهم.

وقبل أن يغادر، قال لهم: “سأعود غدًا بطعام وبطانيات.”

فأجابه الطفل: “لكن لا تنسَ أن تقرأ الفاتحة للأموات.”

خرج يوسف، لكن تلك الليلة لم تخرج منه.

في اليوم التالي، عاد… مثقلًا بالأسئلة. حمل الطعام والبطانيات، وتوجه إلى المقبرة، وقلبه يتصارع بين الخوف والفضول.

وجدهم… في المكان ذاته.

رحّب بهم، لكن الطفل الأكبر قال له: “تأخرت يا يوسف.”

تجمّد الدم في عروقه.

لم يخبرهم باسمه.

حاول التماسك، وسأل مجددًا عن والديهم. فأشار الطفل إلى قبر خلفه وقال: “إنهم نائمون… سيستيقظون قريبًا.”

وفي تلك اللحظة… سمع صوتًا خلفه.

“من هناك؟!”

استدار مذعورًا… فإذا بحارس المقبرة، أبو حسين.

تنفّس الصعداء، وأشار إلى الأطفال قائلاً: “هؤلاء…”

لكن عندما التفت…

لم يكن هناك أحد.

الطعام كما هو… لم يُمس.

حتى طعام الأمس… كما تركه.

اقترب ببطء من القبر… ونظر إلى شاهده.

وهناك… توقّف الزمن.

اسم الأب… اسم الأم… وثلاثة أطفال.

انهار يوسف.

لاحقًا، أخبره الحارس بحكاية قديمة… عن عائلة ماتت في انفجار أسطوانة غاز، في لحظة كانوا فيها ينتظرون الطعام… جائعين.

منذ ذلك اليوم، لم يعد يوسف كما كان.

لم يعد يخاف المقبرة… بل صار يدخلها بخشوع. يقرأ الفاتحة، ويترك الصدقات، وكأن بينه وبين تلك الأرواح عهدًا لا يُرى.

وكان يقول دائمًا:

“الجوع… أقسى من الموت.”

وربما… بعض الأرواح لا ترحل تمامًا، إن رحلت… وهي ما تزال جائعة.

م

بقلم

محمد عبد الرزاق ابراهيم

كاتب مساهم في موقع قصص رعب

قيّم هذه القصة

التقييم: 1.0 من 5 (1 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص المقابر