حارس الأسماء الملعونة
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
سجل المقبرة كان يرتجف تحت أصابعي كأنه شيء حي.
فركت عينيّ بظهر يدي، محاولًا استعادة وضوح الرؤية. الحبر بقي ثابتًا على الصفحات الصفراء، مسجلًا أسماء الموتى بخط يدي: *فاطمة بنت أحمد، ماتت في نومها. يوسف ابن عمر، أخذته الحمى في اليوم الثالث.* موت طبيعي. أشياء كنت أسجلها منذ خمسة عشر عامًا كحارس لمقبرة القرية القديمة.
لكن الأسماء كانت تتحرك. كنت متأكدًا من ذلك.
"يا أبو مريم؟" جاءني صوت زوجتي من البيت الصغير المجاور للمقبرة. "العشاء جاهز."
أغلقت السجل بيدين مرتجفتين وسرت نحو الدفء المنبعث من بيتنا، تاركًا المكتب في ظلام. همست الرياح الصحراوية بين النخيل، حاملةً رائحة الياسمين من حديقة أم حسن. كل شيء طبيعي. كل شيء كما يجب أن يكون.
ما عدا طعم تراب القبور في فمي.
في الصباح التالي، جاء جسد آخر. خليل الحكواتي العجوز، وجد ميتًا في فراشه وفمه مفتوح كأنه كان يقص قصته الأخيرة. بكت ابنته ليلى بينما كان الرجال يحملونه إلى غرفة الغسل، لكنني لاحظت شيئًا جعل معدتي تنقبض: شفاه خليل كانت ملطخة بالسواد، كأنه كان يأكل التراب.
سجلت وفاته في السجل بخط ثابت، رغم أن النوم قد فارقني الليلة الماضية. كلما أغلقت عيني، رأيت المقبرة تنتشر كحبر مسكوب في الصحراء، تبتلع قريتنا بيتًا بيتًا. أحلام، لا أكثر. لعله الضغط من وظيفتي. في الثانية والأربعين، دفنت نصف الأشخاص الذين نشأت معهم.
"أحلام غريبة، أخي؟" سألني حسن الإمام وهو يعد جسد خليل للدفن. نظرة عينه العارفة أقلقتني.
"فقط تعب،" رددت، لكن عينيه كانت تمسك عيني لفترة أطول من اللازم.
تلك الليلة، الأسماء تحركت بلا شك.
جلست في المكتب بجانب المصباح، أُحدث سجلات الدفن، عندما بدأ الحبر يتدفق كالماء على الصفحات. الأسماء تعيد ترتيب نفسها، الحروف ترقص وتعيد تشكيل نفسها. *خليل ابن محمود* أصبح *ما زال هنا ما زال هنا* أمام عيني.
أغلقت الكتاب بقوة واندفعت إلى الخارج، قلبي ينبض بعنف في صدري. امتدت المقبرة أمامي في ضوء القمر، صفًا بعد صف من الشواهد الحجرية البسيطة. صامتة. هادئة.
لكنني سمعت همسًا.
جاء من تحت الأرض، عشرات الأصوات تهمس في انسجام. وضعت أذني على أقرب قبر وسمعت بوضوح: الموتى، يرددون أسماءهم مرارًا وتكرارًا، كأنهم يخشون نسيان من كانوا.
جلب الصباح راحة وخجلًا في آن واحد. إنها الإرهاق، لا أكثر. لقد كنت أعمل بجد، متحملًا مسؤولياتي بجدية أكبر من اللازم. أعدت لي زوجتي مريم الشاي بالنعناع والعسل، يداها اللطيفتان باردة على جبهتي المحمومة.
"ربما يجب أن تزور أختك في المدينة،" اقترحت. "خذ قسطًا من الراحة بعيدًا عن هذا المكان."
كدت أوافق. المقبرة بدت مختلفة في النهار—أصغر، أقل تهديدًا. مجرد صفوف من القبور يعتني بها رجل ترك خياله يفرط. رأيت الأطفال يلعبون بين النخيل، وسمعت النساء ينادين بعضهن في ساحاتهن. الحياة تستمر كما كانت دائمًا.
ذلك المساء، تلقيت زائرًا غير متوقع.
ظهر الغريب عند باب مكتبي كسراب يتشكل من غمرة حرارة النهار. طويل وأنيق، عيناه بلون رمال الصحراء، يرتدي ثيابًا تتغير بين البني والرمادي حسب الإضاءة.
"السلام عليكم،" قال بلغة عربية فصيحة، صوته يحمل صدى غريبًا. "علمت أنك حارس السجلات هنا."
"وعليكم السلام،" رددت تلقائيًا، رغم أن شيئًا في وجوده جعل جلدي يقشعر. "كيف يمكنني خدمتك؟"
"أبحث عن أحد. قريب دُفن هنا منذ زمن بعيد." ابتسم، كاشفًا عن أسنان بيضاء جدًا وحادة للغاية. "ربما يمكنك مراجعة سجلاتك؟"
ترددت. الشيء الصحيح هو دعوته للشاي، مراعاة المجاملات. لكن كل غريزة صرخت ضدي.
"بالطبع. أي اسم يجب أن أبحث عنه؟"
"آه،" قال، جالسًا على الكرسي مقابل مكتبي دون دعوة. "هنا تكمن... التعقيدات. ترى، الاسم نُسي. لكنني أعتقد أنه إذا نظرنا بعناية في سجلاتك، سنجده."
مد يده نحو سجل المقبرة بأصابع طويلة جدًا وشاحبة. عندما لمس الكتاب، انخفضت درجة حرارة الغرفة عشر درجات.
"اسمح لي،" همس.
انفتحت الصفحات من تلقاء نفسها، تتقلب بسرعة بينما عيني الغريب تفحص كل مدخل. حيث تتبعت أصابعه الأسماء، تحول الحبر إلى سواد الليل. ليس الأسود البني للكتابة القديمة، بل السواد المطلق لسماء بلا قمر.
"مثير للاهتمام،" تمتم. "الكثير من الأسماء. الكثير من الأرواح التي كانت تعتقد أنها تستطيع الراحة بسلام."
حاولت النهوض، الهروب، لكن ساقي لم تطيعني. شلل النوم في وضح النهار—مستحيل، ومع ذلك ها أنا، محاصر في جسدي بينما هذا الكائن ينتهك سجلاتي المقدسة.
"من أنت؟" تمكنت من الهمس.
نظر إليّ من فوق الكتاب، ورأيت أن عينيه لا تعكسان لهب المصباح بيننا.
"أنا من يجمع الديون،" قال ببساطة. "وهذه القرية مدينة لي بالكثير."
الغريب—لا، الجني، لأنه بالتأكيد كان كذلك—واصل تقليب الصفحات. مع كل اسم لمسه، شعرت بتوتر متصل في صدري، كما لو أن خيوطًا تربط قلبي بكل قبر في المقبرة.
"تَرَ،" واصل حديثه بلهجة عادية، "منذ زمن بعيد، قام قومك بعقد صفقة مع نوعي. الحماية من جوع الصحراء، الرخاء لحقولكم، الأطفال لنسائكم. كل ما طلبناه في المقابل هو أنه عندما ندعوكم، تُجيبون."
"هذا... هذا ليس ممكنًا،" تمتمت. "هذه قرية مسلمة. نحن لا نعقد صفقات مع الجن."
ضحكته كانت كالريح تخدش الحجر. "أوه، لكنكم تفعلون. أجدادكم كانوا أناسًا عمليين للغاية. الإمام الذي بارك هذه الأرض، الذي اختار هذا الموقع لمقبرتكم—كان يعلم بالضبط ما كان يفعله."
الحقيقة ضربتني كضربة مادية. المقبرة لم تكن مجرد مكان للدفن. كانت ساحة تغذية.
"كل روح دُفنت هنا أصبحت جزءًا من مجموعتنا،" أوضح الجني، وأصابعه الآن تتحرك بسرعة أكبر عبر السجل. "كنا صبورين، سمحنا لك بأن تصدق أن موتاك يرتاحون بسلام. لكن الوقت قد حان للدفع."
شاهدت في رعب الأسماء تبدأ بالاختفاء من الصفحات، ليست ممحوة بل ممتصة، مسحوبة إلى لحم الجني الشاحب كالماء في الرمال. مع كل اسم مفقود، شعرت بأحد شعبي ينزلق إلى شيء أسوأ من الموت—العدم الحقيقي.
"قف،" توسلت. "رجاءً، إنهم أبرياء. لم يعرفوا عن أي صفقة."
"البراءة ليست ذات صلة،" رد الجني. "يجب دفع الديون. لكنني لست غير معقول. سأقدم لك نفس الخيار الذي قدمه أجدادك."
أغلق السجل وانحنى إلى الأمام، أنفاسه تفوح منها رائحة غبار يعود لقرون.
"أعطني حياة واحدة برضاها، وسأرحم الباقين. روح واحدة تُقدم بحرية، ويمكن لقريتك أن تستمر في وجودها السلمي."
فكرت في أيدي زوجتي اللطيفة، وابنتي التي تدرس في المدينة، وابني الذي يتعلم رعاية النخيل. الوزن الذي حملته لمدة خمسة عشر عامًا بات فجأة ساحقًا.
"كيف أعلم أنك ستفي بوعدك؟"
"لأنك، أيها الحارس العزيز، بحاجة إلى أن تصدق. الإيمان يجعل التضحية أكثر... مغذية."
فتحت باب المكتب بصوت خافت، وظهرت مريم تحمل صينية شاي. ابتسمت لي، ثم للغريب، ووجهها يضيء بالضيافة الدافئة التي كانت من طبيعتها.
"أحضرت المشروبات لضيوفك، زوجي."
ثبت الجني عينيه عليها باهتمام مفترس.
"لا،" قلت بسرعة. "ليس هي. أي شخص إلا هي."
"إذن اختر،" همس الجني. "أو سآخذهم جميعًا، بدءًا بمن تحبهم أكثر."
فهمت حينها لماذا كانت الأسماء تتحرك في السجل، لماذا كنت أحلم. الجني كان يُعدني، يُظهر لي الطبيعة الحقيقية لدوري. لم أكن مجرد حارس لسجلات الدفن.
كنت الراعي، وكان هو الذئب.
تحركت يدي إلى السجل، وفتحته على صفحة فارغة. التقطت قلمي، نفس القلم الذي استخدمته لتسجيل مئات الوفيات، وبدأت أكتب.
*مريم بنت خليل،* كتبت. *زوجة محبوبة، أم مخلصة. ماتت من...*
"لا!" أسقطت مريم الصينية، فتكسرت الأكواب على الأرضية الحجرية. لكن صوتها بدا بعيدًا جدًا. "ماذا تكتب؟ لماذا تكتب اسمي؟"
ابتسم الجني. "اختيار ممتاز. ستكون إضافة رائعة إلى مجموعتنا."
لكنني لم أكن أكتب ما كان يتوقعه. تحركت يدي بإرادتها الخاصة، مدفوعة بخمسة عشر عامًا من الواجب المقدس وفهم مروع.
*ماتت من الحب،* أكملت. *ضُحيت من قبل من كان ميتًا بالفعل.*
تراجع ابتسام الجني. "ماذا ت—"
نظرت إليه، ولأول مرة منذ وصوله، ابتسمت.
"قلت أن أجدادي عقدوا صفقة. أنت محق. لكنك نسيت أن تتحقق مع من كنت تعقد الصفقة."
قلبت السجل نحوه، مبينًا له ما كتبته تحت اسم مريم:
*حارس المقبرة، حارس العتبة بين العوالم. ليس حيًا ولا ميتًا، لكن مقيد بالخدمة حتى يُدفع الدين بالكامل.*
اتسعت عيون الجني عندما أدرك الحقيقة. "أنت بالفعل واحد منا."
"كنت كذلك منذ خمسة عشر عامًا،" أكدت. "منذ الليلة التي توليت فيها هذا المنصب لأول مرة. الليلة التي ماتت فيها في نومي واستيقظت في الصباح التالي، لم أعد إنسانًا تمامًا."
كانت مريم تتراجع نحو الباب، وجهها شاحب من الرعب. يمكنها الآن رؤيتي كما أنا حقًا—شيء يشبه زوجها لكنه لا يلقي ظلًا، ولا يترك آثار أقدام في الرمال، وانعكاسه في المرايا يُظهر فراغًا.
"العقد قد تحقق بالفعل،" أكملت، واقفًا ببطء. "روح واحدة قُدمت برضاها مقابل حماية القرية. أنا. فقط لم أفهم ما وافقت عليه حتى الآن."
زمجر الجني، وجهه الأنيق يتشقق ليكشف عن شيء قديم ومرعب من تحته. "لا يمكنك—"
"أستطيع،" قلت، وحمل صوتي سلطة القبر. "هذه مملكتي. هؤلاء شعبي لحمايتهم. وأنت... لا سلطان لك هنا."
اشتعل السجل بالنيران، تتجعد الصفحات وتُسود، وتأخذ معها سيطرة الجني على موتانا. صرخ، صوت كريح تمر عبر العظام، قبل أن يتحلل إلى دخان سرعان ما جرفته الرياح الصحراوية.
هربت مريم. سمعتها تستدعي الإمام والجيران، تخبرهم أن شيئًا ما غير طبيعي يحدث لزوجها. سيأتون قريبًا، وسيرون ما رأته—أن الرجل الذي عرفوه كحارس للمقبرة كان ميتًا منذ خمسة عشر عامًا.
لكن القرية كانت آمنة. الموتى سيرتاحون بسلام. وسأواصل حراستي، لا حيًا ولا ميتًا، أراقب العتبة حتى يأتي شخص آخر ويأخذ مكاني برضا.
التقطت قلمي وفتحت سجلًا جديدًا. في الصفحة الأولى، كتبت اسمي:
*حارس الأسماء، حارس المقبرة. ليس حيًا ولا ميتًا، لكن مقيد بالخدمة حتى يُدفع الدين بالكامل.*
ثم جلست في كرسيي انتظر وصول الجسد التالي. بعد كل شيء، الموت لا يرتاح.
ولا أنا كذلك.
بقلم
أحمد الكاتب
كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.
قيّم هذه القصة
التقييم: 3.9 من 5 (22 تقييم)
شارك القصة (4)
قصص مشابهة من قصص المقابر
سر المقبرة المهجورة
في ليلة مقمرة في الصحراء، اكتشفت مقبرة قديمة دفنت فيها أسرار لا ينبغي لأحد أن يعرفها.
الليلة السابعة
انطفأ جهاز الكاسيت في منتصف الأغنية، رغم أن إصبع ليلى لم يكن قريبًا من الزر. في جناح المستشفى المهجور حيث ماتت جدتها بالأمس، لا تزال الآلات تصدر أصواتها - والليلة، تقاليد عائلة زوجها الجديد لا يمكن رفضها.
شبح جورج واشنطن في ساحة الحرب!
كانت الحرب الأهلية الأمريكية قد دخلت واحدة من أحلك مراحلها. فالجيوش الشمالية تتعثر، والانتصارات المنشودة تبدو بعيدة المنال، فيما كانت قوات الجنوب تقات...