فتح محلًا أمام المقابر... فجاءه زبون ميت كل ليلة!
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
لقد تغيّرت الحياة كثيرًا، وكأنَّ عفريتًا قد امتطاها، وهذا التغيير جعل محلَّ الحلاقة الذي أملكه خاليًا من الزبائن. فمنذ شروق الشمس حتى حلول الليل لا يدخل إليَّ أحد، وإن دخل زبون، فإما أن يكون مضطرًا للحلاقة عندي لضيق وقته، أو لأنه لم يجد حلاقًا آخر فارغًا، أو لأنه رجلٌ كبير في السن يفضّل الحلاقة القديمة التي أجيدها، ولا يهتم بصيحات الموضة وقصّات الشعر الغريبة المنتشرة هذه الأيام.
ومع مرور الوقت اعتدت هذا الحال، وصرت أرضى بما قسمه الله لي. أدفع من دخلي إيجار المحل حتى نهاية الشهر، وما يتبقى بالكاد يكفيني، وكأنه عكاز أستند إليه وأنا أعلم أنه لن يوصلني إلى نهاية الطريق.
وبقيت على هذا الحال، حتى كنت ذات يوم جالسًا في المحل وقد غلبني النعاس من شدة الفراغ، فسمعت صوت خطوات تقترب. قلت في نفسي: الحمد لله، أخيرًا جاء زبون، وسأبدأ يومي.
فتحت عيني استعدادًا للعمل، لكنني فوجئت بأن الواقف أمامي لم يكن زبونًا، بل صاحب العقار الذي أستأجر منه المحل.
قلت له:
نورت المحل يا أستاذ أسامة.
فقال:
المحل منور بصاحبه يا أسطى عباس.
قلت:
تفضل، بقي أسبوع كامل على نهاية الشهر، وأنا أعلم أنك لا تأتي إلى المحل إلا لتحصيل الإيجار.
قال:
هذه المرة لم آتِ بسبب الإيجار، وإنما أريد أن أتحدث معك في أمر آخر.
قلت:
خيرًا إن شاء الله.
قال:
أنت تعرف أن حال محلك لم يعد كما كان، ولم يعد الزبائن يأتون إليك.
جرحني كلامه، لكنني قلت:
لأننا أصبحنا نعيش في زمن يريد فيه الشباب تقليد اللاعبين والمطربين، ويضعون الجِل في شعورهم، وصارت أغلب القصّات غريبة، وأنا رجل كبير في السن، ولا أجيد هذه الأمور.
فقال:
يا أسطى عباس، صحيح أنك تفتح المحل مبكرًا، لكن الزبائن لم يعودوا يأتون لأنك ما زلت تستعمل الكولونيا القديمة، وماكينة الحلاقة اليدوية، حتى إنك لا تريد شراء ماكينة كهربائية. لو طورت نفسك، لرجع إليك الزبائن، وعندها تستطيع أن ترفض القصّات التي لا تعجبك.
ولما رأيته يطيل الحديث، قلت:
حسنًا... فما سبب زيارتك إذًا؟
سكت لحظات، ثم تنهد وقال:
بصراحة... أنا أحتاج إلى المحل.
قلت باستغراب:
ماذا تعني؟ أنت تأخذ الإيجار في موعده دائمًا.
قال:
الإيجارات ارتفعت كثيرًا، ولا أستطيع أن أرفع الإيجار عليك، لذلك قررت أن أؤجر المحل لشخص آخر، وسيستفيد من موقعه أكثر منك. أرجو أن تخلي المحل خلال الأسبوع القادم، حتى يتسلمه المستأجر الجديد مع بداية الشهر.
ولأن الإنسان حر في ملكه، نفذت طلبه، وخلال ذلك الأسبوع بحثت عن محل آخر، لكن الإيجارات كانت مرتفعة جدًا، حتى دلّني رجل طيب على محل إيجاره رخيص.
وكان عيبه الوحيد أن بابه يفتح مباشرة على المقابر.
ولأنني لم أجد بديلًا، وافقت على استئجاره، وقبل نهاية الشهر نقلت أغراضي إليه، وسلمت المحل القديم.
في اليوم الأول في المحل الجديد، فتحت الباب مبكرًا كعادتي، وجلست وأنا أتوقع أن أقضي يومًا آخر في الفراغ والنوم، لكن لم تمضِ ساعتان حتى دخل رجلٌ كبير في السن، وقال:
صباح الخير، هل يمكنك أن تهذّب لحيتي؟
قلت:
بالطبع، تفضل بالجلوس.
جلس على الكرسي، وبدأت عملي بصمت. وبعد لحظات قال:
غريب!
رفعت الموس عن لحيته حتى لا أجرحه، وسألته:
وما الغريب؟
قال:
هذه أول مرة أجلس على كرسي حلاق، فيبدأ بالحلاقة دون أن يفتح أي حديث.
ابتسمت وقلت:
الناس ليست سواء، فأنا بطبيعتي قليل الكلام.
فقال:
وأنا أيضًا مستغرب أنك لم تجد إلا محلًا يفتح بابه على المقابر لتفتحه محل حلاقة.
قلت:
وما المشكلة في ذلك؟ ثم يبدو أن المكان مبارك، فهذا أول يوم لي هنا، ولم تمضِ ساعتان حتى جاءني أول زبون. كل إنسان يأخذ رزقه.
ثم أضفت:
بالمناسبة، اسمي عباس.
قال:
تشرفنا، وأنا الحاج إبراهيم، أحد سكان المنطقة. لكن أحب أن أخبرك أن هذا المحل لم يكن أحد يرغب في استئجاره.
سألته:
ولماذا؟
قال:
لأن الناس يرون أن فتح محل أمام المقابر ليس فألًا حسنًا. صحيح أن بجوارها منازل والناس يعيشون فيها، لكن البيت يمكن أن يغلق بابه، أما المحل فسيظل بابه مفتوحًا وأنت ترى القبور أمامك طوال الوقت.
ابتسمت وقلت:
وهل سنهرب من المقابر؟ كلنا إليها ذاهبون، المهم أن يكون المكان سببًا في الرزق.
ثم قلت:
بسم الله، وعلى بركة الله نبدأ الحلاقة.
كان هذا كل الحوار الذي دار بيننا حتى انتهيت من تهذيب لحيته. دفع الحساب، وغادر.
ومنذ ذلك اليوم، لم يكن الحاج إبراهيم يمر بالمحل إلا ليسلّم عليّ.
ولم تمضِ نصف ساعة على خروجه حتى دخل زبون آخر، وعندها تأكدت أن المشكلة لم تكن فيَّ، ولا في ماكينة الحلاقة اليدوية التي ما زلت أستخدمها، وإنما في المحل القديم نفسه، وكأنه كان منحوسًا رغم موقعه الجيد.
ومضى اليوم، والزبائن يدخلون ويخرجون، وكلهم يناسبهم أسلوبي في الحلاقة، ومع كل زبون كنت أزداد يقينًا أن العيب لم يكن في عملي.
واستمر الحال حتى حلّ الليل، وتأخر الوقت، وهدأت المنطقة، وأغلقت البيوت أبوابها، فلم يبقَ غيري في مواجهة ظلمة المقابر.
لذلك قررت أن أغلق المحل وأعود إلى منزلي.
أطفأت الأنوار، وأنزلت باب المحل، وبينما كنت أضع القفل في مكانه شعرت بشخص يقف بجانبي.
ورغم ضعف بصري، خاصة في الظلام، استطعت أن أرى قدميه، ثم رفعت بصري فرأيت شابًا في نحو الثلاثين من عمره.
وما إن تأكد أنني رأيته حتى قال:
كنت أريد أن تهذّب لحيتي، لكن يبدو أنني جئت متأخرًا. لا بأس، سأعود غدًا.
ابتسمت، وسحبت القفل قبل أن أغلقه، ثم رفعت باب المحل من جديد وقلت:
لم تتأخر، ما زال هناك وقت. تفضل.
دخل وجلس على كرسي الحلاقة، ولمحت ابتسامة على وجهه في المرآة، ثم قال:
آسف إن كنت سأؤخرك.
قلت:
لا تقل هذا، فالرزق لا يُرفض. لقد عانيت طويلًا من قلة الزبائن في المحل السابق، أما هنا فمنذ اليوم الأول والرزق حاضر، فلا يمكن أن أطلب منك العودة غدًا. في الحقيقة، كنت أخشى فقط من كون المحل أمام المقابر، لكن يبدو أن ما نخشاه أحيانًا يكون خيرًا لنا.
فقال:
الرزق كالموت يا أسطى عباس.
بدأت أدهن لحيته بمعجون الحلاقة، ثم أمسكت الموس، ولما شددت جلد وجهه استعدادًا للحلاقة، شعرت بأن بشرته باردة بصورة غير طبيعية.
لكنني تجاهلت الأمر، ولم أشأ أن أتطفل عليه بالسؤال.
واصلت الحلاقة، بينما كان هو صامتًا تمامًا. ومنذ أن لامس الموس وجهه لم ينطق بكلمة واحدة، وأنا أيضًا لم أرد أن أتدخل فيما لا يعنيني.
وبعد أن انتهيت من تهذيب لحيته، وقفت خلف الكرسي ونظرت إلى انعكاس وجهه في المرآة.
في الثواني الأولى شعرت وكأنه تمثال؛ عيناه لا ترمشان، وصدره لا يتحرك مع التنفس. ولم يعلّق على الحلاقة، ولم يمد يده ليتحسس لحيته ليرى إن كانت ناعمة أو تحتاج إلى مزيد من التشذيب.
استغربت سكوته، فقلت:
هل كل شيء على ما يرام يا أستاذ؟
ظل للحظة وكأنه غارق في غيبوبة، ثم بدأت عيناه ترمشان، وعاد يتنفس بصورة طبيعية، وقال:
تسلم يداك يا أسطى عباس.
قلت:
تحت أمرك.
أخرج بعض النقود من جيبه ووضعها في جيب قميصي، ثم غادر المحل.
ولم تمضِ سوى لحظات حتى خرجت خلفه، فقد كنت مرهقًا من الوقوف والعمل طوال اليوم.
نظرت يمينًا ويسارًا في الشارع، فلم أجد له أثرًا. كانت أبواب البيوت كلها مغلقة، والطريق المقابل لا يوجد فيه إلا المقابر، ولم أستوعب كيف اختفى بهذه السرعة.
لكنني قلت في نفسي: لعل بيته قريب من المحل، وما إن خرج حتى دخل إليه وأغلق الباب.
أنزلت باب المحل وأحكمت إغلاقه، ثم هممت بالمغادرة، لكنني توقفت فجأة عندما خطر ببالي سؤال:
كيف عرف اسمي؟
لقد ناداني باسمي مرتين، مع أنني لم أعرّف نفسي له أبدًا.
وقفت لحظات أفكر، ثم قلت لنفسي إن الأمر بسيط؛ فمنذ أن افتتحت المحل لا بد أن أهل المنطقة تحدثوا عن الحلاق الجديد الذي فتح محلًا مقابل المقابر، وربما كان الحاج إبراهيم قد ذكر اسمي لأحد، حتى وصل إليه.
حاولت أن أقنع نفسي بهذا التفسير، وعدت إلى البيت، ونمت من شدة التعب.
وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى المحل، وما إن انتهيت من أول زبون حتى دخل آخر، ثم ثالث، ورابع، حتى امتلأ المكان بالمنتظرين.
أنساني العمل القلق الذي عدت به إلى المنزل في الليلة السابقة.
ومع ذلك، كنت كلما وقع بصري على المقابر التي لا يفصلها عن المحل سوى أمتار قليلة، أشعر بشيء من الضيق، خاصة مع اقتراب الليل وازدياد الظلام، إذ كان منظرها يبعث في النفس رهبة.
لكنني كنت أعود سريعًا إلى عملي، وأقول في نفسي:
«إن الله هو الرزاق. ففي المحل القديم، رغم أن موقعه كان ممتازًا، لم يكن يأتي إليّ أحد، أما هذا المحل، ورغم أنه يفتح على المقابر، فقد كان مليئًا بالخير، ولم يعترض أحد على استعمالي لماكينة الحلاقة اليدوية، ولم يطلب مني أحد تلك القصّات التي كنت أرفض تنفيذها.»
ومع آخر زبون، نظرت إلى الساعة، فإذا بها تشير إلى العاشرة والنصف ليلًا.
كانت البيوت قد أغلقت أبوابها، ولم يبقَ في المكان سواي... والمقابر.
شعرت بإرهاق شديد، وأيقنت أن أحدًا لن يأتي بعد ذلك، فأطفأت الأنوار، وخرجت، وأنزلت باب المحل.
وما إن انحنيت لأضع القفل، حتى شعرت بشخص يقف بجانبي.
رفعت رأسي، وبرغم الظلام، عرفت ملامحه فورًا.
لقد كان هو نفسه... الشاب الذي جاء في الليلة الماضية.
وقال للمرة الثانية:
يبدو أنني جئت متأخرًا مرة أخرى.
شعرت بأن جسدي قد تثاقل، ولم أعد قادرًا على النهوض، حتى لساني بدا ثقيلًا، لكنني قاومت ذلك الشعور، ووقفت بصعوبة، ثم سألته:
أأنت الزبون الذي جاء البارحة؟
ابتسم وقال:
جميل أنك ما زلت تتذكرني يا أسطى عباس.
وما إن نطق باسمي مرة أخرى حتى تذكرت أنني لم أخبره باسمي مطلقًا.
فاستغللت الفرصة وسألته:
من أين عرفت اسمي؟
ابتسم وقال:
منذ أن فتحت هذا المحل، أصبحت معروفًا عندنا.
قلت مازحًا:
ألهذه الدرجة؟ هل لأنني ذكرت اسمي مرة واحدة صار جميع أهل المنطقة يعرفونني؟ لا أستبعد أن يكون حتى الأموات في المقابر قد عرفوا اسمي! فباب المحل لا يبعد عن القبور سوى مترين أو ثلاثة.
فضحك وقال:
نعم... لا بد أنهم عرفوك.
ضحكت بدوري وقلت:
بارك الله فيك، أضحكتني.
ثم قال:
اسم جميل، ويبعث على الهيبة.
قلت:
أشكرك على ذوقك.
ثم قال:
هل تأذن لي أن تهذّب لحيتي؟
ورغم أن طلبه أثار استغرابي، فإنني قلت:
إذا كان الوقت لا يتسع، فسنُوجد له وقتًا.
رفعت باب المحل مرة أخرى، وأشعلت الأنوار، وقلت:
تفضل.
جلس على كرسي الحلاقة، وما إن نظرت إلى وجهه حتى أصابتني صدمة.
كانت لحيته كما هي... خشنة تمامًا، وكأنني لم أحلقها له في الليلة الماضية.
ومع ذلك قلت:
لكنني حلقت لك لحيتك بالأمس! كيف نمت بهذا الشكل في يوم واحد؟ كنت أظنك جئت لتحلق رأسك هذه المرة.
نظر إليّ وقال:
ماذا ترى يا أسطى عباس؟ هل جئت لأحلق رأسي، أم أن لحيتي تحتاج إلى الحلاقة فعلًا؟
ارتجف جسدي، ولم أعد أستطيع السيطرة على نفسي، فسألته:
كيف يحدث هذا؟ لقد حلقتها بالأمس!
فقال بهدوء:
إنه الرزق يا أسطى عباس... ألن تقول إن الرزق لا يُرفض؟
كنت معتادًا ألا يغادر الزبون كرسي الحلاقة إلا بعد أن يحصل على ما جاء من أجله، لذلك بدأت أدهن لحيته بمعجون الحلاقة.
لكن هذه المرة كنت أراقبه جيدًا.
لاحظت أن صدره لا يتحرك، وأن عينيه لا ترمشان.
وحين مررت الموس على وجهه، شعرت مرة أخرى بأن جلده بارد، بل بدا لي وكأن الموس ينزلق فوق حجر لا فوق بشرة إنسان.
قاومت الرعشة التي أصابت يدي حتى لا أجرحه.
وأكملت عملي في صمت، رغم أنني استغرقت وقتًا أطول من المعتاد، ليس لأنني لا أجد ما أقوله، بل لأن خوفًا غريبًا بدأ يتسلل إلى قلبي.
لقد كان أغرب زبون جلست إليه في حياتي.
وحين انتهيت، تحرك أخيرًا، ونظر إليّ من خلال المرآة، وقال:
سلمت يداك يا أسطى عباس.
ثم أخرج نقودًا من جيبه، ووضعها في جيب قميصي مرة أخرى.
قلت:
هنيئًا لك.
غادر المحل، فأطفأت الأنوار وخرجت خلفه.
وتكرر المشهد نفسه كما حدث في الليلة الماضية؛ فما إن خرج حتى اختفى تمامًا.
ولم أشأ أن أرهق نفسي بالتفكير.
أغلقت المحل، وعدت إلى البيت.
وحين وصلت، وضعت يدي في جيب قميصي، فلم أجد النقود.
فتشت في جيب سروالي، وقلت لعلني نقلتها دون أن أشعر، لكنني لم أجد إلا المال الذي كنت قد عددته قبل أن أغلق المحل أول مرة.
فقلت في نفسي إن النقود ربما سقطت مني في الطريق، واستسلمت للأمر، وحمدت الله أن المحل الجديد يسير عمله على خير ما يرام.
لذلك نمت دون أن أشغل بالي كثيرًا.
في صباح اليوم التالي، وما إن فتحت المحل، حتى قررت أن أنظف الكرسي والأرض من شعر الزبائن، لأنني في الليلة الماضية أغلقت المحل وغادرت مباشرة من شدة الإرهاق.
لكنني وقفت مذهولًا.
لم يكن هناك أي أثر للشعر الذي حلقته من لحية ذلك الشاب.
عندها تذكرت أن الأمر نفسه حدث في المرة الأولى أيضًا، فقد تركت المحل دون تنظيف، وعندما فتحته صباح اليوم التالي لم أجد أي أثر لشعر لحيته.
في المرة الأولى لم يلفت ذلك انتباهي، لأنني لم أكن مستغربًا أمره بعد، أما الآن، وبعد ما حدث في الليلة الماضية، فقد أصبحت أراقب كل ما يتعلق به.
حينها أدركت أن النقود التي أعطاني إياها في المرتين السابقتين لم تضِع، وإنما اختفى مصيرها كما اختفى الشعر.
وإن لم يكن هذا التفسير صحيحًا، فلا بد أن ذلك الرجل الذي يُدعى «عرفة» لا وجود له أصلًا، وأنني بدأت أهذي بسبب تقدمي في السن، أو بسبب هذا المحل الذي لو تحرك أمتارًا قليلة لأصبح داخل المقابر.
دخل أول زبون، فتوقفت عن التفكير حتى أركز في عملي، فلا يجرح الموس أحدًا.
وحافظت على تركيزي طوال اليوم، حتى انتهيت من آخر زبون.
وقررت في نفسي أنه إذا جاء «عرفة» مرة أخرى، فسأخبره أن المحل قد أُغلق، وأطلب منه أن يعود في الصباح.
انتهيت من الزبون، وحاسبته، وبعد أن خرج، اتجهت لأطفئ الأنوار.
وفي تلك اللحظة، وقعت عيناي على المرآة.
تجمد جسدي من الرعب.
رأيت صورته منعكسة في المرآة، وهو جالس على المقعد الذي ينتظر عليه الزبائن دورهم.
استدرت نحوه بسرعة، فرأيته ينهض من مكانه، ويتجه بنفسه إلى كرسي الحلاقة، ثم جلس وقال وهو ينظر إلى صورتي في المرآة:
ألا ستحلق لحيتي يا أسطى عباس؟
ابتلعت ريقي بصعوبة، وقلت:
هل الحلاقة حقنة تؤخذ كل يوم في موعدها؟ ما حكايتك بالضبط؟
قال بهدوء:
حكايتي أنني أريد أن أحلق لحيتي.
قلت:
لكنني حلقتها لك البارحة، وقبلها في الليلة التي سبقتها أيضًا.
قال:
نعم... ومع ذلك أريد أن أحلقها مرة أخرى.
لم أجد ما أقوله، خصوصًا وأنا أرى لحيته خشنة أمامي، فوضعت معجون الحلاقة عليها، ثم بدأت أمرر الموس.
وفي أثناء الحلاقة، وقعت عيناي على المرآة.
فارتجفت يدي، وكاد الموس أن يجرحه.
لقد كان الكرسي في المرآة... فارغًا.
مع أنه كان جالسًا أمامي مباشرة.
أغمضت عيني، ثم فتحتهما مرة أخرى، وظننت أن ما رأيته مجرد إرهاق أو وهم بسبب تعب اليوم الطويل.
لكنني حين نظرت ثانية، وجدت صورته قد عادت منعكسة في المرآة بصورة طبيعية.
أكملت الحلاقة بصمت حتى انتهيت.
ثم أخرج النقود من جيبه ليضعها في جيب قميصي، لكنه في تلك الليلة لم يجد جيبًا، لأنني كنت أرتدي ثوبًا بلا جيب، فوضع المال على كرسي الحلاقة، ثم نهض وغادر.
كنت في كل مرة أزداد حيرة بشأنه.
وكنت أحاول إقناع نفسي بأنه ربما يعاني مرضًا نادرًا يجعل شعر لحيته ينمو بسرعة غير طبيعية، ورغم أنني لم أكن مقتنعًا بهذا التفسير، فقد كنت أبحث عن أي تفسير منطقي لما يحدث.
تركت النقود فوق الكرسي، وأغلقت المحل، وعدت إلى منزلي.
وفي صباح اليوم التالي، عندما فتحت المحل، لم أجد النقود، كما لم أجد أي أثر للشعر الذي حلقته من لحيته.
وحين تكرر هذا المشهد للمرة الثالثة، زال كل شك لدي، وأيقنت أن هناك أمرًا غير طبيعي يحدث.
لقد وصلت إلى حد لم أعد أحتمل معه التفكير، وأردت أن أعرف الحقيقة، فأنا رجل كبير في السن، ولم تعد لدي طاقة لأن تظل الأفكار تعبث بعقلي.
في نهاية ذلك اليوم، وبعد أن غادر آخر زبون، فوجئت مرة أخرى برؤية صورة عرفة منعكسة في المرآة.
ولم أكن أفهم كيف كان يدخل إلى المحل دون أن أشعر به.
لكن هذه المرة كان يرتدي جلبابًا أبيض.
نظرت إلى لحيته، فوجدتها قد عادت خشنة كما في كل مرة.
ولم أنطق بكلمة.
جلس على كرسي الحلاقة بعد أن انصرف الزبون الأخير، ثم قال:
هل يمكنك أن تهذب لحيتي يا أسطى عباس؟
بدأت أحلق له، بينما كانت أفكاري مضطربة.
وكنت بين الحين والآخر أنظر إلى صورته في المرآة، أخشى أن تختفي كما حدث في الليلة السابقة.
لكنها هذه المرة كانت تظهر بصورة طبيعية.
ورغم ذلك، واصلت النظر إليها بين لحظة وأخرى، حتى وقع ما لم أكن أتوقعه.
تجمدت يدي في مكاني.
لقد رأيت وجهه في المرآة أزرق اللون.
أما رقبته فكانت سوداء، والجلباب الأبيض الذي يرتديه بدا في انعكاس المرآة وكأنه كفن.
رفعت بصري عن المرآة ونظرت إليه مباشرة، فإذا به بنفس الهيئة التي رأيتها في انعكاسها.
لم تعد قدماي تحملانني، فسقطت على الأرض.
وبعد أن التقطت أنفاسي بصعوبة، استندت إلى يديّ ونهضت، لأتأكد هل ما رأيته حقيقة أم مجرد هلوسة سببها خوفي منه.
لكنني فوجئت بأن الكرسي أصبح فارغًا.
لقد اختفى.
لا أعلم كيف خرج، ولا متى خرج، تمامًا كما لم أكن أعلم كيف كان يظهر فجأة فأجده جالسًا ينتظر دوره.
ولأول مرة في حياتي شعرت برغبة عارمة في الهرب.
أطفأت الأنوار، وخرجت من المحل، وأنزلت الباب استعدادًا لإغلاقه.
وفي تلك اللحظة سمعت صوت الحاج إبراهيم يقول:
مساء الخير يا أسطى عباس.
التفت إليه وقلت:
مساء النور.
ولأنه لاحظ أنني أتكلم بصعوبة، قال:
ما بك؟ يبدو أن في صوتك شيئًا.
قلت:
لا شيء... فقط أنا مرهق من العمل.
فقال:
هذا الكلام لا يدخل عقلي. لأول مرة أراك تغلق المحل بهذه العجلة، وكأنك تريد التخلص منه. لا بد أن تخبرني بما يحدث، فإن كانت لديك مشكلة وأستطيع مساعدتك، فلن أتأخر عنك.
شعرت حينها أن الله أرسله إليّ في هذا الوقت تحديدًا.
فحكيت له كل شيء، منذ البداية وحتى آخر ما حدث.
وكلما تكلمت، كنت ألاحظ أن عينيه تتسعان من شدة الدهشة.
لكن بعد أن انتهيت، كانت المفاجأة في رده.
قال:
عرفة الذي تتحدث عنه، والذي تصف ملامحه... هو ابن أختي، رحمه الله.
تجمدت في مكاني، ولم أستطع الرد.
فأكمل قائلًا:
نعم... لقد مات في حادث سيارة نقل قبل عشر سنوات. كان ذاهبًا في مشوار، وكان يريد أن يعود سريعًا ليحلق لحيته قبل أن تغلق محلات الحلاقة، لكنه أثناء عبوره الطريق صدمته سيارة نقل، فتوفي في الحال.
ثم أشار بيده إلى قبر يقع مباشرة أمام المحل، وقال:
وهو مدفون هناك.
لم أكن أستوعب ما أسمعه.
ولأن الظلام كان يحجب الرؤية، اقتربت من القبر للمرة الأولى، رغم أنه كان أمامي طوال النهار.
وبصعوبة استطعت أن أقرأ الاسم المحفور على شاهد القبر، فقد محته السنون.
لكن عندما اقتربت، تأكدت أن الاسم المكتوب هو:
عرفة.
شعرت وكأن الدنيا تدور بي، وانفصلت عن كل ما حولي.
ولم أفق إلا على صوت الحاج إبراهيم وهو يترحم عليه.
ثم قال لي:
يبدو أن روحه ما زالت متعلقة بآخر شيء كان يريد فعله قبل موته، وقد وجدك أنت، لأنك فتحت محل حلاقة أمام قبره.
أزال كلام الحاج إبراهيم كثيرًا من الغموض الذي حيّرني.
فقد أصبح مفهومًا بالنسبة إليَّ كيف كان يخرج من المحل ويختفي في لحظة، لأن الذي كان يأتي لم يكن إنسانًا حيًّا، وإنما روحه، أو قرينه، أو أيًّا كان الاسم الذي يمكن أن يُطلق على ذلك.
كما فهمت أيضًا كيف كان يعرف اسمي، فلم يكن بحاجة إلى أحد يخبره به.
وعندما قال لي في إحدى الليالي: "لقد أصبحت معروفًا عندنا." أدركت بعد حديث الحاج إبراهيم أنه لم يكن يقصد أهل المنطقة، وإنما أهل المقابر.
ومنذ ذلك اليوم تغيّر كل شيء.
صرت أغلق المحل قبل صلاة العشاء، ولم أفكر أبدًا في تركه أو الانتقال إلى مكان آخر، لأنني كنت أشعر أنني لو غادرت هذا المحل فسأعود إلى حالي القديم، عندما كنت في محل الأستاذ أسامة، حيث لا يأتي إليَّ أحد.
لذلك فضّلت البقاء فيه، مع الحرص على ألا أبقى إلى الوقت الذي كان يظهر فيه عرفة.
وعلّقت لافتة صغيرة خارج المحل، وأخرى في داخله، كتبت عليهما مواعيد العمل الجديدة، حتى يعلم الناس أنني سأغلق المحل مع أذان صلاة العشاء.
ومنذ أن التزمت بهذا النظام، لم يعد عرفة يظهر لي.
وربما كان يأتي بعد إغلاق المحل، لكن ذلك لم يعد يعنيني، وهذا وحده كان يكفيني.
ومع كل ما حدث، لم أستطع استيعاب فكرة أنني كنت أحلق لحية شخص مات منذ سنوات، أو بالأحرى كنت أحلق لروحه أو لقرينه.
وكلما تذكرت ذلك، شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
بل إنني حتى الآن، وأنا أحكي لكم هذه القصة، ما زلت أشعر بذلك الارتباك نفسه.
لكن ما كان يخفف عني أن رزق المحل ظل وفيرًا، وكنت أقول لنفسي دائمًا:
"لا حلاوة من غير نار."
ولهذا قررت أن أضع قصة عرفة جانبًا، وأواصل عملي ما دام الرزق قد فتح الله به عليّ.
أما المشكلة الوحيدة التي بقيت بعد تلك الحادثة، فهي أنني عندما علّقت لوحة مواعيد العمل أمام المحل، نسيت أن أضع اسمًا للمحل نفسه.
ولما رأى الناس أن المحل بلا اسم، صاروا يطلقون عليه:
"محل الأسطى عباس... حلاق المقابر."
وذلك لأن عدم وجود اسم رسمي جعل الجميع ينسبونه إلى المقابر المقابلة لبابه.
أما أنا، فلم أفكر بعد ذلك في وضع لافتة تحمل اسمًا جديدًا، لأنني كنت أعلم أن أي اسم أختاره لن يغيّر الواقع، ولن يمحو الاسم الذي استقر على ألسنة أهل المنطقة جميعًا.
بقلم
مجهول
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 4.0 من 5 (1 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص المقابر
سر المقبرة المهجورة
في ليلة مقمرة في الصحراء، اكتشفت مقبرة قديمة دفنت فيها أسرار لا ينبغي لأحد أن يعرفها.
حارس الأسماء الملعونة
سجل المقبرة كان يرتجف تحت أصابعي كأنه شيء حي. لخمسة عشر عامًا كنت أحفظ سجلات الموتى، لكن الأسماء بدأت تتحرك وتشكل رسائل لا أريد قراءتها. عندما يصل غريب غامض يبحث عن شخص مدفون منذ زمن بعيد، أكتشف أن بعض الديون لا تُدفع إلا بالأرواح.
الليلة السابعة
انطفأ جهاز الكاسيت في منتصف الأغنية، رغم أن إصبع ليلى لم يكن قريبًا من الزر. في جناح المستشفى المهجور حيث ماتت جدتها بالأمس، لا تزال الآلات تصدر أصواتها - والليلة، تقاليد عائلة زوجها الجديد لا يمكن رفضها.
شبح جورج واشنطن في ساحة الحرب!
كانت الحرب الأهلية الأمريكية قد دخلت واحدة من أحلك مراحلها. فالجيوش الشمالية تتعثر، والانتصارات المنشودة تبدو بعيدة المنال، فيما كانت قوات الجنوب تقات...