ابن الميتة
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
في عالمٍ تخرج فيه الأصوات من قلب الصمت، تولد حكاياتٌ تنبع من رحم الموت. إنها قصصٌ لا تحتاج إلى تفسير، وإنما تحتاج إلى إيمان. فعندما يعجز المنطق عن تفسير الأحداث، تستمر الحقيقة في الوجود، وحين يتلاشى المنطق، تولد المعجزة. وفي النهاية، إذا أراد الله لك الحياة، فستعيش مهما كانت الأسباب.
أما قصة اليوم، فهي ليست من نسج الخيال، بل هي قصة حقيقية وقعت في منطقة المزة بمدينة دمشق، في أواخر عشرينيات القرن الماضي، أي إننا نتحدث عن قصةٍ مضى عليها ما يقارب مئة عام.
كان بطل قصتنا يعمل على عربةٍ مخصصة لبيع مادة المازوت (الديزل).
وقد يتساءل البعض: ما هذه العربة؟
في بلاد الشام يُطلق عليها اسم الطنبر، وهي عبارة عن صهريجٍ صغير أو خزانٍ يُجره حصان، يُملأ بمادة الديزل، ثم يجوب صاحبه الأزقة والحارات مناديًا على الناس ليبيعهم المازوت الذي كانوا يستخدمونه للتدفئة.
وكان بطل قصتنا معروفًا في جميع المناطق بلقبٍ غريبٍ جدًا، إذ كان أهل المزة ينادونه بـ «ابن الميتة»، فإذا حضر قالوا: «جاء ابن الميتة»، وإذا غادر قالوا: «ذهب ابن الميتة». ولغرابة هذا اللقب، استمعوا إلى القصة العجيبة التي كانت سببًا في إطلاقه عليه.
في إحدى ليالي الشتاء الباردة في دمشق، كانت أم سمير حاملًا في شهرها التاسع، ولم يكن يفصلها عن الولادة سوى أيام قليلة.
وفي ذلك الزمن، لم تكن النساء يعرفن شيئًا عن الراحة التي تُنصح بها الحوامل في أيامنا هذه، بل كانت المرأة تقوم بجميع أعمال المنزل على أكمل وجه، من تنظيفٍ وغسلٍ ومسحٍ وطبخٍ وسائر الأعمال اليومية، وكأنها غير حامل أصلًا.
وهكذا كانت حال أم سمير، حتى جاء يوم شعرت فيه بأن حالتها الصحية ليست على ما يرام؛ فقد أنهكها التعب، وارتفعت درجة حرارتها، وأحست بأن جسدها كله يؤلمها.
ذهبت إلى حماتها وأخبرتها بما تشعر به، ثم قالت إنها ستدخل غرفتها لتستريح قليلًا وتنام.
دخلت أم سمير إلى غرفتها، واستغرقت في نومٍ طويل على غير عادتها، حتى إن حماتها بدأت تقلق عليها، فحاولت مرارًا إيقاظها، لكنها لم تستجب أبدًا.
عندها أرسلت في طلب ابنها، أبي سمير، ليعود إلى المنزل مسرعًا ويجلب الطبيب لفحص زوجته.
وبالفعل، حضر أبو سمير على الفور، وأحضر الطبيب، لكن الطبيب أخبرهم بالخبر الصادم...
أن أم سمير قد فارقت الحياة.
لم يكن الحزن الذي خيّم على بيت أبي سمير حزنًا واحدًا، بل حزنين في آنٍ واحد؛ فقد فقد زوجته، كما فقد الجنين الذي كانت تحمله في أحشائها.
وبدأت مراسم تجهيز الجثمان ودفنه، وخرجت جنازة كبيرة شارك فيها معظم سكان الحي، حتى وصلت إلى المسجد، وبعد أداء صلاة العصر، صلّى الناس صلاة الجنازة على أم سمير، ثم حملوها إلى المقبرة.
كان القبر قد أُعِدَّ مسبقًا، فأنزلوا الجثمان إلى مثواه الأخير، وأهيل عليه التراب، وانتهت مراسم الدفن، رحمها الله.
ومضى أسبوع كامل على وفاة أم سمير ودفنها، حتى وقع أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد.
ففي أحد الأيام، وبعد هطول أمطارٍ غزيرة، خرج حفّار القبور يتفقد المقبرة، خشية أن تكون مياه الأمطار قد جرفت التراب عن بعض القبور، ولا سيما القبور الحديثة.
ففي ذلك الزمن، كانت القبور الجديدة تُغطى بالتراب فقط، ويوضع فوقها حجر صغير، ثم بعد مرور أربعين يومًا تقريبًا يُثبَّت عليها الإسمنت والرخام، ويُكتب عليها اسم المتوفى.
وكان من بين تلك القبور الجديدة قبر أم سمير، التي لم يمضِ على دفنها سوى أسبوع واحد.
وبينما كان حفّار القبور يتجول بين القبور، سمع فجأة صوتًا خافتًا وعميقًا ينبعث من تحت الأرض.
تملّكه الخوف، وأخذ قلبه يخفق بشدة، لكنه ما لبث أن سمع الصوت مرة أخرى.
ورغم الرعب الذي استولى عليه، دفعه الفضول إلى تتبع مصدر الصوت، حتى وصل إلى المكان الذي يصدر منه، فإذا به يقف فوق قبر أم سمير.
وفي تلك اللحظة، بالكاد كانت قدماه تحملانه من شدة الخوف، خاصة أن القصة حقيقية كما يروى.
اقترب الرجل من القبر، وانحنى ليستمع جيدًا، فإذا بالصوت يتضح أكثر فأكثر.
لقد كان صوت طفلٍ رضيع يبكي.
تجمّد في مكانه من شدة الدهشة، فكيف يمكن لطفل رضيع أن يبكي من داخل قبر؟
رفع صوته مناديًا لعل أحدًا يسمعه ويأتي لنجدته، لكنه كان وحيدًا وسط المقبرة، محاطًا بالقبور من كل جانب، ولم يكن هناك أحد يجيبه.
فأسرع إلى غرفته، وأحضر المعول والمجرفة، ثم عاد إلى القبر وبدأ يحفر التراب بحذر حتى وصل إلى البلاطة الحجرية التي تغطي القبر.
وهنا توقف للحظة، وبدأ الصراع يدور في داخله؛ إذ كان يعلم أن رفع البلاطة وكشف الجثمان أمرٌ لا يجوز، لكنه في الوقت نفسه كان لا يزال يسمع بكاء الطفل يخرج من باطن القبر.
ولما تكرر الصوت مرة أخرى، لم يستطع التراجع، فرفع البلاطة أخيرًا...
ثم رأى منظرًا حبس أنفاسه.
كان جسد أم سمير لا يزال داخل الكفن، إلا أن الكفن كان مغطى بالدماء، ويبدو أعرض من المعتاد، وكأن شيئًا يتحرك في داخله.
وقف حفّار القبور مذهولًا لا يدري ما الذي يراه، ثم جمع شجاعته، وقرر أن يفتح الكفن ليتحقق مما يحدث.
وما إن كشف الكفن، حتى فوجئ بمشهدٍ لا يكاد العقل يصدقه.
كان هناك طفل رضيع بشعرٍ أبيض يميل إلى الشيب، ملتصقًا بصدر أمه، وكأنه يرضع منها، بينما ظل الحبل السري لا يزال يربطه بها.
كاد الرجل يسقط من شدة الصدمة، فقد مضى أسبوع كامل على دفن أم سمير، ومع ذلك وجد طفلًا حيًا داخل القبر، يبكي ويتحرك، ولا يزال متصلًا بأمه بالحبل السري.
لقد كان هذا الطفل هو نفسه الجنين الذي كانت أم سمير تحمله في بطنها قبل وفاتها.
يا لها من قصة غريبة يصعب على العقل استيعابها!
تماسك حفّار القبور بصعوبة، ثم قطع الحبل السري، وحمل الطفل بين ذراعيه، ولفّه بمعطفه ليحميه من البرد، وانطلق مسرعًا إلى منزله.
ولما وصل، فتحت له زوجته الباب، فرأت زوجها يحمل طفلًا رضيعًا، ويطلب منها أن تغسله وتنظفه حتى يعود، لأنه ذاهب إلى أهل أم سمير ليخبرهم بما حدث.
لم تفهم زوجته شيئًا، وظنت أن زوجها قد فقد صوابه، لكنه ترك الطفل عندها وغادر مباشرة إلى بيت أهل أم سمير.
وهناك أخبرهم بما رآه، إلا أنهم ظنوا هو الآخر أنه يهذي أو فقد عقله.
لكنه أصرّ على أن يرافقوه إلى المقبرة ليروا بأعينهم ما شاهده.
وعندما وصلوا إلى هناك، وتأكدوا من الأمر، تبدل حزنهم إلى فرحة عارمة، فقد كتب الله لذلك الطفل أن يخرج إلى الدنيا حيًا، وأن يعيش بينهم.
وكبر ذلك الطفل فيما بعد، وعمل على عربة المازوت، واشتهر بين الناس باللقب الذي لازمه طوال حياته...
«ابن الميتة».
لكن هذه القصة، بكل تفاصيلها، تثير العديد من علامات الاستفهام.
فكيف يمكن لطفل أن يولد داخل قبر بعد وفاة أمه ودفنها بأسبوع؟
وكيف استطاع أن يبقى على قيد الحياة طوال تلك المدة من دون أكسجين؟
وكيف قيل إنه كان يرضع من جسد أمه بعد وفاتها؟
ولماذا كان شعره أبيض منذ ولادته؟
كلها أسئلة يصعب العثور على إجابات قاطعة لها، حتى إن أمهر المحققين سيقفون أمامها حائرين.
أما ما يرويه الناس، فهو أن ذلك الطفل عاش بعد إنقاذه، وكبر بين أهل المزة، وعمل في بيع المازوت على الطنبر، واشتهر طوال حياته بلقب «ابن الميتة»، وهو اللقب الذي بقي ملازمًا له، حتى صار معروفًا به أكثر من اسمه الحقيقي.
بقلم
محمد عبد الرزاق ابراهيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص المقابر
سر المقبرة المهجورة
في ليلة مقمرة في الصحراء، اكتشفت مقبرة قديمة دفنت فيها أسرار لا ينبغي لأحد أن يعرفها.
حارس الأسماء الملعونة
سجل المقبرة كان يرتجف تحت أصابعي كأنه شيء حي. لخمسة عشر عامًا كنت أحفظ سجلات الموتى، لكن الأسماء بدأت تتحرك وتشكل رسائل لا أريد قراءتها. عندما يصل غريب غامض يبحث عن شخص مدفون منذ زمن بعيد، أكتشف أن بعض الديون لا تُدفع إلا بالأرواح.
فتح محلًا أمام المقابر... فجاءه زبون ميت كل ليلة!
لقد تغيّرت الحياة كثيرًا، وكأنَّ عفريتًا قد امتطاها، وهذا التغيير جعل محلَّ الحلاقة الذي أملكه خاليًا من الزبائن. فمنذ شروق الشمس حتى حلول الليل لا يد...
الليلة السابعة
انطفأ جهاز الكاسيت في منتصف الأغنية، رغم أن إصبع ليلى لم يكن قريبًا من الزر. في جناح المستشفى المهجور حيث ماتت جدتها بالأمس، لا تزال الآلات تصدر أصواتها - والليلة، تقاليد عائلة زوجها الجديد لا يمكن رفضها.