خلف خشب الخزانة القديمة
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
أنا لست شخصاً مجنوناً. على الأقل، لم أكن كذلك حتى الأسبوع الماضي. أكتب هذا الكلام وأنا أجلس في زاوية الغرفة، بعيداً عن أي أثاث، هاتف المحمول في يدي ونسبة الشحن فيه 12% فقط، ولا أجرؤ على التحرك نحو الشاحن الموجود على الطاولة. إذا انطفأ الهاتف سأبقى في الظلام الكامل، والظلام هنا ليس مجرد غياب للضوء، الظلام هنا يملك أنفاساً.
بدأت القصة كلها عندما انتقلت إلى هذا المنزل. منزل في الضاحية القديمة، جدرانه مطلية بلون أصفر باهت يذكرك بالمستشفيات المهجورة. كانت هناك خزانة ملابس ضخمة مصنوعة من الخشب الزان الثقيل، تركها المالك السابق في غرفة النوم. قال لي السمسار وقتها إن المالك استعجل في الرحيل ولم يملك الوقت لنقل الأثاث الكبير. في ذلك الوقت، اعتبرت الأمر ميزة ووفرت على نفسي ثمن شراء خزانة جديدة. يا ليتني لم أفعل. يا ليتني قمت بحرقها في باحة المنزل منذ اليوم الأول.
في الليلة الأولى، نمت بسبب الإرهاق الشديد الناتجة عن نقل الصناديق. لكن في الليلة الثانية، بدأ الأمر. كان الوقت متأخراً، ربما بعد منتصف الليل بساعتين أو ثلاث، لا أعلم بدقة لأنني تجنبت النظر إلى الساعة. استيقظت على صوت حرك خفيفة.
طق... طق...
صوت يشبه تمدد الخشب بسبب برودة الطقس. تجاهلته ونمت. لكن في الليلة التالية، تحول الصوت إلى شيء أكثر تحديداً. كان صوتاً قادماً من داخل الخزانة. لم يكن تمدداً. كان صوتاً يشبه احتكاك قماش خشن بجدار الخشب الداخلي. كأن هناك شخصاً محشوراً في الداخل، ويحاول تعديل جلسته ببطء شديد حتى لا يثير الانتباه. قمت من فراشي، مشيت على أطراف أصابعي، وفتحت ضفتي الخزانة بسرعة. لم يكن هناك شيء سوى قمصاني المعلقة وبعض السترات الشتوية. تنفست الصعداء وعدت للنوم بعد أن تركت ضفتي الخزانة مفتوحتين تماماً لأقنع عقلي الباطن بأنها فارغة.
هنا بدأت اللعنة الحقيقية.
أثناء نومي، شعرت ببرودة غريبة تجتاح الغرفة. فتحت عيني بنصف إغفاءة، ونظرت باتجاه الخزانة المفتوحة بفعل ضوء الشارع المتسلل من النافذة. من بين القمصان المعلقة، رأيت شيئاً لم يكن يجب أن يكون هناك. كانت هناك يد. يد بشرية، لكنها طويلة بشكل غير طبيعي، نحيلة لدرجة أن العظام تكاد تخترق الجلد الرمادي الجاف. الأصابع كانت تتحرك ببطء، تلمس حواف الملابس بفضول مقزز، كأنها تتعرف على ملمس الأقمشة.
تسمرت في مكاني. تجمد النَفَس في صدري ولم أستطع حتى سحب لحافي لتغطية وجهي. الشيء المرعب أن اليد لم تكن تخرج من خلف الملابس، بل كانت تخرج من اللوح الخشبي الخلفي للخزانة نفسه، كأن الخشب أصبح سائلاً أو كأن هناك فراغاً مظلماً لا ينتهي وراء ذلك الجدار الخشبي الصغير.
بقيت أراقب تلك الأصابع وهي تتحرك لمدة نصف ساعة. كانت تقترب وتتراجع، ثم فجأة، توقفت الأصابع عن الحركة، واستدارت اليد ببطء حتى أصبحت راحة الكف موجهة نحوي مباشرة. ثم بدأت السبابة تتحرك ببطء، تشير إليّ.. وتدعوني للاقتراب. تعال.. تعال هنا. لم أتحمل المشهد. أغلقت عيني بقوة وبدأت بالدعاء وقراءة كل ما أحفظه من كلمات دافئة حتى غلبني النوم من فرط الرعب الشديد.
في الصباح، اعتقدت أنه كابوس. توجهت فوراً إلى الخزانة، وأفرغتها من كل الملابس. بدأت أطرق على اللوح الخشبي الخلفي بيدي. كان الصوت مصمتاً وطبيعياً جداً، خلفه مباشرة يقع جدار الغرفة الخرساني. لا يوجد مجال لوجود أي فراغ أو ممر سري. قلت لنفسي إن الضغوط النفسية والعمل هما السبب وراء هذه الهلاوس البصرية. وأعدت الملابس إلى مكانها وأغلقت الأبواب بإحكام، بل وقمت بوضع كرسي ثقيل خلف المقابض لمنع فتحها.
كم كنت مغفلاً.
تلك الليلة، والتي هي ليلة البارحة، كانت الجحيم بعينه. استيقظت عند الساعة 3:13 صباحاً بالضبط. الكهرباء كانت مقطوعة، والصمت في الغرفة كان خانقاً لدرجة أنني كنت أسمع صوت تدفق الدم في أذني. ثم سمعت الصوت مجدداً. لكنه لم يكن صوتاً خفيفاً هذه المرة.
بام... بام... بام...
كان هناك ضرب عنيف من داخل الخزانة. الكرسي الثقيل الذي وضعته خلف المقابض كان يهتز ويزحف على الأرضية مع كل ضربة. الخشب كان يئن وكأنه على وشك التشقق والتحطم. قفزت من السرير وتراجعت إلى أبعد زاوية في الغرفة، ممسكاً بهاتفي المحمول وأنا أرتجف كالمحموم.
وفجأة، توقف الضرب. ساد هدوء مريب دام لثوانٍ معدودة، وهي الثواني الأطول في حياتي كلها. ثم، وبدون أي مقدمات، رأيت الكرسي الثقيل يندفع بقوة إلى الأمام وينقلب على الأرض، وانفتحت ضفتا الخزانة بعنف شديد.
لم يخرج منها كائن كامل. بل بدأ الظلام الداخلي للخزانة يتمدد ويسيل على الأرضية مثل حبر أسود لزج. ومن قلب هذا الحبر، بدأت تظهر أطراف رمادية متعددة، أذرع طويلة بلا أجساد، ورؤوس أصابع عظمية كانت تزحف على الأرضية الخشبية وتصدر صوتاً يشبه طقطقة الحشرات الضخمة: طق، طق، طق، طق.
كنت أصرخ بكل ما أملك من قوة، لكن صوتي كان يختفي بداخل الغرفة، كأن الظلام يمتص الترددات الصوتية ولا يسمح لها بالوصول إلى الخارج. الأذرع الرمادية بدأت تنتشر في أركان الغرفة، تتسلق الجدران وتغطي النوافذ، حتى حاصرتني تماماً في هذه الزاوية الضيقة التي أجلس فيها الآن.
الآن، أنا أكتب هذه السطور بِيَد واحدة، بينما اليد الأخرى أحاول بها حماية وجهي. الأذرع الرمادية توقفت على بُعد متر واحد مني فقط. إنها لا تتحرك الآن، بل تقف ساكنة في الهواء مثل أغصان أشجار ميتة، لكنني أسمع بوضوح صوت همس جماعي يخرج من الخشب البعيد في الخزانة.. همس مكرر، مئات الأصوات المتداخلة التي تشبه صوتي تماماً، وهي تقول: "اترك الهاتف ونم.. اترك الهاتف ونم.. لقد أخذنا ملابسك، والآن نريد جلدك لتملأ الخزانة".
الشاشة الآن تومض.. نسبة الشحن أصبحت 3%. البرودة بدأت تخترق عظامي والظلام يقترب أكثر. إذا عثر أي شخص على هذا الهاتف لاحقاً.. أرجوكم، لا تفتحوا الخزانة رقم 104، ولا تصدقوا أن الخشب مجرد مادة ميتة. الخشب لديه ذاكرة، وفي بعض الأحيان، لديه جوع لا ينتهي
بقلم
غيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)