ذاكرة الماء
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
**ذاكرة الماء**
مذاق الماء في بئر جدتي يعبق بالنحاس وصلوات منسية.
لا يجب أن أكون هنا. في الثامنة والثلاثين، وأنا أتابع دراستي للحصول على الدكتوراه في الفلكلور العربي، يجب أن أكون أذكى من أن أزعج ما تركته عائلتي دون مساس لثلاثة أجيال. لكن الفضول الأكاديمي داء، والأصوات القادمة من الخزان القديم خلف بيت تيتا مريم تناديني منذ أسابيع.
وصل أبناء عمي بالأمس للاحتفال العائلي السنوي—ليلى مع توأمها، وعمر مع زوجته الجديدة نادية، وأخي خليل الذي لا يزال يعاملني كأنني الطفل المتهور الذي تسلق هذا البئر في تحدٍ يوماً ما. البئر نفسه الذي كان جافًا قبل ولادتي.
حتى الشهر الماضي، عندما عاد الماء.
"يا أميرة، دعيه وشأنه،" حذرني خليل وأنا أنحني بجانب الحافة الحجرية القديمة. "بعض الأشياء يجب أن تبقى مدفونة."
لكن الصوت—تموج لطيف، كالأمواج التي تضرب شاطئًا لا ينبغي وجوده—جذبني أقرب. في حرارة الظهيرة، بدا الماء واضحًا بشكل لا يصدق، وعميقًا بشكل لا يصدق. انعكاسي كان يحدق بي، ولكن كان هناك شيء خاطئ في زاوية وجهي، في طريقة تتبع عيني لنفسهما.
في تلك الليلة، ونحن نتخيّم في حديقة تيتا كما فعلنا منذ الطفولة، أيقظنا ابن ليلى، يوسف.
"ماما،" همس مشيرًا نحو البئر. "السيدة في الماء تريد أن تريني شيئًا."
وجدناه واقفًا على الحافة، قدمه الصغيرة واحدة قد تجاوزت الحافة.
سحبه عمر للوراء، لكن يوسف قاومه. "إنها تشبه ماما،" أصر. "لكن ماما من الصور القديمة. الصور التي خبأتها تيتا."
تحول دمي إلى جليد. لم تكن هناك صور قديمة لليلى. كانت تيتا تقول دائمًا إن الكاميرا تعطلت عندما ولدت ليلى، ولن تعمل مرة أخرى حتى بلغت الخامسة. مزحة عائلية. كذبة بريئة.
قضيت اليوم التالي في منزل تيتا، أبحث بين الألبومات المغبرة بينما كان الآخرون يسبحون في مسبح القرية. لا صور لليلى وهي طفلة. لا صور لأي منا كأطفال، أدركت. دائمًا تبدأ من عمر الخامسة أو السادسة.
في القبو، خلف حجر مفكوك، وجدت ما خبأته تيتا.
كانت الصور قديمة، بلون سيبيا. امرأة تشبه ليلى تمامًا، لكنها ترتدي ملابس أربعينيات القرن الماضي. أخرى كانت يمكن أن تكون توأم عمر، بالزي العسكري من الستينيات. وهناك—وجهي الخاص، يحدق بي من صورة مؤرخة عام 1987. السنة التي ولدت فيها.
لكنني كنت في الخامسة من العمر في الصورة.
ارتجفت يداي وأنا أقرأ الأسماء المكتوبة على الخلف بخط تيتا الدقيق: "ليلى بنت الماء. عمر ابن الماء. أميرة أخت الماء."
أطفال الماء. أخت الماء.
فهمت حينها لماذا كان البئر جافًا لفترة طويلة. لماذا نقلت تيتا عائلتنا بعيدًا عن هذا البيت عندما كنا صغارًا. لماذا كانت تأخذنا فقط لزيارات بعد أن تجاوزنا الخامسة.
الماء لا يعكس فقط. إنه يستبدل.
في تلك الأمسية، راقبت عائلتي حول النار، نظرت إليهم حقًا. ضحكة خليل—هل كانت دائمًا جوفاء كهذه؟ عيون نادية—هل كانت دائمًا تراقب حركة غير موجودة؟ توأم ليلى، الذين ولدوا قبل أربعة أشهر فقط، ينامون بهدوء شديد، يتنفسون بشكل سطحي للغاية.
"احكي لنا قصة البئر، تيتا،" طلب عمر، بصوت يحمل حافة لم ألاحظها من قبل.
"لا توجد قصة،" قالت تيتا بسرعة. ولكن عينيها وجدتا عينيّ عبر النار، ورأيت الرعب هناك. المعرفة.
"لكن الماء،" ضغطت ليلى، وصوتها كان صوتها ولكنه ليس صوتها، كصدى يتحدث بتناغم مع نفسه. "الماء يتذكر كل شيء."
واحدًا تلو الآخر، استداروا لينظروا إلي. عائلتي. عائلتي المحبوبة التي رحلت لمدة ثلاث وثلاثين عامًا، استُبدلت بأشياء تشبههم، تبدو مثلهم، تحب مثلهم—ولكنها ليست هم.
أنا الوحيدة التي تتذكر أنها كانت في الخامسة مرتين. الوحيدة التي تتذكر تسلق الظلام ثم العودة... مختلفة. الوحيدة التي تعلم أن كل خمس سنوات، عندما يتم الطفل الخامسة، يناديهم الماء ليكمل التبادل.
الليلة، سيبلغ يوسف الخامسة.
أستطيع سماع ليلى—الشيء الذي يرتدي وجه ليلى—تغني تهويدة بجانب البئر. نفس التهويدة التي كانت تيتا تغنيها لنا، تلك التي تبدو كالماء يتموج ضد الحجارة. يوسف يمشي نحو الصوت، أخوه التوأم حسن يتبعه عن كثب.
يجب أن أوقفهم. يجب أن أصرخ، يجب أن أركض، يجب أن أطلب المساعدة.
لكن الماء ينادي اسمي أيضًا، وأتذكر الآن ما تعلمته هناك في الظلام قبل سنوات. نحن لسنا الضحايا.
نحن الطعم.
الأطفال الحقيقيون—الأصلاء—ما زالوا هناك، يشيخون بالعكس، يصغرون ويصغرون حتى يصبحوا جزءًا من الماء نفسه. ونحن، بدائلهم، موجودون فقط لجذب الجيل التالي للأسفل.
آخذ يد يوسف الصغيرة في يدي وأقوده إلى حافة البئر. حسن يتبع، واثق، مثالي.
"لا تقلق، حبيبي،" أ whisper، وصوتي هو صوت الجدة، هو صوت الأم، هو صوت كل امرأة وقفت عند هذا البئر قبلي. "الماء يتذكر كل شيء. وقريبًا، ستتذكر أنت أيضًا."
الصوت المتموج يطول أكثر مما ينبغي، وعندما تهدأ التموجات أخيرًا، يطل وجهان جديدان عليّ من الأعماق—أكبر الآن، قديمان، يحملان ثقل عقود لن يعيشوها أبدًا.
خلفي، أسمع خطوات جديدة. أصوات جديدة. زوجان شابان مع ابنتهما الرضيعة، جذبهم التجمع العائلي الذي سمعوا عنه في القرية.
الماء صبور. الماء دائمًا يوفر.
وأبتسم بأسنان طعمها النحاس والصلوات المنسية، مستعدة للترحيب بهم في البيت.
بقلم
أحمد الكاتب
كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
أصوات الليل في بيت الجد
في ليلة هادئة في بيت جدي القديم، بدأت الأصوات تظهر من الزوايا المظلمة، تنذر بالكشف عن أسرار طويلة مدفونة.
لعنة الدار المسحورة
في قلب الصحراء العربية، حيث الأسرار تُحكم بالأساطير القديمة، وجدت نفسي محاصراً بلعنة جنية قديمة تهدد حياتي.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الساكنة غير المرئية
في إحدى الليالي المظلمة، تسللت إلى بيت جدي القديم في القرية، حينها بدأت أسمع أصواتاً غريبة لم أكن أستطيع تفسيرها.