بئر الأرواح المنسية
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
طَعْمُ الماء كان كالنحاس ودموع الطفولة.
لم يكن عليّ أن أشرب من البئر—لم أخطط لذلك—لكنني وجدت نفسي في الثالثة صباحًا، الدلو في يدي، والسائل ينزلق في حلقي كدعاء نسيت قولَه. العقول الرشيدة، الجزء الذي أمضى خمسة عشر عامًا في تعليم الرياضيات للمراهقين المضطربين في دمشق، صرخ داخلي بأن هذا خطأ. الآبار لا تملأ نفسها، والماء لا يظهر بين ليلة وضحاها في صهاريج جافة لعقود.
لكنني كنت عطشى جدًا.
اسمي ليلى منصور، وانتقلت إلى هذه القرية خارج حلب قبل ستة أشهر لأبدأ من جديد. كانت أوراق الطلاق ما زالت جديدة في حقيبتي، مع شهاداتي التعليمية وهاتف نقال بالكاد يعمل هنا. كانت المنزل رخيصًا—رخيصًا جدًا، يجب أن أكون قد أدركت—بيت حجري تقليدي بجدران سميكة وفناء يتمركز حول بئر قديم.
"بئر الأرواح"، هكذا سماه المالك السابق. "اسم قديم فقط،" طمأنني، متجنبًا النظر في عيني. "كل الآبار القديمة لها قصص."
في الشهر الأول، عشقت الهدوء. لا سيارات تزمّر، لا طلاب يصرخون في الممرات، لا صوت زوج يقطع أفكاري كزجاج مكسور. كنت أصحح الأوراق على ضوء الشموع عندما كان التيار الكهربائي ينقطع، وهو ما كان يحدث كثيرًا. زرعت الأعشاب في أواني فخارية. تعلمت أن أنام بدون همهمة المدينة الكهربائية.
بقي البئر جافًا.
ثم جاء الليل الذي سمعت فيه تقاطر الماء.
ناعم. إيقاعي. كنبض قلب مصنوع من الماء.
أخبرت نفسي أنه مطر، رغم أن السماء كانت خالية من الغيوم لأسابيع. مطر يتجمع في قنوات مخفية، يجد طريقه إلى الأسفل عبر عقود من الحطام المتراكم. كنت معلمة، آمنت بالتفسيرات المنطقية.
استمر تقاطر الماء لثلاث ليال. في الصباح الرابع، نظرت إلى أسفل حافة البئر الحجرية ورأيت انعكاسي ينظر إليّ من ماء لم يكن هناك في اليوم السابق.
لا—لم يكن انعكاسي. شيء يرتدي وجهي، لكن العيون كانت مشرقة جدًا، والابتسامة واسعة جدًا. الشيء في الماء رفع يده ليحيي.
تراجعت إلى الخلف، قلبي ينبض بقوة. عندما نظرت مرة أخرى، كان الماء هادئًا، عاديًا. انعكاسي العادي نظر إليّ بقلق عادي.
ضغط. عزلة. العقل يلعب بالخدع.
اتصلت بأختي أميرة في دمشق. الاتصال كان يتقطع.
"ليلى؟ صوتك مختلف."
"مختلف كيف؟"
"صوتك... أعمق؟ هل أنت مريضة؟"
لمست حلقي. "أشعر أنني بخير."
لكن بعد أن أغلقت الخط، سجلت صوتي في الهاتف. أعدت تشغيله. الصوت الذي خرج كان صوتي، لكنه محرف، كأغنية تُعزف في مفتاح منخفض.
ارتفع مستوى الماء كل ليلة. بنهاية الأسبوع، وصل إلى منتصف عمق البئر. توقفت عن النظر إليه مباشرة، لكنني في بعض الأحيان كنت ألتقط لمحات أثناء عبوري للفناء. السطح لم يعكس السماء بشكل صحيح. بدلًا من الأزرق، كان يظهر رماديًا. وبدلًا من الغيوم، ظلال تتحرك ضد الريح.
بدأت أرى الأحلام حينها.
دائمًا نفس الشيء: أستيقظ في سريري، أنهض، وأمشي إلى البئر. أخفض الدلو. أشرب بعمق من ماء طعمه كالذكريات والملح. في الحلم، فهمت أن هذا ضروري. الماء يحتاج إلى أن يُستهلك. البئر يحتاج إلى أن يُفرغ ليتمكن من الامتلاء مجددًا.
كنت أستيقظ وما زلت أشعر بالطعم على لساني.
طلابي—كنت قد بدأت التدريس في المدرسة المحلية—بدأوا يتصرفون بغرابة نحوي. محمود الصغير، الذي كان عادة متحمسًا لحل المعادلات، بدأ يتجنب النظر في عيني. فاطمة، التي كانت ترفع يدها بحماس دائمًا، جلست متيبسة في الصف الخلفي.
"معلمة ليلى،" همست بعد انتهاء الدرس ذات يوم، "لماذا تنظرين إلينا هكذا؟"
"كيف، حبيبتي؟"
"كأنك جائعة."
ضحكت، لكن الصوت خرج بشكل خاطئ. حاد جدًا. طويل جدًا.
تلك الليلة، وجدت آثار أقدام موحلة تقود من غرفة نومي إلى البئر. نفس مقاسي. نفس حذائي. لكن لم يكن لدي ذكرى للمشي هناك.
اتصلت بأميرة مجددًا.
"من تتحدث؟" سألت.
"أختك. ليلى."
"ليس لدي أخت تدعى ليلى."
انقطع الخط. عندما حاولت الاتصال مرة أخرى، كان الرقم غير متصل.
قدت إلى مركز القرية، لكن الطرق بدت مختلفة. أطول. المعالم المألوفة—المسجد بمئذنته المتصدعة، المخبز بشبابيكه الزرقاء—كانت مفقودة. في مكانها وقفت مبانٍ لم أرها من قبل، يسكنها أناس كانوا ينظرون من خلالي كما لو كنت شفافة.
في المنزل، جلست في مطبخي وحاولت أن أتذكر حياتي قبل هذا المكان. زواجي من حسن. الشقة في دمشق بمنظرها لجامع الأموي. الطلاب الذين احتفلوا عندما أعلنت عن خطبتي، والذين بكوا عندما أخبرتهم أنني سأتوقف.
الذكريات بدت رقيقة، كصور تُركت طويلًا في الشمس.
تحققت من أوراقي. بطاقتي الشخصية تحمل اسمي، صورتي، لكن مكان الميلاد المذكور كان هذه القرية، وليس دمشق. شهادات تعليمي أظهرت توظيفي في المدرسة المحلية لمدة خمس عشرة سنة، وليس المؤسسة الحضرية التي تذكرت.
ماء البئر وصل إلى الحافة.
تلك الليلة، لم أحلم بالشرب. عشت ذلك. نهضت من الفراش بوضوح تام، مشيت إلى الفناء، خفضت الدلو، وشربت حتى وجعت معدتي. طعم الماء كان كالأرض والنهايات، كأشياء انتظرت طويلاً لتولد.
عندما انتهيت، رأيتها—أنا—واقفة على الجانب الآخر من البئر.
كانت ترتدي وجهي لكن أفضل. أصغر. عيناها تحملان لطفًا فقدته منذ سنوات. يداها غير ممتلئتين بغبار الطباشير وخيبة الأمل.
"يمكنك الذهاب الآن،" قالت بلطف. "سأهتم بكل شيء."
"هذا منزلي،" همست.
"لم يكن يومًا منزلك، ليلى. كنت تستعيرينه. تستعيرينني." ابتسمت بفمي. "البئر يتذكر من ينتمي هنا. كان يناديني للعودة منذ زمن طويل."
أردت أن أجادل، لكن الكلمات ذابت على لساني كالسكر في المطر. لأنني تذكرت الآن—ليس الانتقال هنا لبداية جديدة، بل الانجذاب. الإعلان العقاري الذي ظهر في بريدي الإلكتروني رغم أنني لم أشترك في التنبيهات. السعر الذي كان جيدًا جدًا، الأوراق التي وُقعت بنفسها، البائع الذي اختفى فور استلام المفاتيح.
البئر لم يكن جافًا عندما وصلت. كان ينتظر.
"من أنا؟" سألت.
"أنت ما يحدث عندما يكون المكان وحيدًا طويلًا،" قالت. "عندما ينادي البئر لشخص ما ليحبه، وتعود الصدى مرتديًا وجهًا مألوفًا."
بدأ جلدي يشعر بالارتخاء، كملابس لم تعد تناسبني. ذكرياتي—الزواج، العمل، الأخت التي لم تكن موجودة—تتفكك كأوشحة محبوكة بشكل سيء.
"هل سيؤلم؟" سألت.
"ليس أكثر مما قد حصل بالفعل."
نظرت إلى يدي ورأيت أنها شفافة، ضوء القمر يمر من خلالها كالماء عبر منخل. في المسافة، سمعت ضحكات الأطفال، الطلاب يجيبون على الأسئلة التي فهموها أخيرًا، أختًا ربما كانت موجودة في قصة أخرى تمامًا.
ليلى الأخرى—الحقيقية—جثت بجانب البئر وخفضت الدلو مرة أخرى. لكن هذه المرة، عندما شربت، شعرت بنفسي أذوب في الماء، وأصبح جزءًا من المصدر الذي خلقني.
بينما تلاشت، سمعت صوتها، صوتي، ينادي: "بئر الأرواح."
لكنها كانت مخطئة في الترجمة.
لم يكن بئر الأرواح.
كان بئر الروح.
الواحدة.
الخاصة بي.
تلك التي كنت أفتقدها طوال الوقت.
انخفض الدلو إلى الظلام، وعدت أخيرًا إلى المنزل.
بقلم
أحمد الكاتب
كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
أصوات الليل في بيت الجد
في ليلة هادئة في بيت جدي القديم، بدأت الأصوات تظهر من الزوايا المظلمة، تنذر بالكشف عن أسرار طويلة مدفونة.
لعنة الدار المسحورة
في قلب الصحراء العربية، حيث الأسرار تُحكم بالأساطير القديمة، وجدت نفسي محاصراً بلعنة جنية قديمة تهدد حياتي.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الساكنة غير المرئية
في إحدى الليالي المظلمة، تسللت إلى بيت جدي القديم في القرية، حينها بدأت أسمع أصواتاً غريبة لم أكن أستطيع تفسيرها.