البيت المهجور في زقاق الجن
في ليلة مظلمة، خطوت بخطى حذرة نحو البيت المهجور في نهاية زقاق الجن، حيث لم يجرؤ أحد على الاقتراب منذ زمن بعيد. كان الهواء بارداً ورطباً، وكأن أرواح الأسلاف تحيط بي بصمت مخيف.
ذلك البيت كان حديث القرية منذ سنوات، حيث تتداول القصص عن جنون ساكنيه القدامى الذين اختفوا في ظروف غامضة، ولم يبقَ منهم سوى بقايا أثاث مهترئ وصدى أصواتهم يتردد في أرجاء المكان.
عندما اقتربت من الباب، سمعت همسات لم تكن من عالمنا، همسات تثير الرعب في النفوس. ترددت للحظة ثم اتخذت قراري بالدخول. دفعت الباب الثقيل بصعوبة، فصدر عنه صرير يشبه أنين المحزون.
داخل البيت، كان الظلام دامساً، ولم يكن ضوء القمر يتجرأ على الدخول من النوافذ المكسورة. أضاءت مصباحي اليدوي، فتسلط الضوء الخافت على الجدران المغطاة بطبقة كثيفة من الغبار والعناكب التي نسجت بيوتها بمهارة. كل شيء في المكان يشهد على ماضٍ مهجور.
بينما كنت أتجول في الغرف، شعرت بوجود شيء يراقبني. لم يكن شعوراً بالعزلة، بل كان شيئاً يعرفني، شيئاً يبدو مألوفاً، لكنه في الوقت نفسه غريب ومخيف.
فجأة، سمعت صوتاً خلفي. استدرت بسرعة، رأيت خيالاً أسود يختفي عبر الجدار إلى الغرفة المجاورة. تملكني الخوف، ولكن فضولي كان أقوى من رهبة الموقف.
دخلت الغرفة التالية، كانت مظلمة تماماً، إلا من ضوء خافت يتسرب عبر شقوق الحائط. وسط الغرفة كان هناك كرسي هزاز يهتز ببطء، وكأنه محرك بواسطة يد غير مرئية.
همستُ في داخلي: "من أنت؟ ماذا تريد؟". كان الجواب صوت ضحكة مكتومة، ضحكة مزجت بين حزن وسخرية، جعلتني أتراجع خطوة إلى الخلف.
أمعنت النظر في أرجاء الغرفة وحاولت أن أستجمع شتات أفكاري. حولي، كانت الجدران تحمل نقوشًا ورسومات غريبة، رسومات تروي قصصاً عن عالم آخر، عالم مختفٍ خلف حجابٍ لا تستطيع العين العادية رؤيته.
في زاوية الغرفة، لاحظت شيئاً يلمع تحت كومة من التراب. اقتربت ومسحت الغبار المتراكم لأجد كتاباً قديماً بغلاف جلدي، يحمل رموزاً لم أرها من قبل. عندما فتحته، وجدت صفحات مكتوبة بلغة قديمة، كلماتها تحمل سحراً وغموضاً.
سمعت صوت خطوات تقترب من خلفي. التفت سريعاً لأجد نفسي وجهاً لوجه مع شيخ عجوز، لم يكن له ظل في الضوء الخافت. نظر إلي بعينين غامضتين، وقال بهدوء: "لقد تجاوزت الحدود، يا بني."
"من أنتم؟"، سألت بصوت مهتز، في محاولة لفهم الموقف.
ابتسم الشيخ ابتسامة غامضة وقال: "نحن حماة الأسرار، حُراس العوالم الخفية. ما تبحث عنه ليس لك، اترك المكان قبل فوات الأوان."
كنت على وشك الرد، لكن الشيخ اختفى كما جاء، تاركا خلفه صدى كلماته يتردد في أركان الغرفة.
انتابني شعور بالرهبة، وقررت الخروج من البيت قبل أن أغوص أكثر في هذا العالم المجهول. بينما كنت أغادر البيت، شعرت بأنني لم أكن وحدي أبداً، وأن ما شهدته كان مقدمة لشيء أكبر.
عندما عدت إلى القرية، لم أجرؤ على الحديث عما رأيته. البيت بقي مغلقاً، لكنه لم يعد مهجوراً في مخيلتي. كل ليلة، أرى أحلاماً غريبة عن تلك الليلة، وأشعر بأنني مربوط بعالم لا يمكن للعقل تفسيره.
وهكذا، بقيت القصة لغزًا لا يزال يطاردني، وكأنني جزء من حكاية لا تزال تُكتب في عالم الظلال.
قيّم هذه القصة
التقييم: 5.0 من 5 (1 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
الليل الذي لم ينقضِ
في قرية معزولة بين كثبان الصحراء، اكتشفت عائلة سالم أن الليل يحمل معه أسراراً مرعبة تتربص في الظلام.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الليلة التي رأيت فيها الظلال
في ظلمة تلك الليلة، كنت وحدي في البيت القديم، عندما بدأت الأصوات الهمسة تعلو من الغرف الخالية، وكأنها تروي قصة لا يفترض أن تُسمع.
الساكنة غير المرئية
في إحدى الليالي المظلمة، تسللت إلى بيت جدي القديم في القرية، حينها بدأت أسمع أصواتاً غريبة لم أكن أستطيع تفسيرها.