سراب الصحراء

3 دقائق قراءة
2 قراءة
0 (0)

قد تبدو الصحراء في بادئ الأمر كصفحة بيضاء بلا معالم، لكنني أدركت منذ اللحظة الأولى أن الرمال تخبئ في طياتها أكثر مما تبوح به. كنت قد بدأت رحلتي في الصباح الباكر، حين كانت الشمس تشرق بلون برتقالي دافئ ينساب على الأفق كبحر من الذهب. رافقني في رحلتي خالد، صديقي الذي لطالما شاركني شغفي بالمغامرات.

كان الصحراء هادئة تماماً، إلا من همسات الرياح التي تحمل في طياتها قصصاً من زمن بعيد. لكن شيئًا ما في هذا السكون كان يشوبه الغموض، كأنه يخفي سرًا دفينًا. مع كل خطوة كنت أقطعها على الرمال الناعمة، كنت أشعر بأنني أقترب أكثر من الكشف عن لغزٍ قديم.

قال خالد، وهو ينظر بعيدًا نحو تلال الرمل المتراكمة كأمواج توقفت عن الحركة، "هل سمعت يومًا عن أسطورة مدينة الرمال؟ المدينة التي تبتلعها الصحراء ولا تظهر إلا لمن يضيع فيها؟". كانت نبرة صوته تحمل مزيجًا من الجدية والتهكم، لكنني شعرت بشيء ما في كلماته.

في تلك اللحظة، سمعنا صوتًا غريبًا يشبه الأنين، قادمًا من بعيد. توقفنا، والتقينا نظراتنا في دهشة. "ما كان هذا؟" تساءلت بصوت منخفض. كان الصوت يتخلل الهواء كأنين امرأة حزينة، وبدت الرياح وكأنها ترد عليه بصدى بعيد.

قررنا متابعة الصوت، الذي بدا وكأنه يقودنا في اتجاه معين. ومع كل خطوة، كان الصوت يزداد وضوحًا وقوة. استمرينا في التقدم حتى وجدنا أنفسنا أمام تشكيل صخري غريب، كأنه بوابة إلى عالم آخر.

"هل ندخل؟" سأل خالد بتردد. كان هناك شيء في داخلي يقول لي أن هذا هو المكان الذي نبحث عنه. شجعته على الدخول، ورحنا نتحسس طريقنا بين الصخور حتى وصلنا إلى مساحة مفتوحة.

في وسط تلك المساحة، وجدنا آثار أقدام غارقة في الرمال وكأنها لوثت حديثًا. رغم أن الشمس كانت لا تزال مشرقة، شعرت ببرودة غريبة تزحف إلى أوصالي.

"انظر هناك!" أشار خالد إلى نقش غريب على جدار صخري. كانت الكتابة قديمة، لكنها واضحة بما يكفي لقراءتها. كانت تحكي قصة ملك ضاع في الصحراء، تاه بين السراب، وترك مملكته خلفه للاندثار.

بينما كنا نقرأ، تردد صوت أنين المرأة مرة أخرى، هذه المرة أقرب بكثير. "لا أعتقد أن هذا المكان مهجور كما يبدو" قال خالد بصوت مضطرب.

بدا لي للحظة أن الرياح تحمل شبحًا من الماضي يشكو من قدره. "هل نحن في عالم بين الحلم والواقع؟" تساءلت في نفسي.

قررت أن نترك المكان بنفس السرعة التي دخلنا بها، لكن عندما حاولنا العودة، تاهت خطواتنا في الرمال المتغيرة باستمرار. بدا لنا أن الصحراء قد ابتلعت آثارنا كما كان يتنبأ الأسطورة.

حينها، بدأ السراب يلف أعيننا، رأيت مدينة من الرمال ترتفع أمامي، ممتدة إلى ما لا نهاية، بأبراجها العالية وقبابها الشاهقة. نظرت إلى خالد، لكن وجهه كان يعكس مزيجًا من الحيرة والدهشة.

شعرت بالإرهاق، وكأنني أعيش حلمًا لا أستطيع الاستيقاظ منه. لكن حين أغمضت عيني للحظات وفتحتها مرة أخرى، لم أجد سوى الرمال تمتد بلا نهاية.

هل كانت هذه المدينة موجودة حقًا، أم أن الصحراء تلعب بعقولنا؟ عُدنا أدراجنا بعد مغامرتنا العجيبة، حاملين معنا أسئلة أكثر من الأجوبة.

ربما كانت الصحراء تريد أن تذكرنا بأنها تحتفظ بأسرارها، وأن من يحاول فك شفراتها عليه أن يقبل بأن يجد نفسه تائهًا بين الخيال والواقع.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الصحراء