هندسة الظلال الخفية

10 دقائق قراءة
69 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

**المدخل 1 - 15 مارس 2003**

رائحة الشقة مثل الهيل وشيء آخر غامض يخيم تحت السطح.

انتقلت إلى هنا بالأمس، الطابق الثالث، المبنى 7، مجمع الرشيد. كان أبو عمر، المؤجر، يعتذر باستمرار عن "ظروف المستأجر السابق" لكنه لم يوضح الكثير. فقط كان يكرر أن الإيجار مناسب بسبب... التعقيدات.

الهندسة هنا خاطئة.

أعلم كيف يبدو ذلك. أنا طالب دراسات عليا في الرياضيات بجامعة بغداد، متخصص في الفضاءات غير الإقليدية. أفهم الزوايا، النسب، العلاقات المكانية. لكن زوايا هذه الشقة لا تتلاقى عند تسعين درجة. الممر أطول عند المشي نحو المطبخ منه عند المشي نحو غرفة النوم. قستها. مرتين.

ترك أبو عمر طبقًا من التمر ومصحفًا صغيرًا على طاولة المطبخ. "للبركة"، قال، واضعًا يده على جبينه. كانت يداه ترتعشان.

الظلال تسقط بشكل خاطئ أيضًا. حتى في الظهيرة، تتمدد نحو الجدار الشرقي. الفيزياء لا تعمل هكذا.

لكن الإيجار 80 دينارًا في قلب بغداد. لا أستطيع أن أكون خرافيًا.

**المدخل 2 - 18 مارس 2003**

الجيران يتجنبونني.

ليسوا غير ودودين، بالضبط. أحضرت أم فاطمة من الشقة 2B كعك المعمول بالأمس، لكنها لم تدخل. فقط سلمتها من خلال فتحة الباب، وعيناها تتجهان نحو ما وراء كتفي داخل الشقة. عندما سألتها إن كانت تريد الشاي، تراجعت كما لو كنت أعرض عليها سُمًا.

"هذا المكان..." بدأت، ثم توقفت. هزت رأسها. "الله يحميك، حبيبي."

الآن طعم الكعك مثل الرماد.

كنت أعمل على رسالتي حول طي الأبعاد في الفضاءات النظرية. من الطريف كيف أن الرياضيات التي أدرسها تبدو ذات صلة هنا. كما لو أن الشقة موجودة في مساحة تم... طيها. منحنية على محاور لا ينبغي أن توجد.

هاتفي النوكيا يفقد الإشارة داخل الشقة. ثلاث إشارات في الممر، لا شيء داخل. حتى الخط الأرضي يصدر صوتًا منخفضًا، وكأنه شيء يتنفس في الطرف الآخر.

**المدخل 3 - 22 مارس 2003**

وجدت بابًا اليوم.

إنه في جدار غرفة النوم. لم يكن هناك بالأمس - أنا متأكد. أعرف كل بوصة من هذا المكان الآن. لكن هناك، مطلي بنفس لون الجدار الكريمي، لا مقبض، فقط خط رفيع يحدد حوافه.

حاولت فتحه. دفعت، سحبت، طرقت. لا شيء. كأنه مرسوم عليه.

لكنني أستطيع سماع شيء خلفه. خافت. مثل صفحات تُقلب.

**المدخل 4 - 25 مارس 2003**

الباب انفتح.

كنت أدرس في وقت متأخر، أعمل على معادلات سطح ريمان بضوء المصباح. انقطعت الكهرباء بشكل متكرر - المبنى كله يغرق في الظلام، لكن فقط لطاقبتي. عندما عادت الأنوار، كان الباب مفتوحًا.

فراغ أسود خلفه. ليس ظلامًا - غياب حقيقي للضوء، كالنظر إلى حفرة في الواقع.

كان يجب علي أن أغلقه. كان يجب أن أدفع الأثاث ضده. بدلاً من ذلك، أخذت مصباحي الكشاف.

الشعاع لم يخترق بعيدًا. ربما مترين قبل أن يتوقف... كأن الضوء يُمتص. لكنني استطعت أن أرى بما يكفي لأعرف أن هذا لم يكن متصلًا بأي شقة أخرى. الفضاء خلفه كان واسعًا. بشكل مستحيل.

وكانت رائحته مثل القرون.

أغلقت الباب. أغلق تمامًا، غير مرئي مرة أخرى باستثناء ذلك الخط الرفيع.

لكن ما زلت أسمع صفحات تُقلب.

**المدخل 5 - 28 مارس 2003**

انعكاسي متأخر.

فقط بنصف ثانية، لكنه هناك. أحرك يدي، ينعكس بعد لحظة. اختبرتها عدة مرات - مرآة الحمام، مرآة غرفة النوم، حتى الشاشة السوداء لتلفازي المطفي.

كلها تظهر لي ما كنت أفعله قبل لحظة.

جاء مشرف المبنى، خليل، اليوم. فحص روتيني، قال، لكن عينيه استمرتا في الانجراف نحو الجدران. لقد عمل هنا خمسة عشر عامًا، يعرف كل شقة.

"المستأجر السابق"، قال بحذر، "كان عالمًا. مثلك. درس أشياء قديمة. وجد أشياء كان من الأفضل أن تبقى مدفونة."

"ماذا حدث له؟"

شحب وجه خليل. "ما زال هنا."

**المدخل 6 - 30 مارس 2003**

الظلال تتحرك.

ليس مجازيًا. حرفيًا تنفصل عن مصادرها، تنزلق عبر الجدران مثل الزيت. راقبت واحدة لمدة عشرين دقيقة - ظل مصباحي الذي أقرأ به، يمتد عبر الأرضية ثم يتسلق الجدار، يتحرك بشكل مستقل بينما المصباح يبقى ثابتًا.

يجتمعون في الزاوية بجانب الباب الغامض. تجمع من الظلام.

اتصلت بمشرفي، الدكتور المنصوري، لمناقشة تقدمي في الرسالة. ذكرت "الظواهر المعمارية المثيرة" في مبناي. صمت لفترة طويلة.

"ليلى"، قال أخيرًا، "ما هو عنوانك؟"

عندما أخبرته، انقطع الخط.

**المدخل 7 - 2 أبريل 2003**

جاء الدكتور المنصوري لرؤيتي اليوم. لم يدخل. تحدثنا في الممر، صوته بالكاد فوق الهمس.

"هذا المبنى"، قال، "تم بناؤه في عام 1987. استخدم المهندسون خططًا لمبنى أقدم - مدرسة دينية هُدمت في الستينيات. لكن المدرسة نفسها بنيت على شيء قديم. قبل الإسلامي. الأساسات تمتد... بعيدا."

أخرج قصاصة جريدة صفراء. العنوان كان: "عالم مفقود بعد حريق شقة - لم يُعثر على جثة."

الصورة تظهر مبنى شقتي. التاريخ كان قبل ستة أشهر.

"كان اسمه الدكتور حكيم البغدادي. كان يدرس الرياضيات البُعدية. مثلك." ارتعشت يدا الدكتور المنصوري. "بدأ الحريق في الشقة 3-7. شقتك. لكن الشيء الغريب كان... لم يكن هناك ضرر. لا علامات حرق. الحريق كان فقط... ثم لم يكن."

"إلى أين ذهب؟"

"هذا هو السؤال، أليس كذلك؟" نظر إلى واجهة المبنى، يعد النوافذ. "ليلى، كم نافذة تحتوي شقتك؟"

فكرت. "أربع. غرفة المعيشة، غرفة النوم، المطبخ، الحمام."

أشار إلى الأعلى. "عدّيها من الخارج."

اتبعت نظره. كانت شقتي تحتوي على خمس نوافذ.

**المدخل 8 - 4 أبريل 2003**

النافذة الإضافية في الغرفة خلف الباب.

فتحتها مرة أخرى الليلة الماضية. الباب تأرجح بسهولة هذه المرة، كما لو أنه يريد أن يُفتح. شعاع مصباحي اخترق أبعد - استطعت أن أرى الجدران، الأرضية، السقف. نسخة مثالية من غرفة نومي، لكن بشكل خاطئ. الزوايا كانت حادة حيث ينبغي أن تكون منفرجة. الظلال تسقط للأعلى.

وكان هناك أثاث. مكتب، كرسي، رفوف كتب. أوراق متناثرة على الأرض.

أبحاث الدكتور البغدادي.

خطوت إلى الداخل.

كان الهواء كثيفًا، مثل التنفس في العسل. انخفضت درجة الحرارة عشرين درجة فورًا. خلفي، بدت شقتي بعيدة بشكل مستحيل، عُرضت من خلال الطرف الخطأ من التلسكوب.

كانت الأوراق مغطاة بمعادلات أعرفها - طي الأبعاد، انحناء الزمكان، الهندسة غير الإقليدية. لكن الخط تغير في منتصفها. بدأ أنيقًا، أكاديميًا. ثم أصبح متوترًا. يائسًا.

الصفحة الأخيرة تكررت عبارة واحدة مرارًا وتكرارًا: "الهندسة حية."

سمعت خطوات خلفي. التفت.

وجهي يحدق بي. لكن بشكل خاطئ. العيون كانت ثقوبًا سوداء. الفم يتحرك بلا صوت.

هربت.

**المدخل 9 - 6 أبريل 2003**

لا أستطيع المغادرة.

حاولت أن أحزم أمتعتي هذا الصباح. في كل مرة أقترب من الباب، أجد نفسي في غرفة النوم. ليس كما لو أنني عدت مشيًا - بل كما لو أن الفضاء طوى، يعيدني إلى حيث بدأت.

سكان المبنى الآخرين اختفوا. لم ينتقلوا - فقط... غائبون. شققهم فارغة لكن مؤثثة، كأن الجميع اختفى في منتصف الطعام. كوب الشاي لأم فاطمة ما زال يتصاعد بخاره على طاولة مطبخها.

انعكاسي في المرايا يتأخر بشكل أكبر. الآن يتأخر بما يقارب ثانيتين. وأحيانا يفعل أشياء لا أفعلها. يلوح بيده بينما يدي ثابتة. يبتسم بينما أنا مرعوبة.

الباب يبقى مفتوحًا الآن. لا يمكن إغلاقه. الغرفة الأخرى تتوسع. ما بدأ كنسخة من غرفة النوم الآن يمتد إلى ما وراء شعاع مصباحي. يمكنني سماع صدى خطوات من عمق الداخل.

خطواتي.

من عندما كنت هناك أمس. لكنهم لا يزالون يمشون.

**المدخل 10 - 8 أبريل 2003**

وجدت جثة الدكتور البغدادي اليوم.

ليس في الغرفة الأخرى. في غرفة نومي. تحت سريري. محنطة، جافة كأنه كان هناك لقرون بدلاً من شهور. لكن عينيه ما زالتا رطبتين. ما زالتا تتحركان.

أنا أفهم الآن. المبنى ليس مسكونًا. إنه طية. تجعد في الفضاء حيث تتداخل الأبعاد. الهندسة تخلق جيوبًا - مساحات توجد بين الحقيقي وغير الحقيقي. وجد المستأجر السابق الطية. حاول دراستها.

وأصبح جزءًا منها.

الأوراق التي وجدتها لم تكن أبحاثه. كانت لي. بخطي. بمعادلاتي. مكتوبة في مستقبل لم أعشه بعد.

الوقت يتحرك بشكل مختلف هنا. الماضي والحاضر والمستقبل موجودون في نفس الوقت. أرى انعكاسي من الغد، أسمع خطواتي من الأمس.

المبنى يتعرف علي لأني كنت هنا بالفعل.

**المدخل 11 - 10 أبريل 2003**

الظلال تحمل وجوهًا الآن.

كلها لي. أعمار مختلفة، تعبيرات مختلفة. ظل ليلى في الخامسة من عمرها، تركض عبر الجدار. أخرى في الخامسة والعشرين، يوم دفاعي عن رسالة البكالوريوس. واحدة أخرى في سن لم أصل إليه بعد، شعرها أبيض، عيونها جوفاء.

ليست ظلالًا. إنها إسقاطات. كل لحظة في حياتي، تتوزع عبر الأبعاد، مرئية في هذا الفضاء المطوي.

حاولت الاتصال بعائلتي. الهاتف يعمل، لكن الأصوات خاطئة. صوت أمي يبدو وكأنها تحت الماء. أخي يتحدث بالعكس. عندما أسأل عن اليوم، يعطونني تواريخ لا وجود لها.

الغرفة الأخرى نمت مرة أخرى. الآن تحتوي على نسخ متعددة من كل غرفة عشت فيها. غرفة نوم طفولتي في البصرة. مهجع الجامعة. غرف من منازل لم أرها أبدًا ولكن somehow أشعر أنني أتذكرها.

وفي كل غرفة، نسخة مني. تعيش حياة لم أعشها. تتخذ قرارات لم أتخذها.

واحدة منهن تكتب في دفتر. نفس الدفتر الذي أكتب فيه الآن. لكن مدخلاتها مختلفة. في نسختها، لم تجد الباب. لم تدخل الغرفة الأخرى. لا تزال تحاول معرفة لماذا تتحرك الظلال.

**المدخل 12 - 12 أبريل 2003**

أعرف كيف أهرب.

وجدت الجواب في أبحاثي المستقبلية. الأوراق تحت السرير لم تكن للدكتور البغدادي - كانت لي، من خط زمني حيث حليت معادلة الطية. الهندسة ليست فقط حية - إنها جائعة. تتغذى على الاحتمالات، على اختلافات لا نهائية لما يمكن أن يكون.

لكنها لا يمكنها أن تحتفظ بالعديد من النسخ قبل أن تصبح البنية غير مستقرة.

عليّ أن أطيح بالاحتمالات. أجعلها حقيقة واحدة، محددة.

الظلال تشعر بالقلق. إنهم يعرفون ما أخطط له. الأطفال الظلال يستمرون بالإشارة إلى الباب، يحاولون تحذيري. لكنهم لا يفهمون. إنهم أيضًا احتمالات. مستقبلات محتملة لم يكن من المفترض أن توجد.

لقد فعلت الرياضيات. تحقق منها سبع عشرة مرة. الطريقة الوحيدة لتحطيم الطية هي من الداخل. يجب أن يختار شخص ما التي تصبح حقيقة.

يجب أن يبقى شخص ما.

**المدخل 13 - 15 أبريل 2003**

هذه ستكون مدخلتي الأخيرة.

الطية تنهار. الكثير من النسخ، الكثير من الاحتمالات. المبنى يبدأ في التلاشي والخروج من الوجود. أحياناً أنظر من النافذة وأرى بغداد. أحياناً أرى الصحراء. أحياناً أرى النجوم.

أنا أفهم الآن لماذا كانت جثة الدكتور البغدادي تحت سريري. اتخذ نفس الخيار الذي على وشك أن أتخذه. لكنه اختار بشكل خاطئ. حاول الحفاظ على مساره الزمني، وترك الطية تنهار حوله. لهذا جف و أصبح جزءًا من البنية.

سأختار بشكل مختلف.

سأدخل الغرفة الأخرى. سأجد مركز الطية - النقطة التي تتلاقى فيها كل الاحتمالات. وسأختار الخط الزمني حيث لم يحدث شيء من هذا. حيث المبنى مجرد مبنى، الهندسة طبيعية، الظلال تتصرف كما ينبغي.

خط زمني حيث الدكتور البغدادي انتقل قبل أن يجد أي شيء. حيث لم أنتقل أبدًا.

الرياضيات تعمل. الطية ستنهار، الواقع سيستقر. المبنى سيصبح طبيعيًا، في بُعد واحد.

لن أكون موجودة فيه.

لكن لا بأس. في الخط الزمني الذي أختاره، هناك ليلى أخرى. واحدة استأجرت شقة مختلفة، في جزء مختلف من المدينة. واحدة تكتب رسالتها عن الرياضيات النظرية الطبيعية تمامًا.

لن تعرف أبدًا ما الذي منعته.

الباب ينادي. ليس بصوت - باليقين. اليقين الرياضي. المعادلة تطالب بالحل.

أستطيع أن أسمع نفسي في الغرفة الأخرى، كل الذات الممكنة لي، ينادون اسمي. يطلبون مني الانضمام إليهم في حياتهم المحتملة التي لا تنتهي.

لكنني أعرف الآن. اللانهاية ليست حرية.

إنها سجن.

حان وقت كسر القيد.

---

**المدخل الأخير - تم العثور عليه بواسطة مشرف المبنى، 20 أبريل 2003**

*[هذه المدخلة مكتوبة بخط يد مختلف]*

تقرير صيانة: الشقة 3-7 جاهزة للمستأجر الجديد. غادر الساكن السابق دون إشعار. ترك خلفه مقتنيات شخصية بما في ذلك كتب الرياضيات وهذا الدفتر.

الشيء الغريب - ليس لدينا سجل لأي شخص باسم ليلى استأجر هذه الشقة. يظهر عقد الإيجار أنها كانت شاغرة منذ مغادرة الدكتور البغدادي قبل ستة أشهر.

الدفتر يبدو وكأنه خيال أو تمرين أكاديمي. خيال مثير، على الرغم من أن المعادلات الرياضية تبدو شرعية.

أوصي بتنظيف طبيعي وإعداد للمستأجر الجديد.

فحص هندسة المبنى مكتمل. جميع القياسات طبيعية.

لا توجد شذوذات.

*[موقّع] خليل محمود، مشرف المبنى*

*[ملاحظة في الهامش، بخط يد مختلف]: الظلال لا تزال تتحرك بشكل خاطئ في بعض الأحيان. لكن فقط في الطابق الثالث. فقط عندما لا يشاهد أحد. -خ*

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن