هندسة الذنب
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
عرفتُ الدكتورة ليلى منصور قبل أن تبدأ الجدران بالحديث. قبل أن تتحدث الزوايا المستحيلة.
كانت زميلتي في مستشفى دمشق العام، وهي طبيبة قلب تستطيع قراءة النبضات كقراءة المسبحة. مستقرة. دقيقة. عندما أخبرتني أنها تنتقل إلى المبنى الجديد في شارع صلاح الدين، حذرتها من الجدران الرقيقة. "ستسمعين كل شيء،" قلت لها. ضحكت. "بعد عشرين عامًا من ضجيج المستشفى، سيكون الصمت نعمة."
بُنيت زهرة على أنقاض عائلة الخليل القديمة. كل الناس يعرفون القصة - كيف ماتت أميرة خليل الصغيرة هناك في عام ١٩٧٣، حرارتها تحترق لثلاثة أيام بينما رفض والدها الطبيب طلب المساعدة. "أنا طبيب،" أصر أمام زوجته الباكية. "لن أقبل العار بعجزي عن شفاء ابنتي." ماتت الفتاة وهي تهمس بمصطلحات طبية لم تتعلمها أبدًا، صوتها الصغير يردد أعراضًا بدقة سريرية.
قام المطورون بهدم كل شيء. وبنوا شققًا حديثة مكيفة الهواء وأرضيات رخامية. لكن بعض الأسس أعمق من الخرسانة.
انتقلت ليلى يوم الخميس. وبحلول يوم الجمعة، كانت تتصل بي.
"ناديا،" كان صوتها يحمل حافة لم أسمعها من قبل. "الشقة المجاورة لي - ٤ب. هل تعرفين من يسكنها؟"
"إنها فارغة منذ افتتاح المبنى. لماذا؟"
توقف. صوت خطواتها، الكعب ينقر على الرخام. "أسمعهم يمشون. لكن ليس... ليس بشكل عادي. تتحرك الخطوات بنمط لا يتطابق مع تصميم الشقة. لقد رأيت التصميم - ٤ب تطابق شقتي. لكنني أسمعهم يمشون عبر الجدران."
اقترحت أنها متعبة. مكان جديد، أصوات جديدة. وافقت، لكن صوتها كان يحمل شكًا كالنفس المحبوس قبل الأنباء السيئة.
استمرت المكالمات. كل ليلة، وصفت ليلى أصواتًا أقل وضوحًا. أصوات تتحدث بمصطلحات طبية بلكنة طفولية. خدش قلم رصاص على الورق، وكأن شخصًا يأخذ ملاحظات لا نهائية. إيقاع يشبه حساب النبضات بدلاً من الوقت - أحيانًا سريعة، أحيانًا تتوقف تمامًا.
"ضغطت أذني على الحائط،" أخبرتني صباح الثلاثاء. كان صوتها مبحوحًا. "الخدش لا يأتي من ٤ب، ناديا. يأتي من داخل الجدار نفسه. كأن شخصًا يكتب بين العوارض."
قدت إلى زهرة تلك الليلة. التقيت ليلى في الردهة، بالكاد تعرفت عليها. المرأة التي أجرت عمليات جراحية لأربعة عشر ساعة متواصلة بدت مرهقة بعد أسبوع واحد في شقتها الحلم. دوائر داكنة ظللت عينيها. حجابها المعتاد كان معوجًا.
"أريني،" قلت.
كانت شقتها جميلة. نوافذ ممتدة من الأرض إلى السقف تطل على المدينة القديمة. مطبخ حديث، غرفة نوم فسيحة. لكن الوقوف في غرفة المعيشة شعرت به فورًا - الخلل. المكان بدا أكبر مما ينبغي، كأن الجدران دُفعت بعيدًا بأيادٍ خفية.
"استمعي،" همست ليلى، ضاغطة راحة يدها على الجدار المشترك.
في البداية، لا شيء. ثم - خدش. متعمد. إيقاعي. كأن شخصًا يرسم مخططات.
"قد تكون فئران،" اقترحت بضعف.
"الفئران لا تكتب وصفات طبية،" قالت ليلى. "هذا ما يبدو عليه الصوت. شخص يكتب وصفات. مرارًا وتكرارًا."
بقيت حتى منتصف الليل. لم يتوقف الخدش أبدًا. أحيانًا يتحرك - ينتقل من جدار غرفة المعيشة إلى غرفة النوم، ثم المطبخ. يتبعنا. عندما غادرت أخيرًا، رافقتني ليلى إلى الباب.
"هناك شيء آخر،" قالت. "أواصل العثور على أشياء. سجلات طبية. مكتوبة بخط اليد. ليست لي."
"ما نوع السجلات؟"
"حالات حمى أطفال. جميعها مميتة. جميعها بتوقيع طبيب واحد." أظهرت لي ورقة مجعدة من حقيبتها. كان الخط عجوزًا، تقليديًا. في الأسفل، توقيع: د. محمود خليل.
"ليلى، هذا المبنى بُني على -"
"أعلم." ضحكتها كانت هشة. "بحثت عن الأمر اليوم. د. خليل. فقد ابنته بسبب الحمى القرمزية في ١٩٧٣. رفض الاعتراف بأنه لا يستطيع إنقاذها. بحلول الوقت الذي طلب فيه المساعدة، كانت قد رحلت."
زاد الخدش في الصوت، وكأنه يستجيب لمحادثتنا.
"ربما ينبغي أن أنتقل،" قالت ليلى.
"نعم،" وافقت. "ينبغي ذلك."
لكن عندما اتصلت بها في صباح اليوم التالي، بدا صوتها مختلفًا. أهدأ.
"توقفت الأصوات،" قالت. "صمت تام طوال الليل. أعتقد أن ما كان هنا قد انتقل."
كان ينبغي أن أعلم أفضل. في الطب، عندما تختفي الأعراض فجأة دون علاج، فهذا يعني عادة أن الحالة تقدمت إلى ما بعد المرحلة الحادة.
لم تتصل ليلى لمدة ثلاثة أيام. عندما فعلت أخيرًا، كان صوتها غريبًا - بعيدًا، وكأنها تتحدث من قاع بئر.
"وجدت البقية،" قالت.
"بقية ماذا؟"
"السجلات. كانت في شقتي عندما عدت من العمل. مكدسة على مائدة الطعام. سبعة وأربعون حالة. جميعها لأطفال. جميعها متعلقة بالحمى. جميعها ميتة."
تجمد دمي. "ليلى، هناك شخص يلعب مزحة قاسية -"
"السجلات بخط يدي، ناديا."
امتد الصمت بيننا. في الخلفية، كنت أسمع ذلك الصوت الخدش، أضعف الآن، كأنه صدى.
"هذا مستحيل،" قلت.
"أعلم. كتبتها، لكنني لا أتذكر كتابتها. كل حالة مفصلة. الأعراض، العلاجات التي تم تجربتها، وقت الوفاة. كلها بخط يدي. لكنها مؤرخة بين ١٩٧٠ و١٩٧٣."
"لم تولدي حتى عام ١٩٦٠."
"أعلم." صوتها تصدع. "لكنني أتذكر كتابة كل واحدة. أتذكر كل طفل. وجوههم. آباؤهم يتوسلون لي أن أجرب شيئًا آخر. أي شيء آخر."
ذهب الخط هادئًا باستثناء ذلك الخدش المستمر.
"ليلى، عليكِ مغادرة تلك الشقة. الآن."
"لا أستطيع." خرجت الكلمات همسًا. "أنا مطلوبة هنا. هناك المزيد من الأطفال قادمون. أستطيع سماعهم في الجدران. يسعلون. يبكون لأجل آبائهم."
أغلقت الهاتف وقادت مباشرة إلى زهرة.
التقى بي مدير المبنى، أبو عمر، في الردهة. كان وجهه كئيبًا.
"أنتِ هنا من أجل الدكتورة منصور،" قال. لم يكن سؤالًا.
"هل هي بخير؟"
"يعتمد على ما تعنيه بكلمة بخير." أشار نحو المصاعد. "لم تغادر شقة ٤أ منذ يومين. لكنني تلقيت شكاوى من المستأجرين الآخرين. عن الرائحة."
"أي رائحة؟"
"مرض. مرض قديم. ويسمعون الأطفال يبكون في الليل. لكن فقط بالقرب من الطابق الرابع."
ركبنا المصعد في صمت. الطابق الرابع شعرت به مختلفًا - أبرد، رغم كفاءة التدفئة في المبنى. طعم الهواء كان راكدًا، كغرفة مستشفى لم تُنظف منذ عقود.
طرق أبو عمر على باب ٤أ. "د. منصور؟ صديقتك هنا."
لا رد. لكنني استطعت سماع التحرك بالداخل. خطوات متثاقلة. خدش قلم رصاص على الورق.
"لديها المفتاح الاحتياطي،" تمتم أبو عمر، مستخرجًا إياه من حلقة مفاتيحه.
كانت الشقة مظلمة، الستائر مسحوبة. الرائحة ضربتني فورًا - مطهر ممزوج بشيء حلو متعفن. كالأزهار التي تُركت لوقت طويل في غرفة مرض.
جلست ليلى على مائدة الطعام، تكتب بضوء مصباح واحد. أكوام من الورق تحيط بها، بعضها أصفر بفعل الزمن، والآخر حديث وعصري. جميعها مكتوبة بخط يدها الدقيق.
"ليلى؟"
رفعت نظرها، وتراجعت إلى الوراء. كانت عيونها خاطئة - ليس في اللون، بل في التعبير. قديمة. متعبة بشكل لا يُحتمل.
"ناديا." كان صوتها هادئًا، مهنيًا. "أنا على وشك الانتهاء من الجولات المسائية. فقط بحاجة لتحديث هذه السجلات."
اقتربت ببطء. لم تكن الأوراق سجلات طبية - كانت شهادات وفاة. العشرات منها. جميعها لأطفال تتراوح أعمارهم بين خمس واثنتي عشرة سنة. جميعها موقعة باسمها.
"هؤلاء الأطفال،" قلت بحذر. "ليسوا حقيقيين، ليلى."
"بالطبع هم حقيقيين." أشارت نحو الجدار. "هم هنا. ينتظرونني لأكمل ملاحظاتي حتى أستطيع رؤيتهم بوضوح."
كان الخدش أعلى الآن، يأتي من كل الجدران في نفس الوقت. ليست خدوشًا عشوائية - كلمات. مصطلحات طبية. أعراض. بروتوكولات علاجية. كلها تُنقش في الجدران بأيادٍ خفية.
"أنتِ لستِ د. خليل،" قلت.
توقفت ليلى عن الكتابة. نظرت إليّ بتلك العيون القديمة.
"أليست كذلك؟" سألت. "لدي معرفته. ذنبه. حاجته اليائسة لإنقاذ الأطفال الذين ماتوا بالفعل." عادت إلى الكتابة. "الفتاة - أميرة - كانت تُعلمني. كل ليلة، تُظهر لي الأطفال الآخرين الذين كان يمكنه إنقاذهم. كان يجب أن ينقذهم. لو كان فقط قد اعترف بأنه بحاجة إلى المساعدة."
أمسكت كتفيها. "ليلى، أنتِ طبيبة قلب. تنقذين الأرواح كل يوم. لستِ مسؤولة عن الأطفال الذين ماتوا قبل ولادتك."
دفعتني بعيدًا بقوة مفاجئة. "لقد اخترت هذه المهنة، أليس كذلك؟ اخترت أن أمسك حياتهم في يدي. هذا الاختيار يتردد صدى في الماضي والمستقبل. كل طبيب عاش على الإطلاق، كل طبيب سيعيش على الإطلاق - نحن جميعًا مسؤولون عن كل مريض نفشل في إنقاذه."
انخفضت درجة الحرارة في الغرفة. بخاري شعر به بينما زاد الخدش في الجنون، الكلمات تظهر على الجدران بخط يد ليلى: حمى ١٠٤°F. النبض ضعيف. التنفس ضحل. وقت الوفاة...
"إنها تناديني،" قالت ليلى، واقفة. "أميرة تحتاجني لفحصها مرة أخرى. للحصول على التشخيص الصحيح هذه المرة."
سارت نحو الجدار - الجدار الذي يتصل بالشقة ٤ب. عندما اقتربت، بدا الجدار يتلألأ، يصبح شفافًا. استطعت الرؤية عبره إلى الشقة الفارغة المجاورة.
إلا أنها لم تكن فارغة.
شخصية صغيرة مستلقية على سرير لا ينبغي أن يوجد. فتاة ذات شعر داكن وعيون محمومة، ترتدي ثوبًا من عصر آخر. حولها وقفت عشرات الأطفال الآخرين، جميعهم يراقبون ليلى بوجوه منتظرة.
"د. خليل،" همست الفتاة، صوتها يحمل بوضوح عبر الجدار المستحيل. "عدت. هل ستنقذنا هذه المرة؟"
خطت ليلى للأمام، تمد يدها نحو الجدار. يدها عبرت السطح الصلب كما لو كان ماء.
اندفعت للأمام، أمسكت ذراعها. "ليلى، لا!"
استدارت إليّ، وللحظة، كانت عيونها خاصة بها مرة أخرى. مشوشة. مرعوبة.
"ناديا؟ ماذا يحدث لي؟"
"قاومي،" قلت. "أنتِ لستِ د. خليل. لا تدينين لهؤلاء الأطفال بأي شيء."
لكنني أفعل." كان صوتها يتلاشى، يصبح أصغر. "كل طفل يموت ونحن نراقب - نحن مدينون لهم بكل شيء."
أفلتت مني وخطت عبر الجدار.
ضغطت نفسي ضد السطح، لكنه كان صلبًا مرة أخرى. خرسانة وجص. لم أستطع سوى الاستماع بينما تغير صوت ليلى، يصبح صوت رجل، أقدم، يائس:
"أستطيع إنقاذهم هذه المرة. أعرف ماذا أفعل الآن. لدي المعرفة. لدي الذنب. لدي كل الوقت في العالم لأحصل عليه بشكل صحيح."
توقف الخدش.
الصمت الذي تلا كان مطلقًا.
اتصلت بالشرطة، إدارة الإطفاء، إدارة المبنى. قاموا بهدم الجدار بين ٤أ و٤ب، متوقعين العثور على ليلى محاصرة بطريقة ما في هيكل المبنى.
لم يجدوا شيئًا سوى فراغ قديم وأسلاك.
لكن أبو عمر وجد شيئًا آخر عندما نظف شقة ٤أ الأسبوع التالي. مخفيًا خلف الثلاجة: حقيبة طبية من السبعينيات. بداخلها، بين الأدوات القديمة، كان هناك دفتر وصفات. تمزقت الورقة العليا، لكن الانطباع بقي على الورقة تحتها:
"لعلاج حمى الطفولة: الذنب. يُعطى بجرعات دائمة. لا يُعفى حتى يتم إنقاذ جميع المرضى."
توقيع: د. ليلى منصور.
لكن التوقيع بدا تمامًا كخط يد د. محمود خليل من السجلات القديمة.
هُدم مبنى زهرة بعد ستة أشهر. مشاكل هيكلية، قالوا. الجدران كانت غير مستقرة.
وقاموا ببناء مستشفى للأطفال على الموقع.
أحيانًا، يُبلغ الممرضون في المناوبات الليلية عن أشياء غريبة. سجلات تظهر بين عشية وضحاها، مكتوبة بأيدي متعددة لكنها تصف نفس الحالات مرة بعد مرة. صوت أطفال يلعبون في أجنحة فارغة. وأحيانًا، في وقت متأخر من الليل، يسمعون أصواتًا في الجدران - أطباء من عصور مختلفة، جميعهم يناقشون نفس المرضى، جميعهم يحاولون العثور على العلاج الوحيد الذي سيحررهم أخيرًا.
المستشفى لديها أدنى معدل وفيات للأطفال في المدينة.
لا أحد يعرف لماذا.
بقلم
أحمد الكاتب
كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
أصوات الليل في بيت الجد
في ليلة هادئة في بيت جدي القديم، بدأت الأصوات تظهر من الزوايا المظلمة، تنذر بالكشف عن أسرار طويلة مدفونة.
لعنة الدار المسحورة
في قلب الصحراء العربية، حيث الأسرار تُحكم بالأساطير القديمة، وجدت نفسي محاصراً بلعنة جنية قديمة تهدد حياتي.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الساكنة غير المرئية
في إحدى الليالي المظلمة، تسللت إلى بيت جدي القديم في القرية، حينها بدأت أسمع أصواتاً غريبة لم أكن أستطيع تفسيرها.