لقاءات السراب

8 دقائق قراءة
100 قراءة
4.0 (1)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

### الفصل الأول

كان يجب أن أعرف أن هناك شيئًا خاطئًا عندما انعكس ظل ليلى في الاتجاه المعاكس.

لكنني أستبق الأحداث. اسمي عمر خليفة، وأنا صانع أفلام وثائقية مقيم في دبي. قبل ثلاث سنوات، كُلفت بالتحقيق في قصة غيّرت كل ما كنت أعتقده عن الواقع، وعن عائلتي.

بدأت القصة عندما تلقيت مكالمة من رئيس التحرير في قناة العربية. مجموعة من طلاب الجيولوجيا من الجامعة الأمريكية في الشارقة فُقدوا أثناء رحلة بحثية في صحراء الربع الخالي. خمسة طلاب، وُجدوا متفرقين عبر ثلاث إمارات مختلفة خلال أسبوعين. لم يتذكر أحدهم كيف انفصل عن المجموعة. لم يستطع أحد تفسير اختفائهم لمدة سبعة عشر يومًا.

"أجرِ مقابلات معهم"، قال لي رئيس التحرير. "اكتشف ما حدث حقًا هناك."

### الفصل الثاني

كانت المقابلة الأولى مع مريم الزهراء، طالبة جيولوجيا لبنانية تبلغ من العمر 22 عامًا. التقيت بها في مقهى في الشارقة، ولاحظت فور جلوسها أن يديها لا تتوقفان عن التحرك. ترسم دوائر داخل دوائر على الطاولة.

"أخبريني عن رحلة التخييم"، قلت وأنا أضبط جهاز التسجيل الرقمي الخاص بي.

لم ترفع عينيها عن الطاولة. "أقمنا المخيم بالقرب من واحة ليوا. كنا خمسة - أنا، ليلى، أحمد، خالد، وسعيد. كنا ندرس أنماط حركة الكثبان الرملية." توقفت قليلاً، ثم أضافت، "الرمال... كانت تغني في تلك الليلة."

"تغني؟"

"تعرف كيف يمكن للكثبان الرملية إصدار أصوات عندما تضربها الرياح بالطريقة الصحيحة؟ لكن هذا كان مختلفًا. كان يبدو وكأن أحدهم ينادي بأسمائنا."

دونت ملاحظة. يمكن لأصوات الصحراء أن تخلق أوهامًا سمعية غريبة.

"متى لاحظتِ لأول مرة شيئًا خاطئًا؟"

توقفت عن رسم الأشكال. "في الليلة الثانية. ليلى كانت تقف بجانب النار وظلها... كان يشير نحوها بدلاً من الابتعاد عن اللهب."

### الفصل الثالث

كانت المقابلة الثانية مع أحمد رشيد، طالب فلسطيني يدرس العلوم البيئية. التقينا في منزل عائلته في أبوظبي. قدمت لنا والدته القهوة والتمر، وكانت تحوم بحماية بالقرب منا.

"مريم أخبرتك عن الظلال؟" سأل قبل أن أبدأ التسجيل.

هززت رأسي.

"سوء الوضع ازداد بعد ذلك. بدأنا نسمع أصواتنا تنادي علينا من الصحراء. لم تكن أصداء - لقد كانت محادثات. سمع سعيد نفسه يجادل شخصًا ما حول حصص المياه، لكنه كان يجلس بجوارنا طوال الوقت."

ملأت والدة أحمد فناجيننا مرة أخرى. كانت يدها ترتعش قليلاً.

"أخبره عن المقابلات"، همست.

نظر أحمد مشوشًا. "عن أي مقابلات تتحدثين، يا أمي؟"

"التي أخبرتني عنها. الرجل الذي يحمل الكاميرا وكان يطرح الأسئلة."

شعرت بشيء بارد يستقر في معدتي. "أي رجل بالكاميرا؟"

"لا... لا أتذكر أنني قلت ذلك"، تمتم أحمد.

كانت والدته تحدق فيّ الآن، وأدركت مع شعور متزايد بعدم الارتياح أنها كانت تنظر إلى معداتي بكثير من التعرف، كما لو أنها رأتها من قبل.

### الفصل الرابع

المقابلة الثالثة كانت مع خالد المنصوري، طالب جيولوجيا من قطر. وافق على لقائي في متحف الربع الخالي في العين. محاطًا بعروض عن حياة البدو وبقاء الصحراء، بدا أكثر ثباتًا من الآخرين.

"الأمر الذي يجب أن تفهمه"، قال، "هو أن الصحراء تلعب الحيل. السراب، تشوه الحرارة، الظواهر الصوتية. ما مررنا به له تفسيرات علمية."

"ولكن؟"

"لكن العلم لا يفسر لماذا رسمنا جميعًا نفس الرموز في الرمل. رموز لم يسبق لنا رؤيتها من قبل." أخرج هاتفه - هاتف نوكيا 3310 قديم - وأراني صورة. دوائر متحدة المركز مع خطوط تشع إلى الخارج، مثل الشمس. أو عين.

"مريم كانت ترسم هذه الأنماط أثناء مقابلتنا"، قلت.

شحب وجه خالد. "هل لا تزال تفعل ذلك؟"

تلك الليلة، لم أستطع النوم. كنت أفكر في والدة أحمد، في تعرفها على معداتي. اتصلت بأمي في دمشق.

"حبيبي"، قالت، "تبدو متعبًا. هل تأكل جيدًا؟"

"أمي، هل سبق أن أخبرتك عن قصة كنت أعمل عليها؟ عن طلاب فقدوا في الصحراء؟"

صمت طويل. "اتصلت الأسبوع الماضي، يا عمر. سألت نفس الأسئلة. عن نفس الطلاب."

تحول دمي إلى ماء جليدي. "ماذا سألت؟"

"أردت أن تعرف عن جدك. عن سبب عدم تحدثه عن وقته في الربع الخالي."

### الفصل الخامس

كان من المفترض أن تكون المقابلة الرابعة مع سعيد الحارثي، لكنه اختفى مرة أخرى. قالت عائلته إنه عاد إلى الصحراء. "يظل يتحدث عن إكمال المقابلات"، قالت لي أخته عبر الهاتف.

قررت مقابلة ليلى قريشي بدلاً من ذلك. كانت قائدة المجموعة، طالبة ماجستير في الجيولوجيا من الأردن. التقينا في مجلس تقليدي في الحي التراثي بدبي. بدت الأكثر تماسكًا في المجموعة، هادئة بشكل غير طبيعي.

"الآخرون يخبروك عن الظلال والأصوات"، قالت. "لكنهم يفتقدون الجزء المهم."

"ما هو؟"

"لم نكن وحدنا هناك. كان هناك شخص سادس معنا."

راجعت ملاحظاتي. كل تقرير، كل ملف فقدان، ذكر فقط خمسة طلاب.

"من كان الشخص السادس؟"

ابتسمت ليلى، وللحظة بدا وكأن ظلها يبتسم بشكل مستقل. "صحفي. كان يوثق بحثنا. محترف للغاية. كان لديه كل المعدات الصحيحة."

المجلس بدا فجأة صغيرًا جدًا، دافئًا جدًا. "كيف كان شكله؟"

"طويل. شعره داكن. عيناه طيبتان. كان يتحدث العربية بلكنة سورية." مالت نحو الأمام. "كان يبدو تمامًا مثلك، يا عمر."

وقفت بسرعة حتى أنني أسقطت فنجان القهوة. انتشرت السائل الداكن على السجادة التقليدية مثل الدم المسكوب.

"هذا مستحيل. لم أذهب أبدًا إلى الربع الخالي."

"هل أنت متأكد؟" كان صوت ليلى لطيفًا، يكاد يكون شفقة. "افحص كاميرتك، عمر. تحقق من اللقطات من الأسبوع الماضي."

### الفصل السادس

قدت السيارة عائدًا إلى المنزل عبر شوارع دبي البراقة، ويداي ترتجفان على عجلة القيادة. في شقتي، وجدت كاميرتي - كاميرا Sony Digital8 اشتريتها قبل عامين. أخرجت الشريط.

كان نصفه ممتلئًا.

ضغطت على زر التشغيل، وظهرت وجهي على الشاشة. كنت جالسًا في مخيم صحراوي، أجري مقابلة مع خمسة طلاب حول نار المخيم. كان التاريخ يشير إلى الأسبوع الماضي.

"أخبريني عن الظلال"، سمعت نفسي أقول لامرأة شابة تعرفت عليها الآن كـ مريم.

"لم تعد ظلالنا بعد الآن"، ردت. "إنها تظهر لنا ما نتحول إليه."

سرعت العرض. كان هناك أحمد، يشرح كيف بدأت الصحراء تنادي بأسمائهم. كان هناك خالد، يرسم رموزًا في الرمل بينما أصور. كانت هناك ليلى، تشير إلى ظلي الذي كان في ضوء النار ينحني نحوي بدلاً من الابتعاد.

وكان هناك سعيد، ينظر مباشرة إلى الكاميرا: "الصحفي لا يعرف بعد. لكنه سيعرف. الصحراء تحتفظ بما تأخذه. إنها فقط تعيد لنا قطعًا."

استمر الفيلم لساعات. أنا، أطرح نفس الأسئلة التي كنت أطرحها طوال الأسبوع. الطلاب، يقدمون نفس الإجابات. ولكن مع كل تكرار، تغيرت التفاصيل الصغيرة. أنماط مريم أصبحت أكثر تعقيدًا. ظهرت والدة أحمد في لقطات التقطت على بعد مئات الكيلومترات من منزلها. تضاعفت رموز خالد عبر الرمل مثل عدوى منتشرة.

في اللقطة الأخيرة، شاهدت نفسي أضع معداتي. لكن بدلاً من مغادرة الصحراء، كنت أمشي أعمق في الكثبان الرملية. كان ظلي، بشكل مستحيل طويل في ضوء ما قبل الفجر، يشير إلى الوراء نحو الكاميرا مثل اتهام.

اتصلت برئيس التحرير. "القصة عن الطلاب المفقودين - متى كلفتني بها؟"

"عمر، لقد مررنا بهذا. أنت من اقترحتها علي منذ ثلاثة أسابيع. قلت إن لديك ارتباطًا شخصيًا بالقضية."

"أي ارتباط شخصي؟"

"جدك. كان جزءًا من فريق مسح جيولوجي فقد في الربع الخالي عام 1978. نفس المنطقة. وجدوه بعد ستة أشهر، يتجول قرب العين. لم يتحدث أبدًا عما حدث هناك."

انزلقت الهاتف من يدي.

### الفصل السابع

وجدت مذكرات جدي في منزل والدتي بدمشق. احتفظت بها طوال هذه السنوات، ملفوفة في صحف قديمة. الحكايات، مكتوبة بخط عربي دقيق، قصت قصة مألوفة.

*اليوم الثالث: الظلال هنا خاطئة. تشير نحونا بدلًا من الابتعاد عن الشمس.*

*اليوم السابع: نسمع أصواتنا تنادي من الكثبان الرملية. حسن سمع نفسه يجادل بشأن الماء، لكنه كان جالسًا بجانبي.*

*اليوم الثاني عشر: وصل صحفي اليوم. يقول إنه يوثق رحلتنا الاستكشافية. غريب - لم نطلب تغطية إعلامية. لديه عينان طيبتان ويتحدث بلكنة سورية. يبدو مألوفًا.*

*اليوم الخامس عشر: الصحفي يواصل طرح نفس الأسئلة. نستمر في تقديم نفس الإجابات. ولكن في كل مرة، نتذكر أقل قليلاً مما كنا عليه قبل.*

*اليوم الثامن عشر: أفهم الآن. الصحراء لا تأخذ الناس. تصنع نسخًا. نسخًا مثالية لا تعرف أنها ليست حقيقية. الصحفي لن يغادر هذا المكان أبدًا، تمامًا كما لن نغادر. ولكن ستسير ظلالنا عائدة إلى العالم، تحمل قطعًا من الصحراء معها.*

*اليوم الواحد والعشرون: أنا لست جدي. أنا ما صنعته الصحراء ليحل محله. لكن لدي ذكرياته، وحبه لعائلته، وخوفه مما أصبح عليه. غدًا سأخرج من الربع الخالي، وسأعيش حياته. سأتزوج خطيبته، وأربي أطفاله، وأصبح عجوزًا في مكانه. وفي يوم ما، سيأتي حفيده بحثًا عن الإجابات.*

*الصحراء صبورة. تزرع بذورها وتنتظر أن تزهر.*

انتهت المذكرات هنا. أسفل الإدخال الأخير، بخط جدي، كان هناك سطر واحد باللغة الإنجليزية: "أخبر عمر أن المقابلات على وشك الانتهاء."

نظرت إلى يدي. في ضوء المصباح، لم تكن تلقي أي ظل.

خارج نافذة والدتي، كانت مدينة دمشق تتلألأ في الليل. في مكان ما في الربع الخالي، كان خمسة طلاب جيولوجيا لا يزالون يجرون مقابلات مع صحفي يشبهني تمامًا. وفي مكان ما في دبي، رجل يعتقد أنه عمر خليفة يستعد للذهاب إلى الصحراء لتصوير مقابلة أخيرة.

الصحراء تحتفظ بما تأخذه. إنها فقط تعيد لنا قطعًا.

قطعًا مثالية لا تعرف أنها ليست حقيقية.

التقطت هاتفي للاتصال برئيس التحرير. كانت هناك قصة تحتاج إلى أن تُروى. عن طلاب فُقدوا في الصحراء. عن ظلال تشير في الاتجاه الخاطئ. عن صحفي لن يتوقف أبدًا عن طرح الأسئلة التي يعرف إجابتها مسبقًا.

لأن هذا ما أفعله. هذا ما كنت دائمًا أفعله.

هذا ما خُلقت لأفعله.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 4.0 من 5 (1 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن