غرف الذاكرة الخفية

4 دقائق قراءة
61 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

تقول أختي ليلى إن الرجل الجامعي يشبه رائحة الكتب القديمة والخوف. أحبه لأنه يعطيني الحلوى ويسأل عن بيتنا أسئلة تجعل وجه أمي شاحبًا.

اسمه عمر، وهو يدرس الأشياء العتيقة. يأتي كل ثلاثاء مع جهاز التسجيل ودفتر الملاحظات، يكتب كل ما أخبره عن الغرف في الطابق العلوي التي تقول أمي إنها لم تعد موجودة.

لكنها موجودة. لقد دخلتها.

اليوم أحضر عمر كاميرا تصدر أصواتًا نقرية. "أرني الغرفة التي كانت جدتك الكبرى تصلي فيها،" يقول، وآخذ يده لأنها ترتعش.

تصدر السلالم الصرير ذاته سبع عشرة مرة كما تفعل دائمًا. أعدها بينما يتنفس عمر بطريقة غريبة خلفي. في الأعلى، أتوجه يسارًا نحو غرفة صلاة تيتا القديمة، لكن الممر أطول مما كان عليه بالأمس. أطول بكثير.

"هذا خطأ،" يهمس عمر. تصدر الكاميرا ثلاث نقرات سريعة.

أواصل السير لأن الممر ينتهي دائمًا عند باب تيتا، لكن اليوم ينعطف. الجدران تتنفس كما تفعل ليلاً، ببطء مثل النوم. الورود على ورق الجدران تتحرك أيضًا، تفتح أفواهها وتغلقها.

يتوقف عمر عن المشي. "نحتاج إلى العودة."

لكن عندما ندير ظهورنا، تختفي السلالم. فقط المزيد من الممر، يمتد في الاتجاه الآخر الآن، مع أبواب لم أرها من قبل. أبواب بمقابض نحاسية على شكل أيدي.

"البيت يلعب،" أقول له، لأن هذا ما كانت تيتا تقوله عندما تتحرك الغرف. "يتذكر الأشياء من قبل أن نسكن هنا."

يصدر هاتف عمر صوت الموت. يهزه، يضغط الأزرار، لكن الشاشة تبقى سوداء. الكاميرا تنقر من تلقاء نفسها الآن، مرارًا وتكرارًا، وعندما ينظر إلى النافذة الصغيرة في الخلف، يصدر صوتًا مثل قطة مجروحة.

"ماذا ترى؟" أسأله.

يظهر لي. في نافذة الكاميرا، نحن نقف في الممر، لكن هناك أشخاص آخرون معنا. أشخاص كبار في ملابس مثل صور تيتا القديمة. إنهم يمدون أيديهم الشفافة نحو عمر.

تنخفض درجة الحرارة بسرعة لدرجة أن أنفاسي تخرج في زفرات بيضاء. أنفاس عمر أيضًا. لكن البرد لا يأتي من الخارج. إنه يأتي من داخل الجدران، كأن البيت يتنفس شتاء.

"جدتك،" يهمس عمر. "أخبرتك قصصًا عن هذا المكان. ماذا قالت؟"

أتذكر صوت تيتا، ناعمًا مثل سجادات الصلاة: "الجن كانوا هنا أولاً، حبيبتي. قبل البيت العثماني، قبل الحجارة الرومانية، قبل أي شيء. بنينا على أرضهم المقدسة، لذا يعيشون في الفراغات بين فراغاتنا."

يفتح باب خلفنا. ليس واحدًا من الأبواب ذات المقابض اليدوية - باب جديد مصنوع من ضوء يؤلم النظر إليه.

من خلاله، أرى غرفة صلاة تيتا كما كانت تمامًا، مع سبحتها على النافذة ورائحة الياسمين والصلوات القديمة. يتوجه عمر نحوه وكأنه يحلم.

"لا،" أقول، لكنه قد خطا بالفعل.

ينغلق الباب بصوت يشبه تكسر الزجاج.

أصبح وحدي في الممر الذي أصبح الآن طويلاً لدرجة أنني لا أستطيع رؤية نهايته. الأبواب ذات المقابض اليدوية تفتح واحدًا تلو الآخر، والأشخاص الشفافون يخرجون. ينظرون إلي بأعين مثل الماء الأسود.

لكنهم لا يريدونني. إنهم ينظرون من خلفي، عبر الباب الذي ذهب إليه عمر.

أفهم الآن لماذا يصبح وجه أمي شاحبًا. لماذا تخبرني أن الغرف العلوية غير موجودة. لماذا تحرق البخور كل ثلاثاء بعد مغادرة عمر.

البيت يتذكر كل من حاول دراسته. كل الجامعيين الذين جاؤوا قبل عمر، يسألون الأسئلة، يلتقطون الصور، يجلبون أجهزتهم التي تصدر أصواتًا وتسجل.

الجن يحتفظون بهم في غرفة صلاة تيتا، حيث يتحرك الوقت مثل العسل والأرض المقدسة تحتفظ بكل من يطأ عليها. إلى الأبد.

أضغط أذني على باب الضوء. في الداخل، أسمع صوت عمر، لكن أقدم، كأنه كان يتحدث لسنوات: "اليوم الثالث ألف واثنى عشر. يتحرك ورق الجدران في أنماط توحي بوعي هندسي قبل الإسلام. الكيان يستجيب لتلاوة القرآن لكنه يبدو أنه يدرس العربية بدلاً من أن يصدها..."

يتلاشى صوته إلى همسات، ثم إلى صلاة، ثم إلى لا شيء.

يتقلص الممر ليعود إلى حجمه الطبيعي. تعود السلالم. تختفي الأبواب ذات المقابض اليدوية.

في الأسفل، أمي تصنع الشاي لزيارة الثلاثاء القادم. إنها دائمًا تصنع الشاي، رغم أنه لم يأتِ أحد ليشربه بعد الآن.

"أين الرجل الجامعي؟" تسأل، كما تسأل كل أسبوع.

"لا يزال يدرس،" أقول، لأن ذلك صحيح.

تهز رأسها وتضيف كوبًا آخر إلى الصينية. ثم آخر. وآخر.

في الخزانة، توجد الآن سبعة وأربعون كوبًا، تنتظر جميع الجامعيين الذين جاءوا لدراسة بيتنا.

كلهم ما زالوا هنا، في الغرفة التي تتذكر كل شيء.

وفي الثلاثاء القادم، سيأتي شخص جديد، يطرح نفس الأسئلة، يحمل نفس الأجهزة.

ستصنع أمي الشاي.

وسأريهم الطابق العلوي.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن