طريق الأشباح

4 دقائق قراءة
95 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

انطفأ المُسجل فجأة في منتصف الأغنية، تاركًا أحمد نذير وحده مع ريح الصحراء التي تتسلل عبر نوافذ شاحنته المهترئة. امتد الطريق 85 أمامه بلا نهاية، شريطٌ من الأسفلت يلتف بين كثبان الرمل التي بدت في ضوء القمر وكأنها أنياب مُتكسرة.

كان يقود في هذا الطريق منذ ثلاثة أشهر، منذ أن نقل عملياته من دمشق إلى هذا الركن المنسي من الجزيرة العربية. بداية جديدة، هكذا أخبر زوجته السابقة ليلى في مكالمتهم الأخيرة. طرق جديدة، شحنة جديدة، حياة جديدة. لكنه لم يذكر الأحلام التي دفعته إلى هنا—رؤى لمكان يناديه بصوت يشبه صوت الرمال المتحركة.

قرأ عداد المسافات 247 كيلومترًا، لكن أحمد أقسم أنه مر بنفس اللوحة الإعلانية مرتين. *مرحبًا بكم في قصر المعراج - عدد سكانها 847.* لم تكن المدينة موجودة على أي من خرائطه.

ظهرت شخصية في أضواء سيارته الأمامية.

ضغط أحمد على المكابح، واهتزت شاحنته ذات الثمانية عشر عجلة لتتوقف. وقفت امرأة في منتصف الطريق، عباءتها السوداء ترفرف رغم الهواء الساكن. رفعت يدًا شاحبة.

"لا حول ولا قوة إلا بالله،" تمتم أحمد وهو يرسم علامة ضد الشر. لكن الكرم كان أعمق من الخوف. أنزل النافذة وهي تقترب.

"السلام عليكم يا أخي،" قالت بصوتٍ عذب بلكنة لم يستطع تحديدها. "أحتاج المرور إلى المدينة التالية."

كان وجهها مغمورًا بالظلال تحت حجابها، ولكن عندما ابتسمت، رأى أحمد أسنانًا أكثر من اللازم. صغيرة وبيضاء لؤلؤية وحادة كالإبر.

"بالطبع، أختي،" سمع نفسه يقول رغم أن كل غريزته صرخت بالعكس.

صعدت إلى المقعد بجانبه بحركات سريعة وسلسة أكثر من اللازم. انخفضت درجة حرارة الكابينة. تنفس أحمد ملء صدره وهو يغير السرعة.

"أنت جديد على هذا الطريق،" لاحظت، مستريحة في المقعد كأنها تنتمي إليه. "لكن الطريق يعرفك."

تألق الطريق أمامه، وللحظة رأى أحمد ليس أسفلتًا بل حجرًا قديمًا، مصقولًا بأقدام الحجاج عبر العصور. طرف عينيه، وعاد الطريق مجددًا.

"الجن بنى هذا الطريق،" تابعت المرأة بحديثها المعتاد. "قبل أن تأتي شعوبك بآلاتهم وخرائطهم. إنه يربط أماكن لا ينبغي لها أن توجد، ينقل المسافرين إلى وجهات لم يقصدوا الوصول إليها."

تشنجت يدا أحمد حول عجلة القيادة. بشرته كانت أغمق من المعتاد، أخشن. "أنتِ تتحدثين هراء."

"هل أنا كذلك؟" التفتت نحوه، وفي ضوء لوحة القيادة الخضراء كان وجهها وجه أخته فاطمة—فاطمة التي ماتت في طفولتها قبل أربعين عامًا. "ألا تتذكر القصص التي كانت تحكيها *تتة*؟ عن الطرق التي تصطاد؟"

تشققت الراديو للحياة: "*أحمد... أين أنت؟*" صوت ليلى، يائس. "*الأطفال يسألون عن والدهم...*"

لكنه لم يكن لديه أطفال.

مد يده إلى الراديو بأيدٍ باتت خشنة كقشور الشجر، واظافره سوداء ومنحنية كالمخالب. ضحكت المرأة بجانبه، ضحكة كريح تمر عبر العظام.

"الطريق اختارك منذ زمن بعيد،" قالت بصوت فاطمة، بصوت ليلى، بصوت أمه. "ألم تشعر بندائه؟ في أحلامك؟ احتاج سائقًا، شخصًا يحمل شحنته بين العوالم."

أظهرت المرآة وجهه يتغير—بشرته تظلم لصخور الصحراء، عيناه تعمق إلى سواد الكهوف. أسنانه تطول، تُشحذ. التحول كان بلا ألم، لا مفر منه، مثل العودة إلى الوطن.

"ما الشحنة؟" همس.

أشارت إلى المقطورة خلفهم. للمرة الأولى منذ أن حُمِّلت في دمشق، تساءل أحمد عما كان ينقله بالفعل. كانت وثيقة الشحن فارغة عندما وقع عليها.

"ركاب،" قالت ببساطة. "الأموات الذين يرفضون الراحة، الجن الذين يتوقون إلى اللحم، الكوابيس التي تتسرب بين النوم واليقظة. أنتَ الآن الملاح، أحمد. كنتَ دائمًا كذلك."

امتد الطريق أمامهم، لكن الآن استطاع أحمد رؤية طبيعته الحقيقية—ليس أسفلتًا بل نهرًا من الظلال يجري بين العوالم، يحمل شحنات مستحيلة إلى وجهات لا توجد إلا في المساحات بين دقات القلب.

شاحنته—لا، *سفينته*—أنَّت تحت وطأة ركابها المخفيين. خلفه، شيء ما خدش الجدران.

تلاشت المرأة بجانبه إلى دخان وضوء نجوم، وضحكتها تتردد من كل مكان ولا مكان.

رأت عيناه الجديدتان الحقيقة: عشرات الشاحنات الأخرى تزحف على طرق موازية، سائقوها تحولوا مثله، ينقلون المستحيل عبر صحراء الأحلام. أصوات الراديو لحياتهم السابقة تنادي بلا نهاية في الفراغ.

ضغط على دواسة السرعة، وقدماه الحجرية تجد موطئًا على دواساتٍ مألوفة. رحب به الطريق كأنه عاد إلى المنزل.

في المرآة الخلفية، نظرت صورته البشرية—محبوسًا خلف الزجاج، فم مفتوح في صرخة صامتة، يراقب عاجزًا بينما جسده يقود أعمق في الليل الذي لا ينتهي.

آخر شيء رآه أحمد البشري قبل أن تنطفئ المرآة كان وثيقة الشحن، لم تعد فارغة:

*الشحنة: روح إنسان، من دمشق إلى اللاشيء. السائق: أحمد نذير. رحلة العودة: أبدًا.*

غنى الطريق بأصوات قديمة، وأحمد—كلا النسختين منه—استمر في القيادة.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن

طريق الأشباح - قصة رعب | قصص رعب | قصص رعب