طبيبة الحدود: حكاية الرعب في الصحراء

5 دقائق قراءة
78 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

التقيت بالدكتورة ليلى منصور قبل ثلاثة أسابيع من اختفائها. لا أقول تلاشت، فاختفاؤها كان أكثر غموضًا. كنت مسؤول الاتصالات في محطة حدود قادش، تلك الأرض المنسية بين سوريا والأردن حيث لا يرفرف علم ولا يعترف أحد بالمسؤولية.

وصلت في يوم ثلاثاء، تحمل حقيبتها الطبية كدرع. قالت إن المخيم بحاجة إلى طبيب، إنها بداية جديدة بعد طلاقها في دمشق. لكن صوتها حين قالت "بداية جديدة" جعلني أعتقد أنها تهرب من أكثر من مجرد زواج فاشل.

"مكان غريب للشفاء،" قلت لها وأنا أشاهدها تفحص عيادة المخيم المؤقتة. المبنى كان يجثم في الصحراء كجرح خرسانى، جدرانه مشقوقة من الحرارة.

أجابت بصوت خافت: "الأماكن الغريبة تحتاج إلى أكبر قدر من الشفاء."

بدأ الخلل بشكل بسيط. كانت الدكتورة منصور تصل العيادة كل صباح في تمام السابعة والنصف، حجابها مرتب بدقة، وابتسامتها متعبة لكن حقيقية. أحبها اللاجئون، فقد كانت تتحدث بلهجاتهم، تتذكر أسماء أطفالهم، وتعمل ستة عشر ساعة دون شكوى.

لكن في اليوم الثالث، رأيتها تصل في السابعة والنصف وتغادر في السادسة، ثم رأيتها مرة أخرى في السابعة والنصف قادمة من الاتجاه المعاكس بنفس الابتسامة المتعبة والحجاب المرتب.

عندما ذكرت ذلك، ضحكت وقالت: "أنت تعمل لساعات طويلة يا خالد. الصحراء تخدع العيون."

أردت أن أصدقها. الحرارة هنا قد تجعلك ترى انعكاسك في الهواء الخالي.

ثم بدأ أحمد، مترجم المخيم، بطرح الأسئلة. "لماذا تشم الدكتورة منصور برائحة الياسمين في الصباح والورد في المساء؟" همس لي. "لماذا تكتب الوصفات باليد اليسرى أحيانًا وباليمنى أحيانًا أخرى؟"

"الناس يتغيرون خلال اليوم،" قلت، لكن حلقي كان جافًا.

الأطفال لاحظوا الأمر التالي. يركضون لتحيتها في الصباح، ثم يختبئون عندما تعود من الغداء. عندما سألت فاطمة الصغيرة عن السبب، وضعت وجهها على رجلي وهمست: "عيون الدكتورة أصبحت بألوان مختلفة الآن. بنية في الصباح وخضراء بعد الأكل."

بدأت أراقب بتركيز أكبر. ضحكة الدكتورة منصور—تغيرت نغمتها بين المرضى. خطواتها تغيرت باثني عشر خطوة لكل مائة متر. بدأت تنسى المحادثات التي أجريناها قبل ساعات، ثم تتذكر محادثات لم تحدث أبدًا.

في اليوم السابع، شعرت بالجرأة بما يكفي لأمزح: "دكتورة، هل أنت متأكدة من أنك لا تملكين أختًا توأم تعمل هنا؟"

التفتت إليّ، وللحظة، بدا وجهها فارغًا تمامًا. شاحبًا. كأن شخصًا ما فصلها عن الكهرباء وينتظر تحميل البرنامج المناسب.

ثم ابتسمت. "مجرد تعب يا خالد. هذا المكان يأخذ جزءًا منك."

تلك الليلة، اتصلت بمشرفي في عمّان. "هناك شيء خاطئ مع الطبيبة الجديدة،" قلت.

"عرف الخاطئ."

"أعتقد... أعتقد أن هناك اثنتان منها."

صمت الخط لدرجة ظننت أننا قد انفصلنا. ثم: "الحدود تخدع العقول، خالد. اهتم بشؤونك."

ولكن لم أستطع. لأن في الصباح التالي، رأيت الدكتورة منصور تدخل العيادة في السابعة والنصف، ثم رأيتها تخرج من الخزانة في السابعة وواحد وثلاثين دقيقة، وكلا النسختين تبتسم لي بابتسامات متعبة مطابقة.

تبعت الثانية. مشيت خلفها عبر خيام اللاجئين، والمعبر، إلى الصحراء الخاوية حيث سقطت الظلال الصباحية في اتجاهات مستحيلة. بقيت خمسين مترًا خلفها، هاتفي يسجل كل شيء، ولكن الشاشة لم تعرض سوى تشويش.

توقفت عند ما بدا وكأنه رمال فارغة وبدأت تتكلم إلى الهواء. صوتها حملته الرياح، لكن الكلمات لم تكن عربية، لم تكن لغة أعرفها. انخفضت درجة الحرارة عشرين درجة في ثوانٍ. خرجت أنفاسي كسُحب.

حينها رأيتهم. عشرات من الدكتورة منصور، يقفون في دائرة تامة في الرمال. بعضهم يرتدي حجابها الصباحي، والبعض الآخر بأسلوب الظهيرة. بعضهم لديه عيون بنية، والآخر خضراء. كلهم كانوا يتحدثون إلى مركز الدائرة، حيث شيء لم يكن تمامًا رمالًا ولم يكن تمامًا ظلًا يتلوى ويستمع.

مات هاتفي. احترق البرد في رئتي. ركضت.

عندما وصلت إلى العيادة، كانت الدكتورة منصور هناك، تعالج حمى طفل. رفعت رأسها وابتسمت.

"تبدو شاحبًا يا خالد. هل تشعر بخير؟"

لم أستطع الإجابة. لأن خلفها، عبر النافذة، استطعت رؤية الصحراء. وفي تلك الصحراء، عشرات من الأشكال المتطابقة كانت تعود نحو المخيم، كل واحدة تحمل حقيبة طبية، كل واحدة ترتدي وجهها.

كان ذلك قبل ثلاثة أسابيع. ما زالت الدكتورة منصور تعمل في العيادة. تصل في السابعة والنصف كل صباح، تغادر في السادسة كل مساء. اللاجئون يحبونها. لقد أنقذت عشرات الأرواح.

لكن الآن هناك سبع وأربعون دكتورة منصور في المخيم.

أعدهم كل يوم. لا يبدو أنهم يلاحظون بعضهم البعض، وبطريقة ما، لا يلاحظ أحد وجود سبع وأربعين منهم. يعملون في نوبات مختلفة، يعالجون مرضى مختلفين، يتحدثون بلهجات مختلفة. بعضهم أعسر، والآخر أيمن. بعضهم يشم برائحة الياسمين، والآخر برائحة الورد.

أمس، اقتربت واحدة منهم مني. كانت تحمل وجه الدكتورة منصور لكن عيونها كانت بلون خاطئ—ذهبية بدلاً من البنية أو الخضراء.

"شكرًا لعدم التبليغ عنا يا خالد،" قالت بصوت الدكتورة منصور. "الحدود تحتاج إلى المعالجين. الصحراء تذكر كل من يحاول المساعدة."

وضعت شيئًا في يدي—شهادة طبية باسم الدكتورة منصور، لكن الصورة أظهرت امرأة لم أرها من قبل. امرأة بعيون ذهبية وابتسامة مختلفة.

"أرادت أن تصنع فرقًا،" استمرت الكائن الذي يرتدي وجهها. "والآن تصنع سبعًا وأربعين فرقًا كل يوم. الجن يحققون جميع الأمنيات، خالد. نحن فقط نحققها بالكامل."

ما زلت أعمل في محطة الحدود. ما زلت أعد الأطباء كل صباح. سبع وأربعون ويتزايد—رأيت الرقم ثمانية وأربعين يصل أمس، يحمل حقيبة طبية ويرتدي ابتسامة الدكتورة منصور المتعبة الحقيقية.

أحيانًا أتساءل ماذا حدث للدكتورة ليلى منصور الحقيقية. ثم أتذكر: حصلت على ما طلبته بالضبط. بداية جديدة. فرصة للشفاء. مكان يمكنها أن تصنع فيه فرقًا.

فقط لم تحدد أنها أرادت أن تفعل ذلك بنفسها.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن