صوت الزوايا الملتوية
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
عندما توقفت الصحفية ليلى عن الرد على هاتفها بعد انتقالها إلى شقة جديدة، شعرت بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. الأصوات القادمة من الشقة المجاورة التي كانت فارغة وصفت هندسة مستحيلة—خطوات تسير في دوائر متقنة داخل غرف مستطيلة، أصوات تكتب مقالاتها قبل أن تكتبها. كانت تحقق في تاريخ المبنى المظلم، لكن المبنى كان يحقق فيها.
كان يجب أن أدرك أن هناك شيئًا مريبًا عندما توقفت ليلى عن الرد على هاتفها. كانت صحفية لا تفوت أي اتصال—حتى في الثالثة صباحًا، حتى في جنازة والدتها، وحتى عندما كانت تنزف جراء حادث سيارة في عمّان. هاتفها كان كأنه جزء من جسدها. ولكن لثلاثة أيام في مارس 2003، لا شيء.
عندما تتبعتها إلى ذلك المبنى الجديد في شارع زهران، الذي بنوه في ستة أشهر بأموال صينية وطموح أردني، بدت كأنها فارغة من الداخل. ليلى التي أعرفها كانت زوايا حادة وحركة دائمة. هذه النسخة جلست بلا حراك في كرسي المطبخ، تحدق في الحائط الذي يفصل شقتها عن 4ب.
"الهندسة خاطئة،" قالت دون أن تنظر إليّ. "استمع."
استمعت. من الشقة المجاورة جاءت أصوات خطوات—عادية بما فيه الكفاية. لكنها كانت تدور في دوائر. ليست خطوات ذهاب وإياب. دوائر. دوائر متقنة كان يجب أن تكون مستحيلة في شقة مستطيلة.
"منذ متى؟" سألت.
"منذ انتقلت. ثلاثة أسابيع." وأخيرًا نظرت إليّ، ورأيت أن عينها اليسرى قد بدأت ترتجف. "أعمل على قصة عن المبنى. عن ما بنوه فوقه."
بدأت القصة بشكل بسيط. كانت ليلى تحقق في مخالفات في تصاريح البناء—نوع من قصص الفساد التي بنت عليها مسيرتها. المطور، شركة ماجد للإنشاءات، حصلت بطريقة ما على الموافقة لبناء على أرض تظهر السجلات الرسمية أنها ما زالت مشغولة. ليس من قبل الناس. بل من قبل شيء أقدم.
"كان هناك ضريح هنا،" قالت لي، وهي تخرج حقيبة ملفات مليئة بالوثائق المكررة. "مكرس لشيء يسميه السكان المحليون 'حارس الزوايا'. محاضر اجتماع مجلس المدينة في 1987 تذكره بشكل محدد—كيف يجب 'نقل الضريح بشكل صحيح' قبل أن يبدأ البناء."
أظهرت لي صورة باهتة من الأرشيف البلدي. هيكل حجري صغير، لا يزيد عن كشك هاتف، مع نقوش هندسية محفورة على جوانبه. النقوش كانت مؤلمة للنظر—بدت وكأنها تطوى على نفسها، محدثة وهمًا بصريًا بالعمق حيث لا يجب أن يكون هناك.
"لكن هنا الأمر الغريب،" تابعت ليلى، "لقد أجريت مقابلة مع ستة مخططين مدنيين عملوا على هذا المشروع. ولا أحد منهم يتذكر نقل أي شيء. الضريح فقط... اختفى من الأوراق بين المسودات."
من الشقة المجاورة، توقفت الخطوات. احتبسنا أنفاسنا.
ثم جاء صوت الطرق. إيقاع. مقصود. لكن خاطئ—كأن أحدًا كان يطرق في الهواء الفارغ.
"شقة 4ب كانت فارغة منذ افتتاح المبنى،" همست ليلى. "تحققت من مكتب الإيجار. مرتين."
خلال الساعة التالية، شرحت لي تحقيقها. أجرت مقابلات مع مشرف البناء، أحمد خليل، الذي اختفى بعد أسبوعين من اكتمال المبنى. زوجته قالت إنه كان يتحدث عن "زوايا لا تتوافق" و"فراغات أكبر من الداخل مما يسمح به قياس الخارج".
تحدثت مع المهندسة التي صممت المبنى، امرأة شابة تدعى نور استخدمت برنامج نمذجة كمبيوتر جديد. وجدت ميتة في مكتبها، ويبدو أنها أصيبت بسكتة قلبية، رغم أنها كانت تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا ولم يكن لديها تاريخ مرضي قلبي. كانت ملفات الكمبيوتر الخاصة بها تالفة—كل مخطط أظهر ميزات معمارية مستحيلة. غرف موجودة في مكانين في نفس الوقت. ممرات تدور حول نفسها. شقق بمساحات داخلية أكبر من ما يسمح به قياس الخارجي.
"الجزء الأكثر غرابة،" قالت ليلى، "هو ما أخبرني به السكان الآخرون. كل من يعيش في الطابق الرابع اشتكى من ضوضاء من شقة 4ب. لكن كل شخص يصف ضوضاء مختلفة. السيدة فريدة في 4أ تسمع أطفال يضحكون طوال الوقت. السيد سليم في 4ج يسمع أخاه الميت يناديه باسمه. العائلة في 4د تسمع أصوات الطهي—الأواني والمقالي، التقطيع، صوت الزيت وهو يقلي—لكنهم لا يشمون شيئًا."
استأنف الطرق من الشقة المجاورة. هذه المرة كان مصحوبًا بصوت لم أستطع تحديده—مثل تمزيق القماش، ولكن أعمق. مثلما لو أن الواقع نفسه كان يتفكك.
"ماذا تسمعين؟" سألت ليلى.
ارتعشت عينها بشكل أسرع. "الكتابة. أحدهم يكتب على لوحة مفاتيح الكمبيوتر. نفس الإيقاع الذي أستخدمه. نفس التوقفات التي أعملها عندما أفكر." نظرت إلي بشيء يقترب من الذعر. "تكتب مقالاتي قبل أن أكتبها."
في تلك الليلة، بدت ليلى أفضل. أعدت لنا العشاء—المنسف باللحم الذي ينفصل عن العظم، كما علمتها جدتها. تحدثنا عن أشياء طبيعية: زفاف ابن أخيها، طلاقي، الأمريكيين الذين غزوا العراق للتو. شعرت الشقة بالدفء والأمان، مليئة برائحة الهيل وماء الورد.
"ربما كنت أتخيل الأشياء،" قالت ونحن ننظف. "التوتر، تعلمين؟ هذه القصة تستهلكني."
كنت أرغب في تصديقها. ليلى التي أعرفها كانت لا تتزعزع، من نوع الأشخاص الذين قضوا ثلاثة أشهر في مخيم للاجئين للحصول على قصة، الذين واجهوا الوزراء الحكوميين وزعماء المليشيات دون أن يرتعشوا. إذا قالت إنه توتر، ربما كان كذلك.
ولكن بينما كنت أساعدها في غسل الصحون، لاحظت شيئًا جعل دمي يتجمد. نافذة المطبخ تطل على فناء المبنى، وفي الانعكاس، استطعت رؤية الجدار خلفنا—الجدار الذي يفصل شقتها عن 4ب. في الانعكاس، كان هناك باب في ذلك الجدار. باب لم يكن موجودًا عندما استدرت للنظر مباشرة.
لم أقل شيئًا. ماذا كان هناك لأقوله؟
جلسنا لمشاهدة فيلم على تلفازها الصغير، كوميديا مصرية قديمة كانت عادة تجعلها تضحك. لكن ليلى جلست متصلبة بجانبي، واهتمامها مركز على الحائط. بدأت الأصوات من الشقة المجاورة مرة أخرى—ليس الكتابة هذه المرة، بل شيء أسوأ. أصوات. أصوات متعددة، تتحدث بالعربية، لكن الكلمات كانت خاطئة بطريقة ما. عبارات مألوفة ملتوية إلى أشكال تؤلم عند السمع.
"أنا بحبك،" قال صوت—لكن النبرة كانت خاطئة، كأنها تسجيل يلعب بالعكس.
"حبيبي، تعال هنا،" نادى آخر—لكنها بدت كأمر، وليست كناية.
وتحت كل هذا، صوت مثل صفحات تقلب. مئات الصفحات، تقلب في تزامن مثالي.
"ليلى،" قلت بحذر، "ربما يجب عليك البقاء في مكان آخر الليلة."
هزت رأسها دون أن ترفع نظرها عن الحائط. "لا أستطيع. أنا قريبة جدًا. أجريت مقابلة مع الإمام الذي بارك الضريح الأصلي. الشيخ محمود، من المسجد القديم في شارع قوس قزح. أخبرني بأشياء عن حارس الزوايا. أشياء أحتاج إلى فهمها."
الأصوات من الشقة المجاورة ارتفعت، وأصبحت أكثر إلحاحًا. استطعت تمييز كلمات فردية الآن: "صحفية"، "تحقيق"، "حقيقة"، "زوايا"، "حارس". كانوا يتحدثون عن ليلى. عن عملها.
"الشيخ قال إن الضريح لم يبن لتكريم الحارس،" تابعت ليلى، صوتها يتخذ نبرة حالمة. "بني لاحتوائه. الحارس لا يحرس الزوايا—بل يخلقها. زوايا خاطئة. مناطق مستحيلة. أماكن حيث ينحني الواقع على نفسه."
على تلفازها، كان الممثلون المصريون يتحدثون، لكنني لم أعد أسمع كلماتهم فوق الأصوات القادمة من الشقة المجاورة. تضاعفت الأصوات، والآن كانت تتحدث في تناغم، تردد شيئًا يشبه الشعر لكن جعل أسناني تؤلم.
"الشيخ قال شيئًا آخر،" همست ليلى. "قال إن الحارس يتعرف على من يسعى للحقيقة. يناديهم. يعرض عليهم معرفة المساحات التي توجد بين المساحات، القصص التي توجد بين القصص."
مددت يدي لأمسك يدها، لكنها سحبتها.
"أعتقد أنني أفهم الآن،" قالت. "الشقة المجاورة ليست فارغة. إنها مليئة. مليئة بكل القصص التي لم تكتب أبدًا، كل الحقائق التي لم تكشف أبدًا. الحارس يظهرها لي، قطعة تلو الأخرى."
بدأ الجدار بالاهتزاز. ليس بعنف، فقط اهتزاز خفيف شعرت به في عظامي. وميض التلفاز، وللحظة، استبدلت الكوميديا المصرية بشيء آخر—لقطات من كاميرا مراقبة لشقة فارغة. شقة 4ب. لكنها لم تكن فارغة. كانت مليئة بالأثاث الذي لا يلقي بظلال، وجالسًا على مكتب في وسط الغرفة كان شخص منحنيًا فوق لوحة مفاتيح كمبيوتر. يكتب.
نظر الشخص إلى الكاميرا، ورأيت وجه ليلى. لكن بشكل خاطئ. ملامحها كانت غير متناسقة قليلاً، مثل صورة قد تم قصها وإعادة تجميعها بواسطة شخص لم ير وجهًا بشريًا من قبل.
"هل ترى؟" سألت ليلى، وصوتها كان يأتي من التلفاز الآن، وليس من جانبي. "كنت أكتب القصة من الداخل. القصة الحقيقية. عن ما يحدث عندما تبني على أرض مقدسة. عن ما يحدث عندما تحاول احتواء شيء يوجد في المساحات بين المساحات."
استدرت لأنظر إليها، لكن الكرسي كان فارغًا. اختفت ليلى.
توقفت الأصوات من الشقة المجاورة فجأة. في الصمت، استطعت سماع دقات قلبي، سريعة جدًا وعالية جدًا. استطعت سماع المبنى يستقر من حولي، يئن بطرق لا ينبغي للمباني أن تئن بها. وتحت كل هذا، صوت النقر الناعم لمفاتيح الكمبيوتر.
ركضت إلى الباب الأمامي، لكن عندما فتحته، كان الممر خاطئًا. طويل جدًا. ضيق جدًا. الأضواء الفلورية تمتد بعيدًا في الظلمة، وأبواب الشقق كانت مرقمة في تسلسل لا يتناسب مع المنطق الرياضي: 4أ، 4ج، 4ب، 4د، 4أ مرة أخرى.
حاولت مناداتها، لكن صوتي تردد بشكل غريب، كما لو كان الممر يحتوي على زوايا لا ينبغي أن تكون موجودة.
هذا كان قبل ستة أشهر. لم أر ليلى مرة أخرى، لكن قصتها نُشرت. ليس في الصحيفة التي كانت تعمل بها، بل في مكان آخر. وجدتها بعد ثلاثة أسابيع، مطبوعة على ورق تم تمريره تحت بابي خلال الليل. الورق شعر بأنه خاطئ—ناعم جدًا، دافئ جدًا، مثل الجلد.
كانت القصة كل ما أخبرتني به وأكثر. تضمنت تاريخ الضريح، مخالفات البناء، وفاة المهندسة. لكنها احتوت أيضًا على مقابلات مع أشخاص لم يكونوا موجودين، صور لأماكن لا يمكن العثور عليها، وثائق لم يخزنها أي أرشيف من قبل. كانت التحقيق الأكثر اكتمالًا الذي قرأته على الإطلاق، وكل حقيقة فيه كانت صحيحة ومستحيلة في نفس الوقت.
في النهاية، في ما كان ينبغي أن يكون التوقيع، كان هناك ملاحظة: "تم الإبلاغ من شقة 4ب، حيث تلتقي كل الزوايا وكل القصص تندمج. —ل.م، صحفية مقيمة."
المبنى في شارع زهران ما زال قائمًا. شقة 4ب لا تزال رسميًا فارغة. ولكن في بعض الأحيان، في وقت متأخر من الليل، يشكو السكان من صوت الكتابة. دائمًا نفس الإيقاع. دائمًا نفس التوقفات.
وفي بعض الأحيان، يقولون، إذا استمعت بعناية إلى الجدران، يمكنك سماع صوت يشبه صوت ليلى، يوجه قصصًا للصحفيين الذين يوجدون في المساحات بين المساحات، يحققون في حقائق لم يكن من المفترض للواقع أن يحتويها.
أقود سيارة بجانب المبنى كل بضعة أسابيع. من الشارع، يمكنك رؤية نوافذ شقة 4ب. إنها دائمًا مظلمة. لكن إذا كنت تعرف ما تبحث عنه—إذا تعلمت رؤية الزوايا التي لا تتجمع بشكل صحيح—يمكنك في بعض الأحيان رؤية شخص متظلل ضد الزجاج. منحنيًا فوق مكتب. يكتب قصصًا لن تنشر في أي صحيفة موجودة في ترتيبنا الخاص للزمان والمكان.
وجدت ليلى حقيقتها. وجدت القصة التي كانت ستجعل مسيرتها، التحقيق الذي سيكشف كل شيء.
كان عليها فقط أن تصبح القصة لتكتبها.
الزوايا الخاطئة تعرفت عليها، في النهاية. عرضت عليها ما كانت تريده دائمًا: الوصول إلى كل الحقائق الخفية، كل الحقائق المدفونة، كل القصص التي حاولت الشخصيات القوية دفنها.
كل ما كان عليها فعله هو قبول أن بعض القصص لا يمكن أن تروى إلا من داخل المساحات حيث يتحلل الواقع. بعض الحقائق لا يمكن أن يبلغ عنها إلا الصحفيون الذين يوجدون في هوامش الممكن.
وبعض التحقيقات تتطلب أن تصبح الشيء ذاته الذي تحقق فيه.
ما زلت أحتفظ برقم هاتفها في هاتفي. أحيانًا، في وقت متأخر من الليل، أفكر في الاتصال به. لكنني أعلم أنه إذا فعلت، ستجيب. ستجيب من شقة 4ب، من الفضاء بين الفضاءات، وستحمل لي مهمة صحفية.
قصة عن صحفي اختفى أثناء التحقيق في هندسة مستحيلة. قصة عن صديق عرف الكثير ورأى الكثير ولم يستطع الابتعاد.
قصة عني.
لذلك أحتفظ برقم هاتفها في هاتفي، ولا أتصل. لأنني أعلم أن بعض القصص من الأفضل أن تظل غير مكتوبة، وبعض الحقائق حادة جدًا لتتحمل.
ولكن في وقت متأخر من الليل، عندما تكون المدينة هادئة والمباني تلقي بظلال تسقط في اتجاهات تتحدى موقع القمر، يمكنني سماعها. صوت النقر الناعم لمفاتيح الكمبيوتر، يتسلل عبر جدران شقتي.
ليلى ما زالت هناك، ما زالت تحقق، ما زالت تكتب. ما زالت تنادي أولئك الذين يسعون للحقيقة في زوايا الواقع الخاطئة.
وفي بعض الأحيان، يا إلهي، أريد أن أجيب.
بقلم
أحمد الكاتب
كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
أصوات الليل في بيت الجد
في ليلة هادئة في بيت جدي القديم، بدأت الأصوات تظهر من الزوايا المظلمة، تنذر بالكشف عن أسرار طويلة مدفونة.
لعنة الدار المسحورة
في قلب الصحراء العربية، حيث الأسرار تُحكم بالأساطير القديمة، وجدت نفسي محاصراً بلعنة جنية قديمة تهدد حياتي.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الساكنة غير المرئية
في إحدى الليالي المظلمة، تسللت إلى بيت جدي القديم في القرية، حينها بدأت أسمع أصواتاً غريبة لم أكن أستطيع تفسيرها.