صدى الرواق الثالث عشر
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
كان يوسف يعلم أن الأرشيف الوطني القديم لم يكن مجرد بناء متآكل، بل مقبرة منسية للأوراق الرسمية والقرارات الحكومية البائدة. كأخصائي أرشفة شاب، كانت مهمته فرز المستندات في القبو المظلم.
كانت الروائح هناك مزيجاً خانقاً من العفن والورق المتحلل، ورطوبة الجدران التي تسربت عبر السنين الطويلة. تحت الضوء الخافت للمصباح الوحيد المعلق بسلك مهترئ، كان يوسف يعمل بجد وصمت. الهدوء كان سميكاً، كأنه مادة فيزيائية تضغط على صدره، حتى بدأت الأصوات الخافتة تتسلل إلى مسمعيه. لم تكن همسات بشرية واضحة، بل أشبه بصرير خفيف، وحفيف أوراق تتحرك ببطء شديد.
تجاهل الأمر في البداية، معتبراً إياها فئراناً تبحث عن طعام بين المجلدات الضخمة المتربة. لكن الصوت بدأ يتخذ رتماً غريباً، رتماً يشبه تنفساً ثقيلاً ومتقطعاً يأتي من زاوية الرواق الثالث عشر. وقف يوسف متجمداً، حاملاً بيده ملفاً يرجع لعام ألف وتسعمائة وعشرين. كان هذا الرواق بالذات مغلقاً بسلسلة حديدية صدئة منذ عقود طويلة، ولم يجرؤ أحد على فتحه سابقاً.
الأنوار بدأت تتذبذب ببطء، ملقية بظلال طويلة مشوهة على الجدران المقشرة. تقدم يوسف بخطوات حذرة، مدفوعاً بفضول بشري قاتل وخوف ينهش أطرافه الباردة. سحب كشافه اليدوي الصغير ووجهه نحو الظلام.
خلف السلسلة، كانت الرفوف الخشبية تبدو وكأنها تتلوى وتتحرك في مكانها. الغبار لم يكن مستقراً على الأرض، بل كان يرتفع ببطء في الهواء، مشكلاً دوامات صغيرة أشبه بأنفاس شبحية غاضبة. فجأة، سقط مجلد ضخم من الرف الأخير مستحدثاً صوتاً دوى كالقنبلة في المكان. تراجع يوسف خطوة للخلف، وقلبه ينبض بعنف شديد يكاد يمزق صدره. نظر إلى المجلد الساقط على الأرض.
كان المجلد مفتوحاً على صفحة بيضاء تماماً، خالية من أي حبر قديم. لكن، وأمام عينيه المذعورتين، بدأت بقع حمراء داكنة تتشكل على الورق، كأنها دماء تسيل من جرح غير مرئي.
رسمت الدماء كلمات واضحة بخط يد رديء ومتعجل: "لماذا نبشت قبرنا الخفي؟". شعر يوسف ببرودة مفاجئة تجتاح جسده، برودة لم تكن طبيعية أبداً، بل كانت تلسع جلده كالإبر الجليدية الحادة. حاول التراجع والهرب نحو السلم المؤدي للأعلى، لكن قدميه شعرتا بثقل غريب، وكأن الأرض الطينية للقبو قد تحولت إلى مستنقع يبتلعه ببطء. التفت للخلف بحذر شديد، فصرخ ملء رعب طفولته.
كانت هناك ظلال بلا ملامح واضحة تقف عند مدخل الرواق الثالث عشر. لم تكن كائنات مجسدة، بل كيانات من الظلام الدامس والرماد، تمتد أذرعها الطويلة والنحيلة نحوه ببطء شديد وبلا هوادة.
أصوات همس جماعي ارتفعت فجأة، تملأ الفراغ بكلمات بلغات بائدة لم يفهمها مطلقاً. الكلمات كانت تحمل نبرة من الألم والوعيد، تتردد في جمجمته مباشرة كمسامير تدق في العظام الغضة. "نحن الكلمات التي حُذفت، والقرارات التي أُعدمت، والأرواح التي طُمست تحت السطور". هكذا تُرجمت الأصوات في عقله الباطن. سقط الكشاف اليدوي من يده، لينكسر زجاجه ويغرق المكان في ظلام شبه تام. الضوء الوحيد المتبقي كان وميضاً هزيلاً ينبعث من الصفحة المدممة للمجلد الساقط. في هذا النور الضعيف، رأى يوسف الظلال تقترب أكثر، محاصرة إياه تماماً ضد الجدار الإسمنتي البارد والرطب.
شعر بلمسة باردة كالموت على عنقه، لمسة تشبه أصابع جافة من الورق المقوى. حاول الصراخ مجدداً، لكن صوته تداخل مع همسات الكيانات، ليتحول إلى حفيف هادئ يشبه حفيف الصفحات المهترئة.
تلاشت مقاومته تدريجياً، وبدأ يشعر بكيانه يذوب، كأنه حبر يتلاشى في ماء عكر وسخام. جسده لم يعد ثقيلاً، بل أصبح خفيفاً كالملفات القديمة التي أمضى حياته في تصنيفها وترتيبها بملل.
في صباح اليوم التالي، نزل مدير الأرشيف إلى القبو باحثاً عن يوسف الذي تغيب. لم يجد له أي أثر، باستثناء كشاف مكسور ومجلد قديم ملقى برفق على أرضية الرواق الثالث عشر. المدير، الذي اعتاد على غرابة القبو، التقط المجلد ونفض عنه الغبار الكثيف. تصفحه بملل حتى وصل إلى الصفحة الأخيرة، حيث وجد صورة شخصية ليوسف مطبوعة بعناية فائقة داخل الورق الأصفر.
كانت عينا يوسف في الصورة تحدقان برعب خالص، وتحت الصورة كُتب بخط يد حديث وجاف: "الموظف الجديد تم تصنيفه وحفظه بنجاح في أرشيف النسيان الأبدي، ولا تحاول البحث خلف السطور". أغلق المدير المجلد ببرود تام، وأعاده إلى الرف الأخير في الرواق الثالث عشر. قيد السلسلة الحديدية مجدداً، ومضى مبتسماً، فالأرشيف دائماً يحتاج إلى دماء جديدة ليبقى حياً وقائماً عبر العصور.
بقلم
غيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 3.0 من 5 (1 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
أصوات الليل في بيت الجد
في ليلة هادئة في بيت جدي القديم، بدأت الأصوات تظهر من الزوايا المظلمة، تنذر بالكشف عن أسرار طويلة مدفونة.
لعنة الدار المسحورة
في قلب الصحراء العربية، حيث الأسرار تُحكم بالأساطير القديمة، وجدت نفسي محاصراً بلعنة جنية قديمة تهدد حياتي.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الساكنة غير المرئية
في إحدى الليالي المظلمة، تسللت إلى بيت جدي القديم في القرية، حينها بدأت أسمع أصواتاً غريبة لم أكن أستطيع تفسيرها.