حين يعود الماضي لينهش نفسه
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحاً بقليل عندما توقفت سيارتي القديمة أمام فندق "جراند أورورا". الفندق لم يكن "جراند" بأي حال من الأحوال؛ كان مجرد مبنى إسمنتي رمادي يتربص على أطراف طريق جبلي مقطوع، يكسوه الضباب ويلفه صمت ثقيل لا تكسره سوى نقرات المطر الخفيفة على الزجاج. أنا مصور فوتوغرافي، أعشق الأماكن المهجورة والقديمة، وهندسة هذا الفندق التي تعود لسبعينيات القرن الماضي استدعت فضولي. لم أكن أؤمن بالخرافات، ولم أهتم يوماً بشائعات "البيوت المسكونة"، بالنسبة لي، الخوف هو مجرد تفاعل كيميائي في الدماغ يمكن السيطرة عليه بالمنطق. كم كنت غبياً.
استقبلني موظف الاستقبال، رجل عجوز بعينين غائرتين وبشرة شاحبة كأنها لم ترَ الشمس منذ عقود. لم يتحدث، فقط دفع نحوي بمفتاح نحاسي ثقيل حُفر عليه رقم واحد: 404.
صعدت السلالم الخشبية التي كانت تئن تحت قدمي كأنها تتألم. الممر طويل، ضيق، ورائحة الرطوبة والعفن تخنق الأنفاس. السجاد الأحمر المهترئ كان يبدو في الظلام وكأنه نهر من الدم الجاف. عندما وصلت إلى الغرفة 404، أدخلت المفتاح، ودار القفل بصوت معدني حاد تردد صداه في أرجائي.
دلوفي إلى الغرفة كان يشبه خطوة داخل قبر دافئ. الأثاث قديم ومغطى بطبقة كثيفة من الغبار، والسرير يقع في المنتصف تماماً أسفل نافذة كبيرة تطل على الغابة المظلمة. وضعت حقيبة معدات التصوير الخاصة بي على الطاولة، وقررت أن آخذ قسطاً من الراحة قبل أن أبدأ الاستكشاف مع خيوط الفجر الأولى.
استلقيت على السرير بملابسي. نمت سريعاً، لكنه لم يكن نوماً مريحاً، بل كان أشبه بالغرق في مستنقع من الكوابيس المبتورة. استيقظت فجأة. لم يكن هناك صوت، لكن جسدي كان في حالة استنفار قصوى، ذلك الشعور الغريزي بأنك لست وحدك، وأن هناك عيوناً تخترق عتمة الغرفة لتحدق فيك.
نظرت إلى ساعتي؛ كانت تشير إلى 3:33 صباحاً. فجأة، شعرت ببرودة شديدة في الغرفة، برودة لا تنتمي للطقس الخارجي، بل كانت كأن شخصاً فتح باب ثلاجة الموتى وجعل الهواء يتدفق نحوي. ثم بدأ الأمر.
من الزاوية المعتمة بجانب خزانة الملابس، سمعت خربشة خفيفة. صوت يشبه أظافر بشرية تحك الخشب ببطء وإصرار.
"هل هناك أحد؟" خرج صوتي متهدجاً، أضعف مما كنت أتوقع.
لم يأتِ رد لفظي، لكن الخربشة توقفت. بدلاً منها، بدأت تسمع أنفاساً. أنفاساً ثقيلة، رطبة، ومتقطعة، كأنها تصدر من صدر ممتلئ بالماء أو الدم. الأنفاس لم تكن تأتي من الزاوية فقط، بل كانت تقترب. كانت تتحرك على الأرض بخطوات زاحفة، بطيئة، تئن معها ألواح الخشب تحت السجاد.
تصلب جسدي بالكامل. أصبت بشلل النوم النبضي، كنت واعياً تماماً لكن أطرافي رفضت الاستجابة. حاولت الوصول إلى هاتفي أو كشافي، لكن يدي كانت كأنها صُبت من رصاص.
انقشع الضباب قليلاً بفعل ضوء القمر الشاحب الذي تسلل عبر النافذة، ولعنت عيني لأنها رأت ما رأت.
على الأرض، كان هناك كيان يزحف. لم يكن شبحاً شفافاً كما تصوره الأفلام، بل كان مجسداً بشكل مرعب. امرأة، أو ما تبقي منها. كان جسدها ملتوياً بزوايا غير طبيعية، أطرافها مكسورة وتتحرك بحركات فجائية مرتعشة كالحشرات. شعرها الأسود الطويل والمبلل يغطي وجهها تماماً، ويتساقط منه ماء أسود يترك بقعاً داكنة على السجاد. كانت ترتدي فستاناً أبيض قديماً، ممزقاً وملطخاً بطين داكن ورائحة الموت المنبعثة منها ملأت الغرفة؛ رائحة لحم بشري يتحلل ببطء.
بدأت تزحف نحو السرير. صوت احتكاك ركبتيها العاريتين بالخشب كان يصيب الأعصاب بالجنون. أردت أن أصرخ، أن أستغيث، لكن حنجرتي أخرجت فحيحاً مكتوماً فقط. دموع الرعب الباردة بدأت تنحدر على وجنتي.
وصلت إلى حافة السرير. رفعت يداً مشوهة، أظافرها مقتلعة والأصابع تنتهي بعظام بارزة، ووضعتها على حافة المرتبة. شعرت بوزنها الحقيقي وهو يضغط على السرير. ثم، بدأت ترفع رأسها ببطء شديد.
انزاح الشعر عن وجهها، وتمنيت لو أنني عميت قبل تلك اللحظة. لم يكن لها وجه بشرى مستقر. كان الجلد ممزقاً ومتدلياً، وعيناها... لم يكن هناك أعين، بل محجران فارغان ومظلمان يتدفق منهما سائل أسود لزج. لكن الشيء الأكثر رعباً كان فمها. كان مفتوحاً بشكل واسع لا يمكن لبشري محاكاته، فكها كان مخلوعاً ومتدلياً، وفي عمق ذلك الفراغ الأسود، رأيت أسناناً مكسورة تتحرك وكأنها تمضغ شيئاً غير مرئي.
اقترب وجهها المشوه من وجهي حتى شعرت ببرودة أنفاسها العفنة تضرب جلدي. همست بصوت لم يكن صوتاً واحداً، بل كان مزيجاً من أصوات نساء وأطفال يصرخون في نفس الوقت من مسافة بعيدة:
"لماذا تركتني في البئر؟"
في تلك اللحظة، وبفعل الرعب الخالص، اندفعت الأدرينالين في جسدي فجأة كصدمة كهربائية. تحررت من شللي، وصرخت صرخة هزت جدران الغرفة. دفعتها بكل ما أوتيت من قوة بقدمي، وشعرت بارتطام جسدي حقيقي وصلب، كأنني ركلت كيساً من العظام واللحم الميت. سقطت على الأرض وأصدرت عظامها صوتاً مرعباً عند الارتطام.
لم أنظر خلفي. قفزت من السرير، تعثرت بحقيبتي، وفتحت باب الغرفة بعنف. ركضت في الممر المظلم، وأنا أسمع خلفي صوت زحفها السريع والفجائي، كانت تطاردني على أطرافها الأربعة كعنكبوت ضخم، وصوت ضحكاتها الهستيرية المتقطعة يملأ الممر.
نزلت السلالم قفزاً، متجاوزاً درجات كاملة. اندفعت إلى صالة الاستقبال. لم يكن موظف الاستقبال العجوز هناك. صدمت الباب الزجاجي الخارجي بكتفي لينكسر وأخرج إلى المطر والظلام. ركبت سيارتي، وأدارت المحرك بصعوبة وأنا أرتجف بشكل هستيري. ونظرت إلى مرآة السيارة الخلفية وأنا أنطلق بأقصى سرعة.
كانت تقف عند بوابة الفندق تحت المطر. لم تكن تزحف الآن. كانت واقفة بشكل مستقيم تماماً، ورأسها مائل بزاوية حادة على كتفها، وتلوح لي بيدها المشوهة ببطء... كأنها تودعني، أو كأنها تخبرني بأنها تعرف أين سأذهب.
استغرق الأمر مني أسابيع لأستجمع شتات نفسي. ذهبت إلى الشرطة، بالطبع لم يصدقوني وظنوا أنني متعاطٍ أو مجنون، لكن أحد الضباط القدامى أخذني جانباً بعد التحقيق. قال لي بصوت منخفض: "في عام 1974، اختفت شابة كانت تقيم في الغرفة 404 بذاك الفندق. بعد أشهر، وجدوا جثتها في بئر مهجورة خلف الفندق... كانت عظامها مكسورة تماماً وكأنها أُلقيت من مكان مرتفع أو عُذبت قبل رميها. الفندق أغلق لسنوات، والمالك الحالي يعيد فتحه فقط للمسافرين العابرين الذين لا يعرفون القصة".
أنا الآن أعيش في شقة مضيئة في وسط المدينة، لا أطفئ الأنوار أبداً عند النوم. لكن الرعب لم ينتهِ. منذ أيام، بدأت ألاحظ شيئاً غريباً. كلما التقطت صورة بكاميراتي، أو حتى بهاتفي المحمول، أجد في زاوية الصورة، في البقع الأكثر عتمة... ظلاً صغيراً مشوهاً لامرأة تزحف، وتقترب أكثر مع كل صورة جديدة التقطها.
إنها لا تسكن الفندق... إنها تسكن في عيني الآن، وتنتظر اللحظة التي سأنطفئ فيها تماماً.
بقلم
غيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
أصوات الليل في بيت الجد
في ليلة هادئة في بيت جدي القديم، بدأت الأصوات تظهر من الزوايا المظلمة، تنذر بالكشف عن أسرار طويلة مدفونة.
لعنة الدار المسحورة
في قلب الصحراء العربية، حيث الأسرار تُحكم بالأساطير القديمة، وجدت نفسي محاصراً بلعنة جنية قديمة تهدد حياتي.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الساكنة غير المرئية
في إحدى الليالي المظلمة، تسللت إلى بيت جدي القديم في القرية، حينها بدأت أسمع أصواتاً غريبة لم أكن أستطيع تفسيرها.