حراسة الليل في رأس الحجر

4 دقائق قراءة
74 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

عندما انتقل الضابط خالد منصور إلى مركزنا الساحلي في رأس الحجر، كان ينبغي عليّ أن أحذره من قواعد العمل الليلي. لكن من يصدق أن البحر يعيد ما لا يجب أن يعيد - حتى تعرف الأصوات المنادية من الميناء اسمك الذي كان يُنادَى في طفولتك والندبة على ركبتك؟

وصلتُ إلى المركز صباحًا في أكتوبر 2003، ورائحة البحر المختلطة بالياسمين المتعفن في الماء استقبلتني. كان خالد يقف عند خزينة الأدلة، وهاتفه النوكيا يصر بإلحاح على الأرفف المعدنية.

"هذه ثالث مرة هذا الأسبوع يبلغ فيها أحدهم عن سماع أصوات أقاربهم الغرقى ينادون من الميناء،" قلت له وأنا أضع القهوة التي بردت بالفعل. "دائمًا الساعة الثالثة صباحًا. ودائمًا الصوت نفسه."

ضحك خالد، وصدى ضحكته الخاطئة في الغرفة الإسمنتية. "الحزن يجعل الناس يسمعون أشياء، يا أبو حسن. لقد رأيت ذلك في عمان."

كانت القواعد مكتوبة بخط الرقيب قاسم الدقيق، ملصقة داخل كل سيارة دورية ليلية: لا تجب الأصوات التي تناديك من الماء. لا تلتقط الأشياء التي يجلبها المد إلى الشاطئ بعد منتصف الليل. لا تتبع الآثار التي تقود إلى البحر. إذا رأيت شخصًا تعرفه يسير نحو الميناء بعد الثانية صباحًا، لا تقترب منه. اتصل لطلب الدعم وانتظر حتى الفجر.

قال خالد، وهو يمزق الورقة: "خرافات لا أكثر. نحن ضباط شرطة، لا حكواتيون من القرية."

في الأسبوع الأول عمل خالد في النهار. كانت حالات الاختفاء قد بدأت مرة أخرى - ثلاثة أشخاص في شهرين، وكلهم شوهدوا آخر مرة بالقرب من الأرصفة القديمة. سأل العائلات بأسلوب منهجي أكسبه سمعته في العاصمة. سأل الأسئلة الصحيحة. أخذ الملاحظات بدقة.

لكن البحر في رأس الحجر له سجلاته الخاصة.

بدأت المكالمات في أسبوعه الثاني من العمل الليلي. كنت أصل كل صباح لأجده شاحبًا، والهالات تحت عينيه كالكدمات. "كان هناك من يناديني من الميناء،" كان يقول. "واضح كصوت أمي. ولكن عندما نظرت..." كان يتوقف، محدقًا في يديه.

كان الصوت يعرف الأشياء. اسمه في الطفولة. الندبة على ركبته من السقوط عن الدراجة. كيف كان والده يدندن أثناء الحلاقة.

قلت له: "إنه مجرد الرياح،" رغم أن الرياح في رأس الحجر لم تكن طبيعية منذ غرق القارب القديم في عام 1992 مع سبعة عشر روحًا على متنه. "حيل صوتية. الصخور تعكس الصوت بغرابة."

في الأسبوع الثالث، توقف خالد عن النوم. وجدته في سيارته عند الفجر، ممسكًا بجهاز الاتصال إلى صدره، يحدق في الميناء حيث كانت الضباب الصباحي يلتصق بالماء كأكفان القبور.

همس: "رأيتهم. يسيرون على الماء. المفقودين. لكنهم كانوا خاطئين. أعينهم..." ابتلع بشدة. "كانت عيونهم مليئة بماء البحر، وعندما فتحوا أفواههم، سقطت منها السرطانات."

كان ينبغي أن أسحبه من الخدمة الليلية حينها. كان ينبغي أن أستمع عندما طلب مني ألا أتركه وحده مع اللاسلكي. لكننا كنا نعاني من نقص في الموظفين، وقائد المنطقة كان يسأل عن تقارير المفقودين.

الليلة التي حدث فيها ذلك، أيقظني هاتفي عند الساعة الثالثة وسبعة عشر دقيقة صباحًا. كان هناك تشويش. ثم صوت خالد، بعيد وغريب: "أبو حسن، وجدتهم. كلهم هنا، يصعدون من الماء. يريدون العودة إلى المنزل."

ارتديت بسرعة، وقادت السيارة عبر الشوارع الفارغة إلى الميناء. وجدت سيارته متوقفة عند حافة الرصيف، باب السائق مفتوحًا، واللاسلكي يشتعل بصوت صامت. كان هاتفه النوكيا ملقى على المقعد المجاور، والشاشة تُظهر سبعة عشر مكالمة فائتة - كلها من أرقام تم فصلها منذ سنوات.

كانت الآثار في الرمال الرطبة تقود من سيارته إلى حافة الماء. لكن كان هناك الكثير منها. عشرات الآثار، تتداخل، كلها تتجه نحو البحر. بعضها كان بحجم حذاء خالد، مقاس 11. وبعضها كان أقدامًا حافية، صغيرة ومشبعة بالماء. وبعضها... كان في شكل خاطئ، كما لو أن العظام تحركت تحت الجلد.

وجدناه بعد ثلاثة أيام، جرفته المياه على الصخور بالقرب من المنارة. قال الطبيب الشرعي إنه غرق، لكن لم يكن هناك ماء في رئتيه. كانت عيناه معتمة بيضاء، وعندما فتحوا فمه لتفقد ممراته الهوائية، وجدوا شيئًا جعل الطالب الطبي يتقيأ في الزاوية.

رمل. رمل رطب، مضغوط بإحكام، مختلط بشظايا من الأصداف والأعشاب البحرية. ومطبوع في الرمل، مثل بصمة يد طفل في الطين، كانت هناك بصمات مثالية لسبعة عشر وجهًا صغيرًا - طاقم القارب الذي غرق في '92.

كانت الوجوه تصرخ.

نقلنا القضية إلى مكتب المنطقة. قدمنا تقاريرنا. عينّا ضباط جدد للعمل في النهار فقط. لكن أحيانًا، في الليالي الضبابية عندما تحمل الرياح أصواتًا من الميناء، أسمع هاتف خالد النوكيا يرن من مكان ما تحت الأمواج.

وأعلم أن بحر رأس الحجر قد أضاف ثمانية عشر اسمًا إلى سجله الآن.

القواعد مكتوبة بالحبر الدائم هذه الأيام. لم يعد أحد يمزقها بعد الآن.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن