تشخيص الدكتورة أميرة

5 دقائق قراءة
164 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

كنت هناك عندما وصلت الدكتورة أميرة خليل إلى قرية وادي السلام في صباح أكتوبر عام 1994، تحمل حقيبتها الطبية كما لو كانت درعًا. لم يغب الغبار عن سماوات القرية بعد مغادرة سيارتها التويوتا القديمة، حين همس لي الحاج محمود قائلاً، "البيت يعرفها."

عليّ أن أوضح — أنا بوسطجي القرية، حارس أسرار الجميع. عندما استأجرت الدكتورة أميرة عيادة البيت على أطراف مستوطنتنا، كنت أوصل لها البريد. هكذا شهدت ما حدث.

ظل البيت مهجورًا لثلاث سنوات منذ اختفاء الدكتور فريد. لم يمت — بل اختفى. ولكن ظله ظل مرسومًا على جدار العيادة، صورة ظلية كاملة حيث لا يجب أن يكون هناك ظل. حاول مجلس القرية تبييضه مرتين، لكنه كان يعود في الصباح.

كانت الدكتورة أميرة تهرب من شيء ما في القاهرة — ربما قضية إهمال طبي أو زوج. لم تذكر شيئًا. دفعت الإيجار لستة أشهر مقدمًا وطلبت المفتاح. كانت يداها ترتعشان حين وقعت الأوراق، لكنني نسبته للتوتر.

بدأت الأمور الغريبة مع السجلات الطبية.

أحضرت لها ملفات الطبيب السابق في اليوم الثالث. نشرتها على مكتبها وهي ترتدي نظارات القراءة. "هذه التاريخات الطبية،" قالت دون أن ترفع نظرها. "إنها مستحيلة."

"كيف ذلك، دكتورة؟"

"هذا الطفل — ليلى منصور. وفقًا لهذا، ولدت بقلب في الجهة اليمنى من صدرها. لكن انظر." أشارت إلى صورة بالأشعة مرفقة بالملف. "القلب بوضوح في الجهة اليسرى."

نظرت إلى الصورة. كان القلب بالتأكيد في الجهة اليسرى.

"وهذا الرجل، عباس الخطيب. تقول الأوراق إن عيونه بنية، لكنني فحصته بالأمس. عيناه زرقاء. بوضوح زرقاء."

عرفت عباس طوال حياتي. كانت عيناه بنية كرمال الصحراء.

نزعت الدكتورة أميرة نظارتها، نظفتها مرتين. "ربما السجلات قديمة. الناس يتغيرون."

لكن القلوب لا تهاجر. والأعين لا تغير لونها.

بدأ الخربشة في الجدران في نفس الأسبوع. ذكرتها الدكتورة أميرة خلال جولات المساء — بدأت تقوم بزيارات منزلية، شيء لم يفعله الدكتور فريد قط. قالت إنه يبدو كأظافر على الجص، دائمًا من داخل الجدران، وليس من الخارج.

"فئران،" اقترحت.

"الفئران لا تخربش بنمط،" ردت. "هذا... متعمد. مثل شفرة مورس."

استمعت معها مساءً. ثلاث خربشات قصيرة. ثلاث طويلة. ثلاث قصيرة.

SOS.

"إنها مجرد تسوية للبيت،" قلت، لكن صوتي كان متصدعًا.

كانت الدكتورة أميرة تفحص الصغيرة نور بكرى عندما لاحظت ظلها يتصرف بغرابة. اشتكت الطفلة من كوابيس — رؤية وجوه في حائط غرفتها. كانت الدكتورة أميرة تقيس حرارتها عندما نظرت إلى الأسفل وتجمدت.

"عمي يوسف،" همست لي. "انظر إلى الأرض."

امتد ظلها عبر البلاط، لكنه لم يكن يقلد حركاتها. بينما كانت الدكتورة أميرة تتكئ فوق الطفلة، كان ظلها واقفًا مستقيمًا، ذراعاه على جنبيه. وعندما استقامت، ظل الظل منحنيا.

"الضوء،" قالت بسرعة. "إنه زاوية الضوء."

لكن المصباح الفلوري كان معلقًا مباشرة فوق رأسها.

حدق الطفل في الظل وبدأ بالبكاء.

تلك الليلة، استدعتني الدكتورة أميرة إلى العيادة. كانت تراجع المزيد من الملفات، وتقارنها مع فحوصاتها.

"كل مريض رأيته،" قالت، بصوت ثابت لكن يديها ترتجفان. "كل واحد لديه حالات طبية تناقض ملفاتهم. كأن... كأن السجلات تصف أشخاصًا مختلفين تمامًا."

أخرجت مجلدًا سميكًا. "لكن هناك نمطًا. انظر."

تم ترتيب الملفات بشكل زمني — ليس حسب عمر المريض، بل حسب تاريخ فحصهم من قبل الدكتور فريد. كان كل سجل مختومًا بتوقيعه وتاريخ. كانت التواريخ تتراجع للخلف.

أحدث ختم كان من عام 1991، العام الذي اختفى فيه الدكتور فريد.

الأقدم كان من عام 1997.

"هذا مستحيل،" قلت.

"إلا إذا،" همست الدكتورة أميرة، "كان يفحص أشخاصًا لم يولدوا بعد."

جلسنا في صمت، وكانت الخربشة في الجدران تزداد ارتفاعًا. ثلاث قصيرة. ثلاث طويلة. ثلاث قصيرة.

نهضت الدكتورة أميرة فجأة. "أحتاج لرؤية مكتب الدكتور فريد. الذي في الطابق العلوي. لم يدخله أحد منذ—"

"دكتورة، من فضلك. تلك الغرفة مغلقة."

"بواسطة من؟"

لم أستطع الإجابة. لم يغلقه مجلس القرية رسميًا. نحن فقط... نعلم ألا ندخل.

صعدت الدكتورة أميرة السلالم على أي حال. تبعتها، مفاتيحي البريدية ترتجف في الظلام.

كان باب المكتب مفتوحًا قليلاً، رغم أنني تذكرت أنه كان مقفلًا. في الداخل، كان مكتب الدكتور فريد كما تركه. كوب قهوته، نصف ممتلئ، لم يحمل أي عفن. تقويمه أظهر 15 أكتوبر 1991 — اليوم الذي اختفى فيه.

لكن 15 أكتوبر 1991 كان محاطًا بدائرة حمراء، مع ملاحظة مكتوبة بخط يده المتقن:

"يصل يوم أ. خ. اليوم. تبدأ الدورة من جديد."

أحرف الدكتورة أميرة.

غرقت في الكرسي خلف المكتب. "هذا مستحيل. لم أعرف حتى بوجود هذا المكان في 1991."

هذا عندما وجدنا ملف المريض الأخير للدكتور فريد.

كان المجلد سميكًا، مليئًا بسجلات طبية تمتد لعقود. أشعة سينية، فحوصات دم، تقييمات نفسية. جميعها تحمل نفس اسم المريض:

الدكتورة أميرة خليل.

سجلت الأوراق تاريخها الطبي بالكامل — اللقاحات التي تلقتها في طفولتها، كسر ذراعها عندما كانت في الثانية عشرة، الفحص الطبي للمدرسة الطبية، حتى فحصها النسائي الأخير في القاهرة.

اختبارات لم تحدث بعد عندما اختفى الدكتور فريد.

الصفحة الأخيرة كانت تشخيصًا، مؤرخة في 15 أكتوبر 1991:

"المريضة تعاني من متلازمة الاضطراب الزمني الحاد. الوعي موجود بشكل متزامن عبر فترات زمنية متعددة. المريضة تعتقد أنها تعيش الزمن الخطي، لكنها في الواقع تعيش الأحداث نفسها مرارًا وتكرارًا، مع اختلافات طفيفة. انتهى التكرار السابق باندماج المريضة في الشذوذ الزمني المحلي. يوصى بالتدخل الفوري."

تحت ذلك، بخط يد مختلف — خط يد الدكتورة أميرة نفسها، رغم أنها لم تكتبه قط:

"فشل التدخل. الوعي المريض مجزأ عبر الخط الزمني. يبدأ التكرار الجديد بوصول المريضة. يحتاج البيت إلى طبيب. البيت دائمًا يحتاج إلى طبيب."

حدقت الدكتورة أميرة في الصفحة. "كتبت هذا. لكنني لم أره من قبل."

نظرت إليّ، وللحظة، وجهها تذبذب. مثل تلفاز بتردد ضعيف، تغيرت ملامحها بين وجهها ووجه شخص آخر — رجل بلحية وعيون طيبة.

عيون الدكتور فريد.

"عمي يوسف،" قالت بصوتها، لكن مع تنغيمه. "أخبرني. ما هو العام الآن؟"

تراجعت نحو الباب. "1994."

ابتسمت، ولتلك اللحظة، كانت الدكتور فريد بالكامل. "هل أنت متأكد؟"

ركضت إلى الطابق السفلي لأتحقق من تقويمي البريدي.

التاريخ كان 15 أكتوبر 1991.

عندما عدت إلى المكتب، كانت الدكتورة أميرة قد اختفت. جلس الكرسي فارغًا، لكن ظلها بقي فيه، يستعرض الملفات الطبية بأيدي ظلية.

أصبحت بوسطجي القرية في يوم اختفاء الدكتور فريد. أوصل البريد منذ ثلاث سنوات الآن، في انتظار قدوم الطبيب الجديد.

هذا الصباح، رأيت الغبار على الأفق. سيارة تويوتا قديمة تقترب من قريتنا.

البيت جاهز. الملفات مُعدة. ستصل الدكتورة أميرة خليل قريبًا، تحمل حقيبتها الطبية كما لو كانت درعًا.

أحتاج لتحذيرها بشأن السجلات. عن كيف لا تتطابق المرضى مع ملفاتهم.

لكنني أعلم أنني لن أفعل.

البيت يحتاج إلى طبيب.

البيت دائمًا يحتاج إلى طبيب.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن