المعلم الليلي لمسجد الخراب

4 دقائق قراءة
74 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

لا زلت أستطيع شم رائحة البخور حتى عندما أغمض عيني. لكنه ليس من النوع الحلو الذي تجده في السوق، بل شيء أقدم. محترق. خاطئ.

اتصل بي ابن عمي يوسف منذ ثلاثة أشهر، صوته يتقطع عبر هاتفه النوكيا. "أميرة بحاجة إلى عمل"، قال. "هناك وظيفة تدريس. دروس ليلية للكبار الذين فاتتهم المدرسة خلال الحرب."

كانت القرية تُدعى قصر الخراب، رغم أن القلاع لم تقم هناك منذ قرون. مجرد بيوت بلون الغبار متجمعة حول مسجد قديم، ومئذنته مائلة مثل إصبع مكسور في مواجهة السماء.

وصلت أميرة يوم الخميس. قدتها بنفسي، أراقبها وهي تمسك بخططها الدراسية—الهندسة والأدب العربي للفلاحين وأصحاب المحلات الذين يرغبون في تحسين أنفسهم. كانت في الثانية والأربعين، صبورة مثل الحجر، ويداها ملطختان باللون البنفسجي الدائم من سنوات تصحيح الأوراق.

"المسجد يبدو قديمًا"، قالت وهي تعدل حجابها ضد الرياح الصحراوية.

كان يجب علي أن ألاحظ الظلال حينها. كيف كانت تسقط نحو الشرق بينما الشمس معلقة في الغرب.

التقينا الإمام، حسن بن مروان، عند مدخل المسجد. رجل عجوز بعيون حليبية تتابع الحركة كما لو كان بإمكانه رؤية ما وراء الجدران.

"تبدأ الدروس بعد المغرب"، قال. "وتنتهي قبل الفجر. أبدًا ليس خلال أوقات الصلاة."

أمر معقول.

"المحراب لا يُقترب منه. أبدًا."

عبست أميرة. "لكن سيدي، إنه مجرد زخرفة—"

"أبدًا." كانت أصابعه مثل عظام صفراء. "وإذا سمعت الأذان بين منتصف الليل والفجر، تجاهله. المؤذن مات منذ خمسة عشر عامًا."

في الأسبوع الأول، درست أميرة اثني عشر طالبًا في قاعة المسجد الرئيسية. المصابيح الزيتية كانت تلقي ظلالًا متراقصة على الجدران، وصوتها كان يتردد بشكل غريب في الفضاء المقنطر. كانت تتصل بي كل ليلة بعد الدرس، متحمسة.

"إنهم متحمسون للتعلم، يا خليل. هذا الرجل العجوز، أبو راشد، يحفظ قصائد كاملة. وفاطمة—تحل المعادلات الجبرية كما لو ولدت لذلك."

سمعت الفخر في صوتها. التعليم كان رسالتها.

بدأ الشعور بالخطر صغيرًا. الطلاب يصلون دون ذاكرة عن طريقهم إلى المسجد. خط يد أبو راشد يتغير في منتصف الجملة، ليصبح خطًا مزخرفًا لا يستطيع قراءته. فاطمة تتحدث الفارسية بطلاقة، لغة لم تسمعها من قبل.

"إنهم فقط متعبون"، بررت أميرة. "يعملون طوال النهار ويدرسون طوال الليل."

لكن صوتها بدأ يتغير. أعمق. أكثر رنانة. عندما كانت تلقي الشعر، كانت الكلمات تحمل وزنًا يجعل لهب المصابيح يتراقص.

في الأسبوع الثالث، كان الطلاب مختلفين. يجلسون بشكل مستقيم للغاية. يتنفسون في انسجام. عيونهم تنعكس فيها ضوء المصابيح مثل زجاج مصقول.

"أميرة"، قلت خلال أحد اتصالاتنا. "ربما يجب أن تأتين إلى المنزل لقضاء عطلة نهاية الأسبوع."

"لا أستطيع." كان صوتها حريرًا مع الفولاذ. "إنهم بحاجة إلي. أعلمهم أشياء... أشياء مهمة."

"ما الأشياء؟"

امتدت الصمت بيننا مثل نفس محبوس.

"معرفة قديمة"، قالت أخيرًا. "رياضيات مقدسة. الأسماء الحقيقية للأشياء."

انقطع الخط.

قدت إلى قصر الخراب في الصباح التالي. كانت القرية فارغة. المنازل مفتوحة، الأبواب تتأرجح في الرياح. وجدتها في المسجد، واقفة أمام المحراب—المحراب الذي لا يواجه مكة، بل يواجه شيئًا آخر تمامًا.

كانت تكتب على الجدار. رموز تؤلم النظر إليها. رياضيات تثني الفضاء.

"أميرة."

استدارت. لا تزال ابنة عمي، لكن عينيها كانتا تحملان أعماقًا لم تكن موجودة من قبل. عندما ابتسمت، كانت أسنانها بيضاء للغاية.

"خليل. أنت في الوقت المناسب للدرس الأخير."

خلفها، جلس الطلاب في صفوف مثالية. أجسادهم كانت هناك، لكن عيونهم—عيونهم كانت في مكان آخر. تراقب. تنتظر. محبوسة داخل لحم لم يعد يطيعهم.

"ماذا فعلتِ؟"

"تعلمتُ"، قالت، وكان صوتها اثني عشر صوتًا تتحدث في انسجام. "المسجد بني على عتبة. المحراب لا يواجه مكة—إنه يواجه الفراغات بين. وكل ليلة، كنت أعلم طلابي فتح أبواب يجب أن تبقى مغلقة."

كان الهواء بطعم النحاس والرمال المحترقة.

"ما زالوا هناك"، همست، مشيرة إلى طلابها. "يشاهدونني أستخدم أجسادهم. غير قادرين على إيقافي. تمامًا مثلي."

يدها تحركت إلى حلقها، الأصابع تتبع شكل سلاسل غير مرئية.

"بدأت مع طالب واحد. أبو راشد. شيء قديم، جائع، يبحث عن طريق للدخول. اعتقدت أنني أستطيع مساعدته. تعليمه السيطرة." ضحكتها كانت زجاجًا يتكسر. "لكن المعلمون لا ينقلون المعرفة فقط، خليل. إنهم يتلقونها أيضًا."

بدأت المصابيح الزيتية تضعف. في الظلام المتزايد، رأيتهم—أشكال تتحرك في الظلال الملقاة من لا شيء على الإطلاق.

"اهرب"، قالت أميرة، وللحظة، كان صوتها خاصًا بها تمامًا. يائسًا. مرعوبًا. "قبل أن ينتهي الدرس."

ركضت.

احترقت القرية خلفي. ليس بالنار—بل بشيء يستهلك الضوء نفسه. عندما وصلت السلطات، وجدوا مبانٍ فارغة فقط ومسجد بمحرابه يواجه الاتجاه الخاطئ.

لكن أحيانًا، في وقت متأخر من الليل، يرن هاتفي. يظهر الرقم رقم أميرة، رغم أن هاتفها ذاب في النيران.

عندما أجيب، أسمع صوتها. تُعلم. دائمًا تُعلم.

وفي الخلفية، اثنا عشر طالبًا يرددون دروسًا بلغة تسبق اللغة البشرية، أصواتهم تزداد قوة مع كل كلمة.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن