المحراب الذي أشار إلى الغرب

5 دقائق قراءة
62 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

أروي هذه القصة بناءً على طلب الشيخ محمود قبل أن يأخذوه بعيدًا. قال إنه يجب على أحدهم أن يتذكر ما حدث في قرية القاصية قبل أن تنسى الخرائط وجودها تمامًا.

كنت سائقًا له في صيف عام 2003، أنقله بين القرى لأداء صلاة الجمعة. كان هاتفي النوكيا يفقد الإشارة لساعات في تلك الأماكن المنسية، لكن الأجر كان جيدًا والشيخ كان كريمًا. حتى وصلنا إلى تلك القرية التي لم يكن للمئذنة ظلّ في الظهيرة.

جاء الاتصال يوم الثلاثاء. كانت فاطمة شقيقة الشيخ محمود قد توفيت في نومها في قرية القاصية، قرية لم أسمع بها قط رغم عشرين عامًا من القيادة على هذه الطرق. أظهر جهاز الملاحة في سيارتي القديمة صحراء قاحلة حيث أرشدني للانعطاف.

قال "الطريق جديد"، لكن الإسفلت كان يبدو عتيقًا، متصدعًا كجلد جاف.

تربعت قرية القاصية في منخفض بين الكثبان الرملية، بيوت بلون العظم القديم. كان المسجد يهيمن على الساحة بحجره الجميل، لكن شيئًا ما جعل عيني تدمعان عندما نظرت إليه مباشرة. عبس الشيخ ونحن نقترب.

همس "المحراب... يتجه نحو الغرب."

لم أفهم حينها. المحاريب تتجه نحو مكة، نحو الشرق. أما هذا فيشير نحو غروب الشمس، نحو أراضي الموتى.

استقبلنا أهل القرية بترحيب فاتر. كانت فاطمة مستعدة للدفن، لكن عندما بدأ الشيخ الصلاة على الجنازة، انكسر صوته. توقف في منتصف الآية، محدقًا في وجه شقيقته.

قال لاحقًا ونحن نجلس في غرفة الضيوف: "شفتاها... كانتا تتحركان."

تردد الأذان من المئذنة في الساعة الثالثة صباحًا. ثم في الفجر، لكن تحت الأرض، وكأن المؤذن يقف في بئر. نهض الشيخ للتحقق، فتبعته، وضوء هاتفي الخافت ينحت ظلالًا غريبة تتحرك على الجدران.

كان المسجد فارغًا. المحراب كان فاغرًا كفم.

قال الشيخ: "أحدهم يلعب بالخدع"، لكن صوته كان مرتعشًا. كان رجلاً متعلمًا، عقلانيًا، لكن شيئًا في ذلك المحراب الذي يواجه الجهة الخاطئة جعله يتلعثم في الآيات المألوفة.

دفنّا فاطمة في اليوم التالي. عندما كانت الأرض تسقط على كفنها، سمعت صوتها بوضوح: "أخي، لماذا تدفني باتجاه الجهة الخاطئة؟"

شحب وجه الشيخ. فقط هو وأنا سمعنا ذلك.

قال بحزم: "هلاوس سمعية. الحزن يظهر بطرق مختلفة."

لكن في تلك الليلة، طرقت بابنا.

استيقظت على طرقات لطيفة، الصوت الذي كانت تصدره فاطمة في حياتها عند الزيارة ليلًا. جلس الشيخ منتصبًا، يستمع لصوت شقيقته المتوفاة تناديه. ليس من خارج الباب، بل من داخل الجدران نفسها.

"محمود، أخي، لماذا لا تجيب؟ الصلاة هنا مختلفة جدًا. الكلمات تسير بالعكس. الجماعة تواجه الجهة الخاطئة. الجميع هنا يواجه الجهة الخاطئة."

ضغط الشيخ يديه على أذنيه، يتلو آيات الحماية، لكن صوت فاطمة تبعنا في أرجاء المنزل. في المطبخ: "الطعام له طعم تراب." في الحمام: "المرآة تظهر ما كان، لا ما هو كائن." في غرفتنا: "أشعر بالبرد الشديد، يا أخي. برد شديد."

بحلول الصباح، توقفت عن مناداتنا من الجدران. الآن كانت تنادي من تحت الأرضيات.

حاول الشيخ المغادرة. لم تعمل سيارتي. الطريق الذي سلكناه امتد بلا نهاية في كلا الاتجاهين، مشيرًا بالحجارة التي تتحرك عندما لا أنظر إليها مباشرة. راقبنا أهل القرية من نوافذهم لكنهم لم يخرجوا في وضح النهار.

قال الشيخ: "نحن نُختبر"، لكن يقينه كان يتصدع كالجص القديم.

في الليلة الثالثة، تغير صوت فاطمة. أصبح أعمق. أصوات متعددة تتحدث كواحد.

"تعال إلى المسجد، أخي. تعال لترى ما تعلمناه. الصلوات التي تواجه الغرب تصل إلى آذان مختلفة. آذان قديمة. آذان صبورة. لدينا أشياء رائعة لنريك إياها."

نهض الشيخ كالنائم. حاولت منعه، لكنه تحرك بقوة غير بشرية، عيونه تعكس ضوء القمر كعيون الحيوان.

كان المسجد مليئًا بالمصلين الذين لم أرهم من قبل - عشرات الأشكال في أكفان الدفن، مصطفة في صفوف متقنة، كلها تواجه المحراب الغربي. تمايلوا كواحد، يتلون آيات بلغة سبقت العربية، سبقت اللغة البشرية.

وقفت فاطمة في مقدمتهم، لكن وجهها كان خاطئًا - زوايا كثيرة، ملامح تتحرك كالرمال. عندما ابتسمت، امتدت أسنانها في حلقها إلى الأبد.

قالت الجماعة بصوت واحد: "مرحبًا، أخي. انضم إلينا في الصلوات التي تدعو لمن ينام تحت العالم. الآلهة القديمة تستيقظ. الحواجز تصبح رقيقة. قريبًا سيتجه كل محراب نحو الغرب، وكل صلاة ستوقظ ما ينبغي أن ينام."

حاول الشيخ الهرب. اختفت الأبواب. امتدت الجدران صعودًا إلى ظلام ابتلع صرخاته.

وجدته في صباح اليوم التالي في المحراب نفسه، راكعًا في وضع الصلاة، مواجهًا الغرب. شعره أصبح أبيض بين عشية وضحاها. عيناه كانت مفتوحة لكنها لم ترَ شيئًا من هذا العالم.

عندما تحدث أخيرًا، بعد ساعات، كان في تلك اللغة القديمة. لكن أحيانًا - فقط أحيانًا - كان صوته الخاص يخرج، يتوسل إلي أن أتذكر، أن أخبر أحدًا، أن أحذرهم.

ظهر الطريق مرة أخرى عند غروب الشمس. قدت بلا توقف، مرآتي الخلفية تظهر صحراء خالية من ورائي. عندما وصلت إلى الحضارة، حاولت الاتصال بالسلطات، لكن هاتفي لم يظهر أي مكالمات حديثة، ولا سجل GPS للرحلة.

لقد تحققت من كل خريطة منذ ذلك الحين. قرية القاصية لا وجود لها.

لكن أحيانًا، في وقت متأخر من الليل، أسمع الأذان من الغرب. وأعلم أنه في مكان ما، في قرية لم تكن، تنمو الجماعة أكبر. تنتظر اليوم الذي يتجه فيه كل محراب نحو الجهة الخاطئة، وأشياء تحت الأرض تستيقظ أخيرًا.

يجلس الشيخ محمود الآن في المستشفى، يرسم أنماطًا هندسية على الجدران بأظافره. يقول الأطباء إنه في حالة جمود، لكنني أعرف أفضل.

لا يزال يصلي. لا يزال يتجه نحو الغرب. لا يزال يدعو لآلهة لا ينبغي أن تجيب.

وفي كل ليلة، قبل الفجر بقليل، أسمع صوت فاطمة في جدراني، تسأل لماذا لا أعود إلى المنزل.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن