العودة إلى الخريطة المفقودة

5 دقائق قراءة
66 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

ضربتني الحلاوة أولاً. ليس حرارة الصحراء أو أنفاس عمر المتوترة بجانبي، بل تلك الرائحة الثقيلة - مثل البلح الذي تُرك طويلاً تحت الشمس، وتخمر إلى شيء لا ينبغي أن يوجد.

"هل أنت متأكد أن هذا هو المكان؟" عدل عمر حزام الكاميرا، وكان العرق قد بدأ يغمق قميصه رغم أن الوقت كان مبكرًا. قطعنا ثلاث ساعات داخل المنطقة العازلة بين سوريا والأردن، حيث لا ترفرف أعلام أي دولة وتظهر الخرائط فقط كساحة فارغة.

راجعت ملاحظاتي مرة أخرى. "خليل بن راشد. ولد عام 1975. اختفى قبل ستة أشهر أثناء تحقيقه في تهريب السلاح عبر المنطقة." كل من تحدثت إليهم ذكروا هذا المنزل - منزل الطفولة الذي عاد إليه خليل للقاء مصدره الأخير. كل شخص تحدثت معه كان يملك نفس النظرة المسكونة عند وصفه. نفس الطريقة التي رفضوا فيها النظر إليّ مباشرة عند ذكر اسمه.

المنزل كان يجثم على الأفق مثل جرح في المشهد. طابق واحد، بناء حجري تقليدي، لكن هناك شيء خاطئ. الظلال تسقط بزاويا تؤلم العين، وتبدو وكأنها تتحرك عندما لا أنظر إليها مباشرة.

"الحيوانات لا تقترب منه," قالت المرأة العجوز عند نقطة التفتيش، كلماتها تردد في ذاكرتي. "حتى العقارب تموت في دوائر كاملة حول المحيط."

كانت على حق. الأرض كانت مليئة بالجثث الصغيرة مرتبة في أنماط هندسية تجعل عينيّ تدمع.

توقف عمر عن المشي. "أميرة، انظري إلى هذا." أشار إلى آثار إطارات في الرمل - آثار طازجة تؤدي إلى المنزل، لكن لا توجد أي آثار تعود.

كان الباب الأمامي مفتوحًا قليلاً. الظلام في الداخل كان ينبض.

"خليل؟" ناديت. اختفى صوتي داخل المنزل بلا صدى، ابتُلع تمامًا. "نحن صحفيين. نريد المساعدة في سرد قصتك."

امتد الصمت حتى لمس عمر كتفي. "ربما هو ليس..."

"أنا هنا." جاء الصوت من الداخل، دافئ ومألوف رغم أنه ينتمي لرجل لم ألتق به من قبل. "من فضلك. ادخلي. لقد كنت أنتظر."

غمرني شعور بالراحة. ستة أشهر من الطرق المسدودة، وأخيرًا—

كان الداخل أبرد مما ينبغي. جلس خليل على طاولة خشبية، ظهره لنا، كتفاه منحنية فوق ما بدا وكأنه خرائط. كان أصغر مما توقعت، ربما في الأربعينات، مع شعر أشيب قبل الأوان.

"وجدتني," قال دون أن يدير وجهه. "كنت أعلم أنك ستفعلين ذلك. لقد كنت أتابع تحقيقك، أميرة. عمل دؤوب."

لم أكن قد ذكرت اسمي.

كان عمر يصور بالفعل، الضوء الأحمر يومض بثبات. "هل يمكنك أن تخبرنا عن قصتك؟ شبكة التهريب؟"

اهتزت كتفا خليل - ضحك أو بكاء، لم أتمكن من التحديد. "قصة؟ تظنين أن الأمر يتعلق بالتهريب؟" استدار أخيرًا.

كان وجهه تمامًا كما توقعت من الصور الفوتوغرافية. تمامًا. حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر، الأنف المائل قليلاً. لكن عيناه...

عيناه حملتا عمق ليالي الصحراء، مليئة بالنجوم ولا نهاية لها. عندما نظرت إليهما، رأيت انحناء الفضاء نفسه، الرياضيات الرهيبة التي تحكم الفراغات بين العوالم. حاول عقلي استيعاب ما كان يراه وبدأ يتلاشى عند الحواف.

"الخرائط," همس، مشيرًا إلى الطاولة. "جئت إلى هنا للقاء مصدر، لكنني وجدت هذه بدلاً من ذلك. خرائط جدي. منذ بناء هذا المنزل. هل تعلمين ما هو هذا المكان حقًا؟"

لم أستطع الابتعاد عن تلك العيون المستحيلة. "أخبرني."

"عتبة. عرفها القدماء. بنوا منازل على الأماكن الرقيقة، حيث تصبح الأغشية بين العوالم نفاذة. خلال الحروب، عندما تحولت الحدود ونسيت الحكومات أماكن مثل هذه..." ابتسم، وأسنانُه تعكس ضوءًا ليس هناك. "تنزلق الأشياء."

أسقط عمر الكاميرا. "أميرة، علينا المغادرة. الآن."

لكنني كنت مأسورة بالخرائط المنتشرة على الطاولة. أظهرت المنزل من الأعلى، ولكن أيضًا من الأسفل، من زوايا لا ينبغي أن توجد. الرسومات صورت غرفًا تطوي على نفسها، ممرات تقود إلى الفراغ بين النجوم. وفي المركز، شخصية—

"هذا أنا," همست. الشخصية في الخريطة كانت تحمل وجهي، ملامحي الدقيقة، مرسومة بحبر يبدو وكأنه يتحرك على الرق. "لكنني لم أكن هنا من قبل."

كانت ضحكة خليل صوت الرمل يتغير في الريح. "ألستِ كذلك؟ انظري عن كثب."

الشخصية في الخريطة كانت تحمل قلمًا. تكتب. بينما أراقب، ظهرت كلمات على الرق بخط يدي: *"ضربتني الحلاوة أولاً..."*

"أنتِ لم تأتي هنا للتحقيق في اختفائي," قال خليل، وصوته كان يأتي من كل مكان الآن - من الجدران، من الهواء نفسه. "أنتِ هنا لأن هذا هو المكان الذي كنتِ فيه دائمًا. حيث تنتمين. كتبت الخرائط قبل أن تولدي، لكنهم عرفوا أنك ستأتين."

كان عمر يصرخ، لكن صوته بدا بعيدًا، كما لو كان يأتي من غرفة أخرى. عالم آخر.

فهمت حينها. المقابلات، التحقيق—لم أكن أتبع قصة خليل. كنت أتبع فتات الخبز للعودة إلى هذا المكان، هذه اللحظة، هذا الإدراك بأن بعض القصص لا تنتهي بالكشف.

تبدأ به.

كان البيت يتنفس من حولنا، الجدران تتسع وتتقلص مثل الرئتين. الخرائط على الطاولة أظهرت غرفًا جديدة الآن، هندسيات مستحيلة لا توجد إلا عند ملاحظتها. وفي كل غرفة، شخصية تبدو تمامًا مثلي، تكتب نفس القصة، تكتشف نفس الحقيقة، إلى الأبد.

"مرحبًا بك في المنزل، أميرة," قال الشيء الذي لم يكن خليل أبدًا. "لقد انتظرنا طويلاً."

كان القلم بالفعل في يدي. الكلمات كانت تتدفق بالفعل على الرق الذي تجسد تحت أصابعي. كنت أكتب قصتنا، قصتي وقصة عمر، كما كُتبت من قبل، كما ستكتب مرة أخرى.

ازدادت الحلاوة في الهواء قوة. في مكان ما، في تكرار آخر لهذه اللحظة، نسخة أخرى من نفسي كانت تقود نحو هذا المنزل لأول مرة، تتابع قصة عن صحفي مفقود يدعى عمر.

الخرائط لا تكذب أبدًا. إنها ببساطة تظهر ما كان مقدرًا أن يكون.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن