العباءة الراكدة
تنويه هام
هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.
العباءة الراكدة
الليل في "كفر السند" ليس مجرد وقت، بل هو لزوجة سوداء تهبط على البيوت الطينية فتخنقها.
أنا عاصم. في الرابعة والثلاثين من عمري، طبيعة عملي كمهندس ري فرضت عليّ مصادقة الأماكن الميتة في أوقات لا يخرج فيها إلا الشيطان. كنت دائماً أسخر من حكايات العجائز عن "النداهة" وظلال المقابر، وأعتبر الخوف مجرد قلة وعي. لكن تلك الليلة في أواخر الخريف غيرت كل شيء، الليلة التي انسلخ فيها عقلي عن بكرة أبيه.
جاءني بلاغ سخيف عن انسداد في الهويس القديم. مجرى مائي مهجور تماماً منذ الستينيات، يقع في أطراف القرية خلف غابة كثيفة من قصب السكر. الساعة كانت تقترب من الحادية عشرة ليلاً، والبرد يلسع العظام كالإبر. أخذت كشافي اليدوي الثقيل، رميت حقيبة المعدات في صندوق السيارت النصف نقل، وانطلقت.
حين وصلت، ضربني هدوء غريب. صمت ثقيل ومريب لدرجة أنني كنت أسمع صوت دقات قلبي. حتى صراصير الليل التي لا تسكت أبداً، كانت غائبة. ترجلت، وتقدمت نحو المجرى. قصب السكر على الجانبين كان طويلاً ومتلاحماً، كأنه جدار من أجساد نحيلة تراقبني في العتمة.
وجهت ضوء الكشاف نحو الماء الطيني الراكد. ثمة شيء يطفو هناك. في البداية ظننته جذع شجرة أو جيفة حيوان، لكن حين ركزت الضوء، شعرت ببرودة مفاجئة جمدت الدماء في عروقي.
كانت عباءة نسائية سوداء قديمة. تطفو منبسطة تماماً على سطح الماء، وكأن شخصاً مستلقياً على ظهره تحت الماء يرتديها. الغريب، والمرعب حقاً، أن القماش لم يكن مبتلاً كلياً، بل كان يتحرك بتموجات خفيفة... عكس تيار الماء البطيء.
"مين هناك؟" صرخت. صوتي خرج ضئيلاً، مهزوزاً، ومرعوباً.
لم يأتِ رد، لكن العباءة بدأت تقترب. لم تكن تطفو مع التيار، بل كانت تشق الماء بثبات باتجاه الضفة التي أقف عليها. تراجعت خطوة للوراء، فتعثرت بجذر شجرة جاف وكدت أسقط. وفي تلك اللحظة بالذات... انطفأ الكشاف.
العالم تحول إلى حبر أسود. ضربت الكشاف بكف يدي بغضب وخوف، فرمش الضوء لثانية واحدة قبل أن يثبت. وفي تلك الثانية، رأيتها.
كانت تقف على حافة الماء. على بعد مترين مني فقط. لم أسمع صوت خروجها من الماء، ولم تكن تقطر منه قطرة واحدة. امرأة فارعة الطول، ترتدي تلك العباءة التي تفوح منها الآن رائحة مقززة... خليط من طين القبور العطن والياسمين المتعفن. أما وجهها، يا الله، وجهها لم يكن بشرياً بالمرة. كان جلدها أبيض شاحباً كشمع الأموات، وعيناها... لم يكن فيهما بياض ولا حدقات، مجرد تجويفين واسعين يملؤهما سواد مطبق يمتص الضوء.
تسمرت. ركبتي لم تعد قادرة على حملي. أردت الركض، الصراخ، لكن عقلي انفصل عن جسدي تماماً.
حركت رأسها ببطء شديد يثير الغثيان، وصدر منها صوت لم يكن كلاماً، بل أشبه بحشرجة الموت مختلطاً بصوت حك سكين صدئة على لوح زجاج. قالت بلغة مشوهة، لكني فهمتها بوضوح داخل رأسي: "عدتَ يا عاصم... لقد أبطأت كثيراً".
كيف تعرف اسمي؟!
هنا انطلقت غريزة البقاء. ألقيت بالكشاف الثقيل في وجهها، والتقطت أنفاسي في صرخة مكتومة، ثم التفت وركضت نحو السيارة كالمجنون. كنت أسمع خلفي صوت خطواتها. لم يكن ركضاً، بل ضربات منتظمة وثقيلة على الأرض الطينية: طَب... طَب... طَب...، لكنها كانت سريعة جداً، أسرع من خطراتي بكثير.
فتحت باب السيارة بارتعاش شلّ أصابعي، ألقيت بنفسي داخلها وأغلقت الباب بقوة. أدخلت المفتاح ويداي ترتجفان لدرجة أنني كدت أكسره في المجرى. دار المحرك وأصدر هديراً مريحاً. تنفست الصعداء ونظرت في المرآة العاكسة خلفي.
الطريق الترابي كان خالياً. لا أحد.
هدأت دقات قلبي قليلاً. "لقد خُيّل إليك"، همست لنفسي محاولاً التمسك بأي قشة عقلانية، "إنه الإرهاق وضغط العمل اللعين". عشقت ناقل الحركة وضغطت على دواسة الوقود، وتحركت السيارة مبتعدة عن ذلك المكان الممسوخ.
كنت أقود بسرعة جنونية على الطريق الضيق المحاط بالقصب. وفجأة، شعرت برطوبة خانقة داخل الكابينة. الجو أصبح بارداً لدرجة أن أنفاسي بدأت تخرج على شكل بخار أبيض. ورائحة الياسمين المتعفن... بدأت تتسرب إلى خياشيمي، قوية، ومكثفة.
نظرت إلى المرآة الداخلية ببطء، والعبث كله يعبث برأسي.
في المقعد الخلفي، كان هناك ظل أسود يتشكل. لم تكن تجلس، بل كانت ممددة على المقعد بطولها، ووجهها الشمعي الأبيض ملاصق تماماً لزجاج النافذة الخلفية، وعيناها السوداوان مثبتتان عليّ من خلال المرآة.
انحرفت السيارة مني يميناً ويساراً، واصطدمت بجذع شجرة على جانب الطريق بقوة. توقف المحرك، وانطفأت الأنوار، وساد الصمت مجدداً.
التفتُّ إلى الخلف مجبراً، كأن يداً خفية تلتوي عنقي بعنف. كانت تقترب بوجهها من الفراغ بين المقعدين الأماميين. فمها كان يفتح ببطء، يفتح بشكل غير طبيعي يتجاوز حدود الفك البشري، ليكشف عن صفوف من الأسنان الرفيعة المدببة كأشواك السمك، ولسان أسود طويل يتحرك بتشنج.
"البيوت لا تحمي... والسيارات لا تهرب..." همست بتلك الحشرجة، وشعرت بأنفاسها الباردة كالثلج تلامس جلد رقبتي.
أمسكت بمقبض الباب وحاولت فتحه، لكنه كان عالقاً. بدأت أضرب الزجاج بكل قوتي، أصرخ بكامل صوتي، والدموع تملأ عيني. شعرت بأصابعها، أصابع طويلة ذات أظافر سوداء حادة، تلامس كتفي. كانت لمستها تحرق جلدي كالنار رغم برودتها الميتة.
أغمضت عيني، واستسلمت. بدأت أقرأ ما تيسر لي من آيات القرآن بصوت مبحوح ومتقطع، كنت أخطئ في الكلمات من شدة الرعب، لكنني استمررت. ومع كل آية، كانت أصابعها تضغط أقوى، وصراخها يرتفع في أذني كعاصفة تمزق طبلة الأذن.
ثم... فجأة، انقطع كل شيء.
فتحت عيني. كانت الشمس تشرق، وخيوطها تخترق زجاج السيارة المهشم. كنت ممدداً على عجلة القيادة، وجسدي كله يؤلمني كأنني تعرضت للضرب. نظرت حولي؛ السيارة مصدومة بالشجرة، لكن المقعد الخلفي كان فارغاً تماماً. لا أثر للمرأة، ولا أثر للرائحة.
تنفست الصعداء. ظننت أن الكابوس انتهى، وأنني نجوت. خرجت من السيارة بصعوبة، وسرت مشياً على الأقدام حتى وصلت إلى أطراف القرية.
لكن الناس كانوا ينظرون إليّ بنظرات غريبة. نظرات رعب وذهول مريب. لم يتحدث إليّ أحد، بل كانوا يتراجعون إلى الوراء كلما اقتربت خطوة. ركضت نحو منزلي، فتحت الباب ودخلت، وذهبت مباشرة إلى الحمام لأغسل وجهي المتسخ بالتراب والعرق.
ملأت كفي بالماء، ورفعت رأسي لأنظر في المرآة.
تجمدت الحياة في عروقي للمرة الأخيرة.
وجهي في المرآة لم يكن وجهي. كانت ملامحي كما هي، لكن عيني... لم يعد فيهما بياض. كانتا مجرد تجويفين واسعين يملؤهما سواد مطبق ومظلم، ومن خلفي في المرآة، كانت العباءة السوداء تقف، وأصابعها الطويلة مستقرة على كتفي. وجدت نفسي أبتسم في المرآة بفك يفتح بشكل مرعب، وأنا أسمع صوتي الخاص يخرج من حنجرتي بحشرجة ميتة يقول: "الآن... استقرينا".
بقلم
غيم
كاتب مساهم في موقع قصص رعب
قيّم هذه القصة
التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)
شارك القصة (0)
قصص مشابهة من قصص الجن
أصوات الليل في بيت الجد
في ليلة هادئة في بيت جدي القديم، بدأت الأصوات تظهر من الزوايا المظلمة، تنذر بالكشف عن أسرار طويلة مدفونة.
لعنة الدار المسحورة
في قلب الصحراء العربية، حيث الأسرار تُحكم بالأساطير القديمة، وجدت نفسي محاصراً بلعنة جنية قديمة تهدد حياتي.
ظلال في بيت الجص
عندما قررت الانتقال إلى ذلك البيت القديم في القرية، لم أكن أعلم أنني سأواجه كائنات خفية تهيم في الليل كالأشباح.
الساكنة غير المرئية
في إحدى الليالي المظلمة، تسللت إلى بيت جدي القديم في القرية، حينها بدأت أسمع أصواتاً غريبة لم أكن أستطيع تفسيرها.