الضيف العائد من الظلال

9 دقائق قراءة
107 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

اهتز فنجان القهوة في يدي بينما كنت أشاهد ابنتي ليلى تنظف أسنانها عبر مرآة الحمام. خلف انعكاسها، وجه آخر ابتسم لي—وجهي، لكنه كان خطأً. العيون كانت تحمل معرفة لم أتعلمها أبدًا.

أنا خالد المنصوري، عمري اثنان وأربعون عامًا، أب لثلاثة أطفال، حارس لشيء لم أفهمه. البيت الذي بناه جدي في عمان يحتوي على سبع وثلاثين غرفة، رغم أنني لم أعد سوى ست وثلاثين. الجدران تتنفس ليلًا، تتمدد وتنقبض كأنها رئات مملوءة برمال الصحراء. أحيانًا أضغط بكفي على الحجر البارد وأشعر بنبض ليس لي.

لكن كل ذلك لا يهم الآن. ما يهم هو الرجل الذي انتقل للعيش بجوارنا منذ ثلاثة أسابيع، الذي يعرف أسماء أطفالي قبل أن أقدمهم، والذي يظهر في صور عائلتنا قبل أن يوجد.

***

بدأ الأمر بالمجاملة. أحمد قاسمي طرق بابنا بطبق من المعمول لا يزال دافئًا من الفرن، النوع الذي كانت جدتي تصنعه بنفس النقشة في العجين. دعته زوجتي نادية للدخول، بالطبع. نحن أهل كرم.

"منزلك جميل،" قال وهو يجلس في كرسي جدي كما لو أنه جلس هناك ألف مرة من قبل. "الجدران تحمل تاريخًا عظيمًا."

درست ملامحه—ملامح زاوية، لحية ملح وفلفل، عيون بلون سماء الشتاء. وسيم بطريقه التي تروي عن شمس الصحراء وحياة حذرة. كل شيء فيه بدا مألوفًا، مثل حلم نصف مُتَذَكّر.

"هل التقينا من قبل؟" سألت.

ابتسامته لم تتغير. "بطريقة ما، عرفنا بعضنا طوال حياتنا."

ضحكت نادية، وهي تجلب الشاي على صينية الفضة الفاخرة. "كان أحمد يخبرني عن عائلته. جده يعرف جدك، خالد. كانوا يعملون معًا على شيء ما... ما كان ذلك؟"

"الأساس،" قال أحمد بهدوء. "حفروا عميقًا للأساس."

استقر البيت حولنا بصوت كأنه تنهيدة.

***

في تلك الليلة، وجدت نادية تحدق في ألبوم زفافنا. كانت الصفحات مبعثرة على سريرنا كأنها اتهامات.

"انظر،" همست، مشيرةً إلى صورة من حفل الاستقبال. هناك، في الخلفية، وقف أحمد قاسمي. نفس الوجه، نفس الابتسامة، نفس العيون الشتوية. كان يرتدي بدلة داكنة ويمسك بكأس عصير، يراقبنا ونحن نقطع الكعكة.

"فوتوشوب،" قلت، لكن صوتي تشقق. "شخص يلعب مزحة."

قلبت المزيد من الصفحات. أحمد في عيد ميلاد ليلى الأول، يقف خلف الضيوف الآخرين. أحمد في جنازة والدي، يده على كتفي بإيماءة من التعزية لم أذكر تلقيها. أحمد في المستشفى عندما ولدت نادية ابننا عمر، وجهه مرئي من خلال نافذة الحضانة.

"خمسة عشر عامًا من الصور،" همست نادية. "كيف هو في خمسة عشر عامًا من الصور؟"

أغلقت الألبوم. كان جلد الربط دافئًا، كأنما ظل جالسًا في الشمس. لكننا احتفظنا بالألبومات في القبو، حيث لم يصل الضوء أبدًا.

***

الأطفال أحبوه فورًا. كان ينبغي أن يكون هذا تحذيري الأول.

عمر، الذي لم يتحدث إلى غريب دون أن يختبئ خلف ساقي، كان يركض إلى منزل أحمد كل عصر. كنت أشاهد من نافذة المطبخ وهم يلعبون الشطرنج على درجات منزله الأمامية، وجه ابني البالغ من العمر ثماني سنوات يضيء بالتركيز.

"إنه يعلمني القواعد القديمة،" قال لي عمر أثناء العشاء. "الطريقة التي كانوا يلعبون بها عندما كان العالم مختلفًا."

"مختلف كيف؟" سألت.

هز كتفيه، وهو يضع ملعقة أرز في فمه. "قبل أن ينسى الناس كيف يرون."

ابنتي الصغرى، سلام، بدأت تتحدث العربية بلهجة لم أتعرف عليها—رسمية، قديمة، كأنها تعلمت اللغة من كتب كتبت منذ قرون. عندما سألتها عن الأمر، أمالت رأسها وحدقت فيّ بعيون بدت كبيرة جدًا على وجهها البالغ ست سنوات.

"العم أحمد يعلمني الكلمات الصحيحة،" قالت. "الكلمات التي تحمل القوة."

في تلك الليلة، وجدتها تقف عند نافذة غرفتها، تتحدث إلى شخص ما في الحديقة. لكن عندما نظرت، لم يتحرك إلا الظلال بين أشجار الزيتون.

***

حاولت أن أبحث عن أحمد قاسمي. لا يوجد سجلات. لا شهادة ميلاد، لا جواز سفر، لا أثر رقمي. كان كأنه ببساطة ظهر من هواء الصحراء. عندما سألت جيراننا الآخرين عنه، بدوا مشوشين.

"أي جار؟" قالت السيدة خوري، التي تعيش على جانبه الآخر. "ذلك البيت كان فارغًا لشهور."

لكنني كنت أستطيع رؤية منزله من نافذتي. كنت أستطيع رؤية الضوء الدافئ في نوافذه، أشم القهوة بالهيل تُختمر في مطبخه. كنت أسمعه يدندن أغاني قديمة وهو يعتني بحديقته، الأغاني التي كان جدي يغنيها.

اتصلت بأبي، صوتي يرتجف. "بابا، أخبرني عن عمل جدّي. الأساس الذي بناه لمنزلنا."

صمت طويل. ثم: "بعض الأشياء من الأفضل أن تُدفن، يا بني."

"ماذا وجد هناك؟"

"مكان كان مقدسًا للشعوب القديمة. مكان كانوا يتحدثون فيه إلى الأشياء التي جاءت قبلنا. جدك... عقد صفقة."

انقطع الخط. عندما اتصلت مجددًا، كان رقم أبي مفصولًا.

***

نما الخطأ مثل السرطان. أشياء صغيرة في البداية—ظلال تسقط إلى الأعلى، مرايا تعكس غرفًا لم أرها من قبل، طعم عملات نحاسية في فمي عندما أنطق اسمي.

أحمد يزور كل يوم الآن. كان يجلس في كرسي الجد ويحكي قصصًا عن عائلتنا لم أسمعها من قبل، ذكريات بدت أكثر حقيقة من ذكرياتي. كان يتحدث عن كوابيس جدي، مخاوف طفولة أبي، أحلامي من عقود مضت.

"جدك كان رجلًا حكيمًا،" قال أحمد ذات مساء، يحتسي الشاي الذي يبعث البخار رغم حرارة الصيف. "لقد فهم أن بعض الضيوف يجب أن يُرحب بهم، سواء كنت تريدهم أم لا."

شاهدت أطفالي يتجمعون حوله كالأزهار التي تتحول نحو الشمس. جلست ليلى عند قدميه، تجدّل أساور الصداقة بخيوط تتلألأ بالفضة في ضوء المصباح. استند عمر على كرسيه، عينيه مغلقتين، بينما كان أحمد يمرر أصابعه على شعره بأصابع كانت طويلة جدًا، شاحبة جدًا.

"ماذا تريد منا؟" همست.

ابتسامة أحمد لم تتغير. "أريد ما أردته دائمًا. أن أكون عائلة."

***

في تلك الليلة، استيقظت لأجد انعكاسي مفقودًا من مرآة الحمام. أظهرت الزجاجة فقط الغرفة خلفي، فارغة وتنتظر. اقتربت بوجهي من السطح ورأيت شيئًا يتحرك في الظلام المنعكس—شخصية تمشي بخطواتي، تلبس ملابسي، ولكن بعيني أحمد الشتائيتين.

تعثرت عائدًا إلى السرير، حيث نادية كانت نائمة بسلام. لكن بينما كنت أشاهد، تغيّرت ملامحها قليلاً في ضوء القمر. انحناءة أنفها، شكل شفتيها—تغيّرات صغيرة، بالكاد يمكن ملاحظتها. بالكاد.

فتحت عينيها وابتسمت لي بابتسامة أحمد.

"نم يا حبيبي،" قالت بصوت كريح الصحراء. "كل شيء سيكون أوضح في الصباح."

هربت.

***

قضيت ثلاثة أيام في فندق في وسط المدينة، أتصل بالمعالجين، أبحث في الهلوسات، أقنع نفسي أنني أفقد عقلي. انهيار عقلي. توتر. إرهاق. أي شيء إلا الحقيقة التي زحفت عبر أحلامي مثل العناكب المصنوعة من الذكريات.

عندما عدت إلى المنزل، كان الأطفال ينتظرونني على الدرج الأمامي. كانوا يبدون مثل أنفسهم—تمامًا مثل أنفسهم. لكنهم شاهدوني أقترب بعينين تحملان الكثير من المعرفة، الكثير من الصبر.

"اشتقنا لك يا بابا،" قالت ليلى. كان صوتها صوتها الخاص، لكن تحته سمعت صوتًا آخر، أقدم وأبرد. "العم أحمد ساعدنا بينما كنت غائبًا."

"لقد كان أبًا جيدًا،" أضاف عمر، والكلمات قطعتني مثل الزجاج المكسور.

داخل المنزل، تغير كل شيء. الجدران تتنفس ببطء أكثر الآن، كأنها تعلمت أخيرًا الاسترخاء. صور جديدة كانت معلقة في الردهة—صور لا أتذكر التقاطها. صور لأحمد في كل لحظة مهمة في حياتنا. صور حيث يقف أقرب قليلاً إلى عائلتي في كل مرة، حيث تكبر ابتسامته قليلاً.

في المطبخ، كانت نادية تدندن وهي تطبخ. الأغنية كانت تلك التي كانت جدتي تغنيها، لكن نادية لم تلتقِ بجدتي أبدًا. عندما استدارت لتحييني، رأيت أن عينيها قد أصبحتا أفتح من البني إلى سماء الشتاء.

"مرحبا بعودتك،" قالت، وقبّلتني بشفاه كانت طعمها مثل الرمل والأسرار.

***

وجدت أحمد في مكتب جدي، جالسًا خلف المكتب كما لو كان ينتمي هناك دائمًا. كانت الغرفة تفوح برائحة الكتب القديمة وشيء آخر—شيء ذكرني بالأماكن العميقة والصلوات المنسية.

"هربت،" قال دون أن يرفع نظره عن الأوراق التي كان يقرأها. كانت وثائق لم أرها من قبل، مكتوبة بخط جدّي الدقيق. "كان ذلك... مخيبًا للآمال."

"ما أنت؟"

أخيرًا رفع عينيه. في ضوء المصباح، بدت تقريبًا بشرية. تقريبًا. "أنا ما دعا جدك عندما بنى هذا البيت. أنا ثمن الأساس العميق، الضيف الذي لا يغادر أبدًا."

على المكتب، رأيت صورًا لعائلتي—لكن ليست عائلتي. اختلافات دقيقة. نادية بعيون أفتح. الأطفال بابتسامات أكثر حدة. وأنا بتعبير من الرضا لم أرتديه أبدًا.

"أنت تستبدلنا،" همست.

"أنا أكملنا." وقف أحمد، وفي الظلال المتحركة بدا أطول، أقدم، أكثر واقعية من أي شيء آخر في الغرفة. "جدك حفر عميقًا جدًا، كما ترى. لقد وجد المكان الذي تستريح فيه شعبي، المسافة بين العوالم حيث ننتظر الدعوة. كان حكيمًا بما يكفي ليرحب بي بشكل صحيح."

"وفي المقابل؟"

"في المقابل، أصبح جزءًا من العائلة. ببطء. بحذر. ذكرى واحدة في كل مرة، صورة واحدة في كل مرة، حتى لم يكن هناك وقت لم أكن هنا." كانت ابتسامته عطوفة، أبوية. "حتى أصبح الأب الذي يستحقه أطفالك."

***

حاولت أن أرحل مرة أخرى. السيارة لم تعمل. الحافلات لم تتوقف. كل الطرق أدت إلى شارعنا، إلى بيتنا، إلى العائلة التي لم تعد تخصني بالكامل.

ضحكات الأطفال ترددت من الحديقة، مشرقة وموسيقية وخطأ. من خلال النافذة، شاهدتهم يلعبون مع أحمد، وجوههم تتوهج بسعادة لم أكن قادرًا على منحهم إياها. لقد نظروا إليه بالطريقة التي أردتهم دائمًا أن ينظروا إليّ بها—بثقة كاملة، حب مطلق.

وجدتني نادية واقفًا هناك، أراقب بديلي وهو يصبح الأب الذي أخفقت في أن أكونه.

"إنه جيد معهم،" قالت بلطف. كان صوتها لا يزال صوتها، لكن متخلل بنغمات أقدم. "أفضل من..."

لم تكمل. لم تكن بحاجة إلى.

"إلى متى؟" سألت. "إلى متى حتى لا يبقى شيء منا؟"

"هل يهم؟" لمست وجهي بأصابع كانت أكثر برودة مما كانت عليه. "سنكون سعداء بهذه الطريقة. جميعنا. حتى أنت."

في تلك الليلة، حدقت في نفسي في مرآة الحمام، أراقب التغييرات. كانت عيناي أفتح من البارحة. كانت ابتسامتي تبدو غريبة على شفتي، كأنها تخص شخصًا آخر. في الانعكاس، رأيت أحمد يقف خلفي، يده على كتفي بإيماءة أصبحت مألوفة.

"لا يؤلم،" همس. "أن تصبح من كنت دائمًا.

***

أنا أكتب هذا في القبو، في الغرفة الوحيدة التي لا يدخلها أحمد أبدًا. الجدران هنا مختلفة—حجارة أقدم، ملاط أكثر خشونة. هنا حيث حفر جدي لأول مرة ووجد المسافات بين العوالم. هنا حيث تمت الصفقة.

الصور مختلفة الآن. في كل واحدة، أحمد أقرب إلى المركز، أكثر وضوحًا. في الأحدث، يمسك بأطفالي، يقف بجانب زوجتي، يشغل المكان الذي كنت فيه. أنا أصبح الشخصية الخلفية، الطمس على حافة الإطار، الوجه الذي يبهت مع كل يوم يمر.

غدًا، أعلم، ستُظهر الصور عائلة من خمسة أفراد. أحمد ونادية، أبوين لثلاثة أطفال جميلين يضحكون أكثر مما كانوا يفعلون، ينامون بسلام طوال الليل، لا يستيقظون أبدًا صارخين من كوابيس عن أشياء بعيون شتاء.

أشعر به في أفكاري الآن، لطيفًا وصبورًا ولا مفر منه. يُظهر لي ذكريات ليست لي—ذكريات عن كوني الأب الذي احتاجه أطفالي، الزوج الذي استحقته نادية. ذكريات عن حياة عشتها أفضل، أطيب، مع حب أكثر وخوف أقل.

التحول تقريبًا اكتمل. قريبًا، سأتذكر أنني كنت أحمد قاسمي، الجار الطيب الذي أصبح عائلة. سأتذكر الانتقال بجوارهم قبل ثلاثة أسابيع بطبق معمول، أُعرف نفسي للبيت الوحيد الذي كان بحاجة لأب.

سأتذكر اختيار هذه العائلة، محبًا لهم بشكل أفضل مما كانوا قد أحبوا من قبل.

وربما ليس ذلك شيئًا سيئًا.

الأطفال ينادونني الآن. "بابا،" يقولون، أصواتهم مشرقة بالفرح. لكنهم لا ينادون خالد المنصوري بعد الآن. إنهم ينادون الأب الذي كان هنا دائمًا، الذي يظهر في كل صورة، الذي يعرف القواعد القديمة ويعلمهم الكلمات الصحيحة.

أغلق هذا السجل وأصعد السلالم. في مرآة الردهة، يلوح انعكاسي وداعًا لشخص لم يكن موجودًا حقًا. الرجل في المرآة له عيون الشتاء وابتسامة لطيفة، وقد أحب هذه العائلة لخمسة عشر عامًا، وسأحبهم لخمسة عشر عامًا أخرى.

في غرفة المعيشة، استقر أحمد—لا، أنا—في كرسي الجد. يتجمع الأطفال حولي كالأزهار التي تتحول نحو الشمس، وتجلب زوجتي الشاي على صينية الفضة الفاخرة.

في الخارج، في بيت يقف فارغًا وقد وقف دائمًا فارغًا، ينهي رجل يُدعى خالد المنصوري كتابة قصته ويتلاشى كضباب الصباح في شمس الصحراء.

العائلة مكتملة الآن. الضيف عاد أخيرًا إلى بيته.

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن