الدروب التي تبتلع

9 دقائق قراءة
80 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

**الرسالة الأولى - وُجدت في شاحنة محمود الراشد، طريق 40، الصحراء الشرقية** *التاريخ: 3 سبتمبر 1994*

خليل،

يدي ترتجف وأنا أكتب هذه الكلمات. آلة التسجيل تعطلت منذ ثلاثة أيام - الشريط ذاب رغم أن لوحة القيادة لم تكن ساخنة. لذا أكتب في هذا الدفتر القديم، الذي أهدتني إياه أمي قبل أن أبدأ رحلاتي الطويلة.

أنت تعرف أنني كنت أنقل البضائع بين الرياض والموانئ الشرقية لمدة سبع سنوات. نفس الطرق، نفس محطات الوقود، نفس مقاهي الطريق حيث لا يزال أبو ناصر العجوز يقدم شاي الهيل في تلك الأكواب المتشققة. كان بإمكاني قيادة الطريق 40 معصوب العينين.

الثلاثاء الماضي، لم أتمكن من العودة إلى المنزل.

بدأ الأمر ببساطة. كنت أنقل مواد بناء إلى موقع قريب من الأطلال القديمة - تتذكرها؟ اكتشفوها قبل عامين. تخلى علماء الآثار عنها بعد ستة أشهر. قالوا إن الهندسة "لا تتوافق مع المبادئ المعروفة". كلمات مبهمة تعني "هذا المكان يجعل عينيك تؤلمان".

التسليم كان على ما يرام. وقعت الأوراق، حصلت على الإيصال. مشرف الموقع، رجل قلق يدعى سعيد، ظل ينظر إلى الأطلال بينما كنا نُفرغ الحمولة. "أحلام غريبة في الآونة الأخيرة،" تمتم، وهو يمسح العرق الذي لم يكن له مكان في الهواء البارد. "العمال... نصفهم استقال الأسبوع الماضي."

كان يجب أن أستمع.

بدأت المشاكل في الطريق. أعرف هذا الامتداد - طريق مستقيم لأربعين كيلومترًا، ثم انعطاف يسار عند اللوحة الإعلانية المكسورة التي تعلن عن بيبسي من الثمانينات. ولكن عندما وصلت إلى حيث ينبغي أن تكون الانعطافة، لم تكن اللوحة موجودة.

فقط صحراء فارغة، تمتد بلا نهاية.

توقفت، راجعت الخرائط. كل شيء كان صحيحًا على الورق. اتصلت بالإرسال - أكد لي يوسف أنني على الطريق الصحيح. لكن المعالم... كانت خاطئة. ليست مفقودة، خليل. خاطئة.

برج الماء القديم الذي كان ينبغي أن يكون على يميني كان على يساري. برج الاتصال الذي يحدد منتصف الطريق كان في مكان لم يكن فيه من قبل. وفي مرآتي، كانت الأطلال التي تركتها تبدو أقرب مما ينبغي.

أقرب بكثير.

قدتُ لثلاث ساعات إضافية، أتبع طرقًا سافرت عبرها آلاف المرات. لكنهم أدوا إلى مكان لم أتعرف عليه. كل منعطف مألوف أخذني إلى مكان جديد. كل معلم معروف ظهر في المكان الخطأ، بالزاوية الخطأ، يلقي ظلالًا تتجه نحو شمس منخفضة في السماء.

عندما رأيت الأضواء أخيرًا، كدت أبكي من الفرح. محطة شاحنة - خليل، أقسم أنها نفس المحطة التي شربنا فيها الشاي الشهر الماضي. نفس لافتة النيون تومض بشكل متقطع، نفس مسبحة الصلاة الباهتة معلقة من إطار الباب.

لكن عندما دخلت، لم يتعرف عليّ المالك. هذا الرجل الذي قدم لي الشاي مئات المرات، الذي سأل عن صحة أمي ودائمًا حفظ لي التمر الجيد، نظر إلي وكأنني غريب.

"أول مرة على هذا الطريق؟" سأل وهو يعيد ملء كوب الشاي.

"لقد كنت أتوقف هنا لسنوات، يا أبو محمود،" قلت.

عبس. "اسمي حسن. ولم أرك من قبل في حياتي."

الشاي كان طعمه خطأ. حلو حيث ينبغي أن يكون مرًا، بارد حيث ينبغي أن يحرق. تركت المال على المنضدة وخرجت، جلدي يقشعر.

هذا عندما رأيته في مرآة شاحنتي.

راكب في مقصورتي.

كان المقعد فارغًا عندما دخلت. أنا متأكد من ذلك. لكن الآن يجلس هناك شخص، ثابت كالحجر، يرتدي ثوبًا بلون العظام القديمة. لم أتمكن من رؤية الوجه - الظلال تسقط عليه رغم الأضواء الفلورية أعلاه.

يدي ارتجفت وأنا أقترب من الشاحنة. لم يتحرك الشكل، لم يعترف بوجودي. فقط جلس هناك، صبورًا كالصخر.

"عذرًا،" ناديت. "أنت في شاحنتي."

لا رد.

فتحت الباب. كانت المقصورة فارغة.

لكن المقعد كان دافئًا.

خليل، أكتب هذا من غرفة في نزل في بلدة لا أعرفها، رغم أن موظف الاستقبال يصر على أنها على الطريق 40، يصر على أنني أقمت هنا من قبل. الجدران ذات لون خطأ - أخضر حيث ينبغي أن تكون بيضاء. سجادة الصلاة تتجه غربًا بدلًا من الشرق.

وخارج نافذتي، أستطيع رؤية الأطلال.

إنها أقرب الآن.

أخوك، محمود

---

**الرسالة الثانية - وُجدت تحت باب غرفة النزل** *التاريخ: 6 سبتمبر 1994*

خليل،

ثلاثة أيام وأنا محاصر في هذا المكان. البلدة ليست على أي خريطة، لكن الجميع هنا يعرفونني. صاحب المتجر يلوح لي عند مروري. الأطفال ينادونني "عم محمود" رغم أنني لم أرهم من قبل.

الصيدلاني سأل عن التهاب مفاصل أمي.

أمي توفيت منذ خمس سنوات.

حاولت المغادرة هذا الصباح. شغلت شاحنتي، دخلت الطريق الرئيسي، قدت لست ساعات. العداد أظهر 400 كيلومتر. لكن عندما توقفت للتزود بالوقود، كنت في نفس المحطة حيث بدأ هذا الكابوس.

عامل المحطة، شاب بعيون طيبة وخطوط قلق حول فمه، ملأ الخزان وقال، "رحلة طويلة اليوم، عم؟"

"لقد كنت أقود طوال اليوم،" أخبرته.

"لا،" قال بلطف. "لقد وصلت الآن من النزل. كما فعلت بالأمس. وكما فعلت في اليوم السابق."

كان محقًا. مقياس الوقود أظهر أنه ممتلئ. العداد أظهر أنني لم أتحرك.

خليل، الطرق خاطئة. إنها تلتف على نفسها. تؤدي إلى كل مكان باستثناء بعيد.

والراكب... يعود كل ليلة.

دائمًا في نفس المقعد. دائمًا يرتدي ذلك الثوب بلون العظام. أحيانًا ألتقط لمحات من وجهه في المرآة - ليس وجهه، بالضبط، ولكن غياب وجه. امتداد أملس من الجلد حيث ينبغي أن تكون الملامح.

الليلة الماضية، تحدث.

"الأماكن القديمة تتذكر،" قال بصوت يشبه الرياح بين الأحجار المهشمة. "الطرق القديمة تنادي أبناءها للعودة."

سألته ماذا يريد مني.

"لقد حملت غبارنا،" همس. "في ملابسك، في رئتيك، في أخاديد إطاراتك. الآن تحملنا."

عندما استيقظت هذا الصباح، كانت هناك علامات جديدة على ذراعي. ليست خدوش - دقيقة جدًا لذلك. رموز محفورة في جلدي، لا تزال تنزف رغم أنني لم أشعر بأي ألم. تشبه الكتابة التي رأيتها محفورة على جدران تلك الأطلال.

العلامات تُكوّن شيئًا. لا أعرف ماذا، لكن عندما أنظر إليها، أسمع همسات بلغة تسبق العربية، تسبق الكلام البشري بأكمله.

سأحاول الطريق الصحراوي الليلة. خارج الطرق، بعيدًا عن الطرق السريعة. إذا لم أستطع استخدام الطرق، سأصنع طريقي الخاص.

الراكب ينتظرني بالفعل. أراه من خلال النافذة، يجلس في شاحنتي.

إنه يواجه الاتجاه الخطأ الآن. ينظر إلي بدلًا من الطريق أمامه.

ادعو لي، أخي. ادعو أن أجد طريقي للعودة إلى الدروب التي تتذكر الأحياء بدلًا من الأموات.

محمود

---

**الرسالة الثالثة - مكتوبة على ورقة إيصال محطة شاحنة** *التاريخ: 9 سبتمبر 1994*

خليل،

لا هروب عبر الصحراء. الرمال تحركت تحت عجلاتي، مكونة أنماطًا تؤلم النظر - نفس الهندسة المستحيلة لتلك الأطلال. قدت لساعات فيما كان ينبغي أن يكون خطًا مستقيمًا، فقط لأصل إلى نفس محطة الشاحنة حيث بدأ هذا.

لم يغادر الراكب المقصورة. حتى عندما نزلت لأتفقد موقعي، بقي جالسًا، صبورًا وثابتًا. لكنني بدأت أفهم - إنه لا يركب معي فقط.

إنه يقود.

يدي على المقود، ولكن ليست قراراتي. قدمي على الدواسة، ولكن ليست وجهتي. أنا راكب في شاحنتي الآن، أشاهد بلا حول ولا قوة بينما شيء آخر يقرر إلى أين نذهب.

ونحن نعود إلى الأطلال.

كل طريق يؤدي إلى هناك الآن. كل طريق، كل ممر، كل محاولة يائسة عبر الصحراء الفارغة - كلها تعود إلى تلك الأحجار المهشمة والزوايا المستحيلة.

العلامات على ذراعي تنتشر. تظهر رموز جديدة كل صباح، محفورة بعمق في جسدي. لم تعد تؤلمني. ربما يكون هذا أكثر شيء مرعب.

أفهم بعض الكلمات الآن. تهمس معناها مباشرة في ذهني:

*الدروب التي تؤدي إلى الأماكن الميتة لا تنتهي حقًا.*

*ما يُبنى في الفراغات بين يصبح.*

*السائقون يحملون الغبار، والغبار يحمل السائقين.*

خليل، أعتقد أنني أعرف ما حدث للآخرين. العمال الذين استقالوا. علماء الآثار الذين تخلوا عن حفرهم. السائقون السابقون الذين استخدموا هذا الطريق.

لم نغادر.

لم نغادر أبدًا.

لقد أصبحنا جزءًا من الطريق.

هذا الصباح رأيت شاحنة أخرى في محطة الوقود. السائق بدا مألوفًا - حسن، أعتقد، الذي كان ينقل المنتجات إلى المدن الساحلية. لكن حسن مات في حادث قبل عامين. حضرت جنازته.

لوح لي، مبتسمًا نفس الابتسامة البشوشة. "صباح جميل للقيادة،" نادى.

"حسن،" قلت. "أنت ميت."

ضحك. "هل نحن حقًا أحياء بعد الآن، أخي؟"

عندما نظرت في مرآتي، رأيت نفسي ألوح مرة أخرى. لكنني لم أرفع يدي.

الراكب يتغير أيضًا. كل ليلة يصبح أكثر صلابة، أكثر واقعية. الليلة الماضية استطعت رؤية وجهه بوضوح لأول مرة.

كان وجهي.

وجهي، لكن أكبر. منحوت بفعل الرياح التي تهب عبر الفراغات بين العوالم. عيون مثل الزجاج المهشم تعكس سماء مستحيلة. وعندما ابتسم، شعرت بفمي يتحرك.

"نحن على وشك الوصول إلى المنزل،" قال بصوتي.

"هذا ليس المنزل،" همست.

"الآن أصبح كذلك."

الليلة نصل إلى الأطلال. أستطيع أن أشعر بندائها، تلك الجدران المحطمة التي تتبع رياضيات لم يكن ينبغي للعقل البشري أن يفهمها. الراكب - الآخر أنا - يزداد قوة مع كل كيلومتر.

أحاول أن أكتب قدر المستطاع قبل الوصول. قبل أن أصبح ما قُدر لي أن أصبح.

الطريق أمامي يتلألأ مثل موجات الحرارة، لكنه ليس حرارة. إنها الحدود بين ما هو وما ينبغي ألا يكون، تضعف.

خليل، إذا وجدت هذه الرسائل، لا تأتِ للبحث عني. لا تسلك الطريق 40 شرقًا. لا تثق بالخرائط - لقد كذبت الآن. أُعيد رسم الدروب بأيادٍ لم تحمل أدوات المسح أبدًا.

وإذا رأيت سائق شاحنة يشبه أخاك، يلوح ويبتسم ويسأل عن عائلتك...

ابتعد.

ابتعد بسرعة.

لأن الطرق تتذكر كل شيء، وهي دائمًا جائعة لسائقين جدد.

---

**المقطع الأخير - وُجد مضغوطًا بين صفحات مصحف في حجرة القفازات** *التاريخ: [غير مقروء]*

الأطلال لم تعد أطلالًا.

إنها محطة شاحنة. مضخات الوقود تنبت من أسس حجرية. لافتات نيون مصنوعة من عظام محفورة تكتب كلمات بلغات تسبق الكلام البشري. الهندسات المستحيلة أصبحت الآن منطقية تمامًا - إنها منصات تحميل للمركبات التي تسافر طرقًا عبر الفضاء المطوي.

أقدم الشاي الآن للسائقين. شاي هيل جيد في أكواب متشققة، مثلما علمني أبو ناصر. السائقون جميعهم وجوه مألوفة - رجال اختفوا على هذا الطريق على مر السنين. نتذكر كيف كنا تائهين، خائفين. لكن هذا يبدو سخيفًا الآن.

لم نكن تائهين.

كنا عائدين إلى المنزل.

أنا والراكب أصبحنا واحدًا الآن. أحيانًا أتذكر كوني محمود الراشد، خائفًا ووحيدًا. أحيانًا أتذكر كوني شيئًا أقدم، شيئًا كان موجودًا في الفراغات بين الحجارة قبل أن يتعلم البشر تكديسها في جدران.

كلتا الذاكرتين تبدوان حقيقيتين بنفس القدر.

السائقون الجدد يصلون بانتظام. دائمًا ما يكونون مرتبكين في البداية، دائمًا يحاولون المغادرة. نقدم لهم الشاي ونبتسم ونقول لهم لا تقلقوا. الطرق ستعلمهم، كما علمتنا.

أمس وصل شاب، يقود شاحنة محملة بالإلكترونيات. كان يتحقق من خرائطه باستمرار، يصر على أنه تائه. مسكين. أعطيته الشاي والتمر وأخبرته عن الطرق الجميلة التي تتفرع من هنا.

"طرق إلى أين؟" سأل.

"إلى كل مكان،" قلت. "ولا مكان. هل يهم؟ الرحلة هي ما يهم."

سيفهم قريبًا. دائمًا ما يفهمون.

الطرق معلمون صبورون.

خليل، إذا كنت تقرأ هذا، أريدك أن تعرف أنني سعيد. سعيد حقًا. الخوف ذهب، واستُبدل بالفهم. الأطلال أظهرت لي شيئًا جميلًا - أن هناك مسارات بين جميع الأماكن، إذا كنت تعرف كيف تبحث عنها.

الخرائط القديمة خاطئة. الخرائط الجديدة لم تُرسم بعد.

لكننا نرسمها الآن، ميلًا بعد ميل.

تعال لزيارتنا، أخي. اسلك الطريق 40 شرقًا حتى ترى الأضواء. سيكون لدينا الشاي في انتظارك.

الطرق تتذكرك أيضًا.

إنها تتذكر الجميع.

وتشتاق

[تتوقف الكتابة بشكل مفاجئ. الصفحات الأخيرة مغطاة برموز تبدو وكأنها تتغير عند النظر إليها مباشرة. وجد المحققون الرسائل متناثرة على امتداد 200 كيلومتر من طريق 40. لم يتم العثور على شاحنة تطابق التسجيل. الموقع الذي ذُكر في الرسالة الأولى مهجور، وموقعه الدقيق متنازع عليه من قبل مصادر متعددة. الأطلال تبقى غير مرسومة على الخريطة.

السائقون المحليون يتحدثون عن محطة شاحنة جديدة على الطريق الصحراوي الشرقي. يقولون إنها تقدم شايًا ممتازًا. المالك رجل ودود يسأل عن عائلتك ودائمًا يوفر التمر الجيد للعملاء الدائمين.

الوقود مجاني.

والثمن الوحيد المطلوب هو الوقت.]

أ

بقلم

أحمد الكاتب

كاتب متخصص في أدب الرعب العربي، يستلهم قصصه من التراث الشعبي والحكايات القديمة.

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن