الأسوار التي تبتلع العقول: لغز مدينة النحاس

3 دقائق قراءة
100 قراءة
0 (0)

تنويه هام

هذه القصة من نسج الخيال وأُلِّفت لأغراض الترفيه فقط. أي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو محض صدفة.

في قلب صحراءٍ لا تنتهي، حيث تمتد الرمال كبحرٍ أصفرَ صامت، وتذوب الشمس في الأفق كقطعة نحاسٍ منصهرة، وُلدت حكاية لا تشبه أي حكاية… حكاية مدينةٍ لا تُرى إلا كوميضٍ عابر، ولا تُذكر إلا ويخفت الصوت في الصدور: مدينة النحاس.

يقول العابرون إن الريح هناك لا تهبّ عبثًا، بل كأنها تهمس باسمٍ قديم، اسمٍ حاول الزمن نفسه أن ينساه. مدينةٌ صُنعت - كما تقول الأساطير - بأمرٍ من نبي الله سليمان، على يد قوىً لا تُرى، لتكون إما خزائنَ لعجائب العالم… أو قفصًا لما لا يجب أن يُطلق أبدًا.

لكن ما يجعل الأسطورة أكثر رعبًا من أي خيال، أنها لم تبقَ حبيسة الكتب.

في زمنٍ بعيد، حين كانت رايات الدولة الأموية تلامس أطراف المجهول، وصل إلى أفريقيا رجلٌ اشتهر بالحزم والعقل: موسى بن نصير. لم يكن من الذين يصدّقون الحكايات بسهولة، لكن الصحراء - كما يُقال - تُجبر أكثر الرجال عقلًا على الإصغاء لجنونها.

جاءه الخبر من البدو: “في العمق… هناك مدينة تلمع كأنها الشمس نزلت إلى الأرض.”

لم يضحك. لم يرفض. فقط صمت طويلًا… ثم أرسل بعثةً نحو اللاشيء.

الأيام في الصحراء ليست أيامًا كما نعرفها. هي امتدادٌ متكرر من العطش والبياض والسراب. حتى ظهر في الأفق شيء غير مألوف… لم يكن جبلًا، ولا صخرة، بل وهجًا نحاسيًا يقطع امتداد الرمال كجرحٍ مفتوح في الأرض.

اقتربوا.

كانت هناك مدينة… لكن بلا أبواب. أسوارها عالية، ملساء، كأنها صُبّت من معدنٍ واحد في لحظة غضب كوني. لا ظلّ لحارس، لا صوت لحياة… فقط صمت ثقيل كأنه يضغط على القلوب.

تقدم الجنود بحذر. ثم حدث ما لم يفهمه أحد.

صعد أول رجل.

وحين بلغ القمة ونظر إلى الداخل… توقف الزمن في عينيه.

ضحك.

لكنها لم تكن ضحكة بشر. كانت ضحكة خرجت كأنها انكسار شيء في الداخل، ضحكة طويلة، فارغة، مرعبة… ثم ألقى بنفسه إلى الداخل وكأنه يُسحب بقوة لا تُرى.

تجمد الجميع.

صعد الثاني… ثم الثالث… ثم الرابع. وكلهم… نفس المشهد. ضحكٌ لا تفسير له، ثم سقوطٌ كأن المدينة تناديهم باسمٍ لا يستطيعون مقاومته.

هنا فقط فهم موسى بن نصير أن الأمر ليس فتح مدينة… بل مواجهة شيء لا يشبه العالم.

تراجع الجيش، لكن المدينة لم تغب عن عقولهم. بقي وهجها يلاحقهم في الليل، كأن النحاس نفسه صار له ذاكرة.

وحُكي لاحقًا عن نقوشٍ وُجدت قرب المكان، تحذّر من الغرور، وتذكّر كل من يقترب أن “الأرض لا تترك من يتكبر عليها”.

لكن الأكثر رعبًا… لم يكن ما كُتب، بل ما لم يُفهم.

لماذا يضحك الإنسان قبل أن يفقد نفسه؟

ومع مرور القرون، بقيت مدينة النحاس سؤالًا بلا جواب. هل كانت مدينة حقيقية؟ أم اختبارًا؟ أم بابًا إلى شيء لا ينبغي للعقل أن يراه؟

البعض يقول إنها ابتلعت من اقترب منها. والبعض يقول إنها لم تكن يومًا مكانًا… بل فكرة، تظهر لمن يطارد المستحيل حتى النهاية.

لكن في ليالي الصحراء الهادئة، حين يخفّ صراخ الريح قليلًا… يقسم بعض الرحالة أنهم رأوا وميضًا نحاسيًا بعيدًا.

ثم اختفى.

وكأن المدينة لم تُغلق أبوابها… بل لم تكن لها أبواب من الأساس.

م

بقلم

محمد عبد الرزاق ابراهيم

كاتب مساهم في موقع قصص رعب

قيّم هذه القصة

التقييم: 0 من 5 (0 تقييم)

شارك القصة (0)

قصص مشابهة من قصص الجن